يارا صبري: "بروفة يوم الحساب" مواجهة بين الإنسان وأسئلته

28 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 11:24 (توقيت القدس)
يارا صبري في عرض "بروفة يوم الحساب" على مسرح الحمراء في دمشق (26/6/2026 سورية الجديدة)
+ الخط -
اظهر الملخص
- المسرح يعكس تحولات المجتمع والروح البشرية، ويعتبر مختبراً للممثل، حيث تؤكد يارا صبري على أهمية الصدق في الأداء وحضور الروح لاستعادة وهج المسرح بفكرة صادقة وتجربة إنسانية عميقة.
- مسرحية "بروفة يوم الحساب" تناقش العدالة الانتقالية في سوريا، مبرزة الفرق بين العدالة والانتقام، وتدعو لبناء مسار قانوني فعّال، حيث تجسد يارا صبري شخصية "سما" الناجية من الاعتقال.
- تواجه الحركة المسرحية تحديات الإنتاج والواقع الثقافي، لكن الجهود مستمرة لتعزيز حضور المسرح في التعافي المجتمعي، مع التركيز على أعمال جادة تترك أثراً حقيقياً، بينما تعتمد النجومية في الدراما على الموهبة والتطور.

حين يقف الفنان على خشبة المسرح، فهو لا يقدّم مجرد عرضٍ عابر، بل يدخل في مواجهة مباشرة مع الإنسان، مع مخاوفه وأحلامه وأسئلته المؤجلة، فالمسرح، منذ ولادته، ظلّ مساحة للبحث عن الحقيقة، ومرآة تعكس تحولات المجتمع والروح البشرية، وفي زمن تتسارع فيه إيقاعات الصورة وتزداد فيه صعوبة الحفاظ على حضور الفعل المسرحي، يبقى هناك فنانون يؤمنون بأن الخشبة لا تموت، وأنها قادرة دائماً على استعادة وهجها حين تحمل فكرة صادقة وتجربة إنسانية عميقة.
من هذا العالم تأتي الفنانة يارا صبري، كأحد الأصوات الفنية التي ارتبط اسمها بالاختيار الدقيق والتجارب التي تنحاز إلى القيمة قبل الانتشار، حضورها لم يكن يوماً مرتبطاً بسطوة النجومية وحدها، بل بقدرتها على تقديم شخصيات تحمل نبض الإنسان، وتترك أثراً يتجاوز لحظة العرض، وفي تجربتها المسرحية الجديدة "بروفة يوم الحساب" تعود إلى الخشبة محمّلةً بأسئلة الفن والحياة، لتخوض مع الجمهور رحلة تتقاطع فيها التأملات الإنسانية مع قلق الواقع.
في هذا اللقاء مع "سورية الجديدة"، تتحدث يارا صبري عن كواليس هذه المسرحية، وعن المعاني التي تختبئ خلف عنوانها ودلالاته، وعن علاقتها الخاصة بالمسرح الذي تعتبره مختبراً حقيقياً للممثل، حيث لا يمكن للاختباء خلف التقنيات أو المؤثرات أن يعوّض صدق الأداء وحضور الروح، كما تفتح قلبها للحديث عن واقع المسرح السوري، وما يواجهه من تحديات تتعلق بالإنتاج.
ولا يتوقف الحوار عند حدود المسرح، بل يمتد إلى الدراما التلفزيونية، حيث تكشف يارا صبري رؤيتها لمعايير اختيار النجم الحقيقي، والفارق بين الشهرة العابرة والحضور الفني المتجذر. فهي ترى أن النجم لا يصنع فقط من خلال عدد الأعمال أو حجم الانتشار، بل من خلال الموهبة، والقدرة على التطور، واحترام عقل المشاهد، والبحث الدائم عن شخصيات تضيف إلى مسيرة الفنان ولا تكرر نجاحاته السابقة.

"بروفة يوم الحساب" تتضمن رسالتين متكاملتين: الأولى موجهة إلى الجمهور، للتأكيد على أن العدالة لا تبنى عبر الثأر، والثانية موجهة إلى الجهات المعنية في الدولة، للتأكيد على ضرورة الإسراع في بناء مسار قانوني واضح وفعّال

* كيف تصفين فكرة مسرحية "بروفة يوم الحساب" ورسالتها إلى الجمهور، وما الرسالة التي تتمنين أن يخرج بها المشاهد بعد انتهاء العرض؟

تتناول هذه المسرحية واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً وحساسية في المجتمع السوري اليوم؛ قضية العدالة الانتقالية وما تحمله من أسئلة عميقة حول المحاسبة، وحقوق الناجين والناجيات، وحقوق عائلات الضحايا والمفقودين الذين ما زالوا ينتظرون الحقيقة والإنصاف. لم يكن هدف العرض تقديم حكاية عن الألم فقط، بل محاولة لفتح مساحة للتفكير والنقاش في معنى العدالة، والطريق الذي ينبغي للمجتمعات أن تسلكه بعد سنوات طويلة من الجراح والانتهاكات، فالمحاسبة ليست مجرد عقوبة، بل هي اعتراف بالضحايا، وحفظ للذاكرة، وبناء لجسر يعبر بالمجتمع من زمن الألم إلى زمن القانون والكرامة الإنسانية. ومن خلال لغة المسرح، حاولنا الإسهام في رفع الوعي حول مفهوم المحاسبة، وتسليط الضوء على الفرق الجوهري بين العدالة والانتقام، فالانتقام الفردي، مهما بدا لبعضهم أنه استعادة لحق مفقود، يبقى طريقاً قد يفتح أبواباً جديدة للعنف ويهدّد بضياع حقوق ضحايا آخرين، بينما يشكل اللجوء إلى القانون السبيل الوحيد لضمان محاسبة عادلة تحفظ الحقوق وتؤسس لمستقبل لا تتكرّر فيه المأساة.
يحمل العرض رسالتين متكاملتين: الأولى موجهة إلى الجمهور، للتأكيد على أن العدالة لا تبنى عبر الثأر، بل عبر إعلاء قيمة القانون، وأن إنصاف الضحايا يحتاج مساراً مسؤولاً يضمن الحقيقة والمساءلة، ويحمي المجتمع من دوامة الانتقام. والثانية موجهة إلى الجهات المعنية في الدولة، للتأكيد على ضرورة الإسراع في بناء مسار قانوني واضح وفعّال، والعمل على جبر الضرر، ووضع ملف العدالة الانتقالية في مقدمة الأولويات الوطنية، ليس باعتباره مطلباً لفئة محددة، بل شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار والمصالحة المجتمعية وبناء دولة تقوم على احترام الإنسان وحقوقه. إن المسرح هنا لا يكتفي بأن يكون مرآة للواقع، بل يصبح مساحة للشهادة والذاكرة، ومحاولة لاستعادة صوت من غابوا، وإنارة الطريق نحو عدالة لا تنسى الضحايا ولا تسمح بتكرار الألم.

* هل تطلب الدور استعدادات خاصة نفسية أو جسدية؟

تجسيد شخصية "سما"، إحدى الناجيات من تجربة الاعتقال، كان من أكثر التجارب الفنية تعقيداً على المستويين النفسي والإنساني، إذ لم تكن الشخصية انعكاساً لسيرة فردية محددة، بل تشكّلت من تقاطع مجموعة من الحكايات والتجارب الواقعية لعدد من الناجيات اللواتي تعرّفت إلى قصصهن، ما جعل عملية بناء الشخصية أقرب إلى محاولة استعادة ذاكرة جماعية تحمل في داخلها طبقات متعددة من الألم، والصمود، والتحولات النفسية العميقة. اعتمدتُ في التحضير لهذه الشخصية على مسار طويل من البحث والتدريب والتجريب، فلم يكن الهدف تقديم صورة سطحية عن الناجية أو اختزال تجربتها في لحظات المعاناة فقط، بل محاولة الاقتراب من تعقيدات الإنسان الذي مرّ بتجربة قاسية؛ من آثار الخوف والصدمة، إلى آليات التكيّف وقد تطلّب ذلك العمل على تفاصيل دقيقة مرتبطة بالحالة الداخلية للشخصية، بدءاً من طريقة التفكير والانفعال، مروراً بلغة الجسد ونبرة الصوت، وصولًا إلى بناء علاقة صادقة مع الذاكرة التي تحملها "سما". كانت البروفات مساحة أساسية لاكتشاف أبعاد الشخصية، حيث اعتمدت على التجريب المستمر وإعادة قراءة المواقف والدوافع النفسية خلف كل تصرّف، بهدف الوصول إلى أداء لا يعتمد على محاكاة الألم، بل على فهم جذوره الإنسانية.

* كيف تقيمين واقع المسرح اليوم وما الذي يحتاجه ليستعيد حضوره الجماهيري مجدّداً؟

في الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، لا يمكن النظر إلى المسرح بمعزل عن الواقع، فالمشهد المسرحي، شأن المشهد الثقافي بأكمله، يتأثر بما يحيط به من أزمات وتحدّيات، لكنه في الوقت نفسه يشكل مساحة للمقاومة وإعادة بناء الوعي والأمل. اليوم، تبدو الحاجة ملحّة إلى العمل الجاد وإطلاق مبادرات ثقافية تقودها مختلف مؤسسات المجتمع المدني، بما يسهم في استعادة حضور الثقافة وتعزيز دورها في الحياة العامة، كما أن المرحلة الراهنة تفرض على العاملين في الشأن الثقافي إعادة ترتيب أولوياتهم، ووضع الخطوات الأولى لترسيخ حضور ثقافي فاعل يتناسب مع طبيعة الجمهور الجديد الذي تشكل بعد سنوات من التحولات.
من هذا المنطلق، يأتي عرض مسرحية "بروفة يوم الحساب" تجربة تتجاوز تقديم عمل مسرحي، إلى اختبار العلاقة مع جمهور مختلف ومتجدد. فالكثير من الحاضرين يخوضون تجربة مشاهدة المسرح للمرة الأولى، وهو ما يمثل مؤشّراً إيجابياً يبعث على التفاؤل، ويؤكد وجود قابلية حقيقية لدى الجمهور للتفاعل مع المسرح وتقبّل الأفكار الجديدة. هذا التفاعل يمنح صنّاع المسرح دافعاً أكبر لمواصلة العمل، ويؤكد أن توسيع قاعدة الجمهور ليس مستحيلاً، بل يتطلب الاستمرار في تقديم أعمال جادّة وقريبة من هموم الناس، كما يبرز أهمية تكثيف الحضور المسرحي والثقافي في هذه المرحلة، باعتباره جزءاً من عملية التعافي المجتمعي. ولا تقتصر هذه الجهود على تجربة واحدة، فهناك فرق مسرحية عديدة تواصل العمل باجتهاد، وتقدّم عروضاً نوعية رغم التحدّيات، وهو ما يعكس حيوية الحركة المسرحية وإصرارها على الاستمرار، وفي المحصّلة، تبقى الأولوية اليوم لتعزيز الاهتمام بالحركة الثقافية في البلاد، ودعم المسرح بوصفه أحد أهم روافدها، لما يمتلكه من قدرة على خلق الحوار، واستعادة الثقة.

ماهر صليبي مخرج يمتلك الرؤية ويمنح الممثلين مساحة للإبداع، أعتبره من أهم المخرجين الذين تركوا أثراً حقيقياً في المشهد الفني.. لكن شهادتي به مجروحة

* هل كنت على ثقة بنجاح المسرحية بهذا الحجم؟

لم يكن هاجس النجاح الجماهيري أو عدد العروض هو ما شغل فريق العمل منذ البداية، بل كان التركيز منصبّاً على سؤال واحد: هل ستصل الرسالة التي يحملها العرض إلى الجمهور؟ وهل سيتمكن المسرح من نقل معاناة حقيقية بصوت صادق يلامس وجدان المتلقي؟
من هذا المنطلق، جاء العمل المسرحي بوصفه مشروعاً فنياً وإنسانياً، لا يسعى إلى تحقيق مكاسب آنية أو استعراض فني بقدر ما يطمح إلى تقديم عرض مسرحي متكامل العناصر، يجمع بين الاحترافية في الأداء والإخراج، وبين القدرة على إيصال قضية إنسانية شديدة الحساسية بلغة مسرحية قريبة من الجمهور. وكان الرهان الأكبر أن ينجح العرض في التواصل مع أشخاص قد يدخلون المسرح للمرة الأولى، وأن يجدوا أنفسهم أمام تجربة تمس مشاعرهم وتدفعهم للتفكير. وبحسب فريق العمل، فإن النجاح الحقيقي تحقق عندما شعر الحاضرون بأنهم يستمعون إلى أصوات الناجيات أنفسهن، لا إلى شخصيات تؤدي أدواراً على خشبة المسرح. فقد استطاع العرض أن ينقل جانباً من الألم والتجارب الإنسانية التي عاشتها الناجيات، وأن يقرّب هذه الحكايات إلى جمهور ربما لم يكن على تماسّ مباشر مع تلك الوقائع. أما المعنيون بالقضية، فقد وجدوا في العرض انعكاساً صادقاً لواقع عاشوه أو تابعوه، بينما تمكن باقي الحضور من فهم أبعاد القضية والتفاعل معها من خلال لغة مسرحية سلسة ومؤثرة. ورغم أن عدد العروض كان محدوداً، إذ قدّمت المسرحية خمس مرات في دمشق وثلاثاً في حلب، فإنها حققت حضوراً جماهيرياً لافتاً، وحظيت بتلقٍّ إيجابي من مختلف شرائح الجمهور. وأثبتت أن قيمة العمل المسرحي لا تقاس بعدد مرّات عرضه فقط، وإنما بقدرته على ترك أثر حقيقي في نفوس المشاهدين وإثارة النقاش في القضايا التي يطرحها. وكان فريق العمل يتطلع إلى تقديم المسرحية في عدد أكبر من المدن والمحافظات السورية، لإيصال رسالتها إلى شريحة أوسع من الجمهور، إلا أن ضيق الوقت وارتباط أعضاء الفريق بأعمال والتزامات أخرى، إلى جانب الظروف اللوجستية، حالت دون تنفيذ هذه الخطة. ... ومع ذلك، لا يزال الأمل قائماً في أن تتوافر في المرحلة المقبلة ظروف أفضل تتيح إعادة تقديم العرض.

* كيف تصفين التعاون مع المخرج ماهر صليبي؟

ماهر صليبي... مخرج يمتلك الرؤية ويمنح الممثلين مساحة للإبداع، أعتبره من أهم المخرجين الذين تركوا أثراً حقيقياً في المشهد الفني، سواء في السينما أو التلفزيون، إلا أن حضوره الأبرز يبقى على خشبة المسرح، حيث استطاع أن يصنع لنفسه تجربة إخراجية متفردة، قائمة على الوعي الفني، والرؤية البصرية، والقدرة العالية على قيادة العمل المسرحي بكل تفاصيله. ما يميز تجربته أنه يجمع بين الجانبين، الأكاديمي والتطبيقي؛ فهو أستاذ في المعهد العالي للفنون المسرحية، وقد أسهمت سنوات طويلة من التدريس والخبرة العملية في تكوين شخصيته مخرجاً يعرف جيداً كيف يتعامل مع النص، وكيف يبني العرض المسرحي، والأهم كيف يدير الممثل ويوجه طاقاته نحو أفضل أداء ممكن. في كواليس العمل، لا يعتمد ماهر على أسلوب فرض الرأي أو إدارة الفريق بطريقة ديكتاتورية، بل يؤمن بأن المسرح عمل جماعي، وأن نجاح العرض يبدأ من الحوار بين جميع عناصره، لذلك يمنح الممثلين مساحة واسعة للتعبير عن أفكارهم، ويستمع إلى اقتراحاتهم باهتمام، ويشجعهم على البحث والتجريب، لأن التجربة بالنسبة إليه ليست مرحلة عابرة، بل جزء أساسي من عملية الإبداع. وربما تبدو شهادتي مجروحة لأن ماهر هو زوجي، لكنني أحاول دائماً أن أنظر إلى تجربته بعين الفنانة قبل أي صفة أخرى. ومن هذا المنطلق، أستطيع القول إن ما حققه في مسيرته، وما يمتلكه من رؤية فنية، وقدرة على إدارة الممثلين  يجعله بحق من أبرز المخرجين المسرحيين حالياً، ومن الأسماء التي أسهمت في تطوير الحركة المسرحية وإثراء تجربتها.  

* ما هو العمل الدرامي الذي تجدينه الأفضل في مسيرتك الفنية؟

بعد أكثر من 32 عاماً من الحضور المتواصل في الدراما، يؤكد الفنان أن مسيرته لم تكن مجرد مجموعة من الأعمال المتتالية، بل رحلة فنية حافلة بالتجارب والمحطات التي صنعت هويته ورسخت علاقته بالجمهور، ولذلك فإنه يجد من الصعب، بل من المستحيل، تصنيف أعماله من الأفضل إلى الأقل أهمية. ومن تلك البداية، هناك أعمال جيدة شاركت فيها أمثال شجرة النارنج، و"الانتظار" و"التغريبة الفلسطينية"، وهي أعمال أصفها بأنها شكّلت منعطفات مهمة في حياتي المهنية، لما حملته من قيمة فنية ورسائل إنسانية، ولما حققته من حضور واسع لدى الجمهور. إضافة إلى مسلسل "تخت شرقي" الذي اعتبره تجربة استثنائية، إضافة إلى مسلسل "الفصول الأربعة" الذي كانت له جماهيرية كبيرة.

أي محاولة لإنتاج جزء ثالث لن تكون نسخة مكررة من الجزأين السابقين، لأن الظروف تغيرت.. لكن سأكون متواجدة فيه بالتأكيد

 * ما المعيار الذي يتم من خلاله انتقاء النجم الأول في الدراما السورية؟

الحقيقة أن معيار اختيار النجم لا يقتصر على الدراما السورية فقط، بل هو مرتبط بمنظومة أوسع تحكمها معايير متعارف عليها في صناعة الدراما بشكل عام. فهناك فرق كبير بين الممثل الموهوب وبين النجم؛ فقد يمتلك أحدهم قدرة تمثيلية استثنائية من دون أن يحظى بمقومات النجومية، كما قد يتحول آخر إلى نجم جماهيري، رغم أن موهبته التمثيلية ليست في المستوى نفسه. للنجومية شروطها الخاصة التي ارتبطت منذ سنوات طويلة بمواصفات محددة للنجم التلفزيوني، وهي معايير تفرضها طبيعة السوق وحاجات المحطات والجمهور. وغالباً ما يكون من الصعب على الممثل القدير وحده أن يتحول إلى نجم بالمعنى المتعارف عليه، لأن النجومية لا تعتمد فقط على الأداء، بل تشمل عناصر أخرى، مثل الحضور، والكاريزما، والشكل، والقدرة على جذب الجمهور. وبالنسبة لنجوم الشباب تحديداً، أصبحت هناك مواصفات يطلبها السوق بشكل واضح، تتعلق بالمظهر الخارجي، والحضور الجسدي، وبناء الشخصية التي تنسجم مع ذائقة فئات عمرية معينة من الجمهور، وكذلك الأمر بالنسبة للنجمات والممثلات، حيث توجد معايير خاصة ترتبط بالصورة الجماهيرية والقدرة على التأثير والانتشار، ولا يمكن إغفال أن جزءاً كبيراً من تقييم النجوم اليوم أصبح مرتبطاً بالمشاهدات وتفاعل الجمهور، وخصوصاً جمهور منصات التواصل الاجتماعي، الذي يشكل شريحة واسعة من المتابعين، لا سيما من الفئات العمرية الشابة. فالمسلسل لم يعد يقاس فقط من خلال حلقاته الكاملة، بل أيضاً من خلال المقاطع القصيرة التي تنتشر عبر "الريلز" ومنصات التواصل، والتي أصبحت عاملاً مؤثراً في تقييم العمل ونجاح شخصياته. كما أن مفهوم النجومية لم يعد محصوراً في نوع واحد؛ فهناك نجوم الأدوار الشعبية، ونجوم الكوميديا، ونجوم الدراما الاجتماعية، ولكل فئة معاييرها الخاصة التي تحدد حضورها وجاذبيتها لدى الجمهور.
في النهاية، هذه المعايير ليست حكراً على الدراما السورية، بل تنطبق على الدراما العربية عموماً، حيث تتداخل الموهبة مع متطلبات السوق، وتتأثر صناعة النجوم بمتغيرات الجمهور، والمشاهدة، ومنصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءاً أساسياً من صناعة النجاح الدرامي اليوم.

*أعمال درامية جديدة تلوح في الأفق.. لكن القرار لم يحسم بعد؟

تلقيت أخيراً عدة عروض للمشاركة في أعمال درامية جديدة، لكن لا يمكن أن أتحدث عنها لأني لم أتخذ أي قرار بشأنها، فهي قيد الدراسة.

* سمعنا أنك ستصبحين جدة قريباً.. فما هو شعورك؟

فرحة انتظار لقب "الجدة": بداية جديدة تحمل دفء الحياة. أن أصبح جدة بالنسبة لي هو من أجمل الأحاسيس التي يمكن أن يعيشها الإنسان. هناك مشاعر لا تشبه أي مشاعر أخرى، ولعل أجمل ما يقال عنها المثل الشامي الشهير: "ما أعزّ من الولد إلا ولد الولد"، فالأحفاد يحملون مكانة خاصة في القلب، ويمنحون الحياة معنى مختلفاً من الحب والحنان والفرح. رغم أنني لم أعش هذا الشعور من قبل، فإنني اليوم أشعر بأنني مستعدة بكل قلبي وروحي لاستقباله. أنتظر هذه المرحلة الجديدة بشوق كبير، وأدعو الله أن تكون بداية خير وبركة وسعادة، وأن يرزقنا أجمل اللحظات مع هذا القادم الصغير الذي سيغيّر تفاصيل حياتنا.

* عمل درامي ندمتي على المشاركة فيها؟ 

لا أستطيع أن أقول إن هناك عملاً ندمت على تقديمه، لأنني أؤمن بأن كل خطوة في مسيرتي جاءت نتيجة اختيار وقناعة، ولم أكن في يوم من الأيام مجبرة على خوض تجربة لا أرغب بها. ربما تختلف الظروف من مرحلة إلى أخرى، وتختلف أيضاً طريقة تفكير الإنسان ونظرته للأمور، لكن في النهاية كل قرار اتخذته كان مناسباً لتلك المرحلة من حياتي. لكل عمل ظروفه الخاصة، ولكل دور توقيته وأسبابه، لذلك لا أنظر إلى الماضي بعين الندم. على العكس، أنظر إليه باعتباره رحلة مليئة بالتجارب التي ساهمت في تكويني فنياً وإنسانياً. قد تكون بعض الأعمال حققت نجاحاً أكبر من غيرها، وقد تكون هناك أدوار كنت سأتعامل معها اليوم بطريقة مختلفة، لكن هذا لا يعني أنني أندم عليها، بل يعني أنني اكتسبت خبرة أكبر ونضجاً أوسع مع مرور السنوات. اليوم، وبعد هذه المسيرة الطويلة، أصبحت أختار أعمالي بمعايير مختلفة وأكثر دقة. إذا عُرض عليّ الآن دور يشبه دوراً قدمته في السابق، فمن الممكن أن أعتذر عنه، ليس لأنني أعتبر التجربة السابقة خطأ، وإنما لأنني وصلت إلى مرحلة أصبح لدي فيها وعي أكبر بما أريده، وبما يضيف إليّ كفنانة، وما ينسجم مع المرحلة التي أعيشها اليوم. أنا أحترم كل مرحلة مررت بها في حياتي، وأعتز بكل عمل شاركت فيه، لأن كل تجربة، مهما كان حجمها أو أثرها، تركت داخلي درساً جديداً وأضافت إلى خبرتي شيئاً لم أكن أعرفه من قبل. لا أتعامل مع الأعمال السابقة باعتبارها محطات للندم، بل باعتبارها درجات صعدت عليها حتى أصل إلى ما أنا عليه اليوم.

هناك حديث عن عودة "الفصول الأربعة" بجزء ثالث.. هل يعود العمل الذي يحتل مكانة في ذاكرة الجمهور؟

عاد الحديث في الفترة الأخيرة عن إمكانية إنتاج جزء ثالث من المسلسل الشهير الفصول الأربعة، وهو الخبر الذي أثار اهتمام محبي العمل الذين ما زالوا يحتفظون بذكريات خاصة مع الجزأين الأول والثاني اللذين شكّلا محطة بارزة في الدراما السورية والعربية. وفي هذا السياق، أوضحت إحدى المشاركات في العمل أن ما يتم تداوله حتى الآن لا يزال في إطار الفكرة والنقاشات، ولم يتحول بعد إلى مشروع إنتاجي حقيقي، أن إعادة تقديم العمل بعد سنوات طويلة ليست مهمة سهلة، خصوصاً في ظل التغيرات الكبيرة التي طرأت على الحياة الفنية والاجتماعية، إضافة إلى غياب عدد من الشخصيات التي ارتبط بها الجمهور.
أن أي محاولة لإنتاج جزء ثالث لن تكون نسخة مكررة من الجزأين السابقين، لأن الظروف تغيرت، والواقع الذي يعيشه الناس اليوم مختلف تماماً عن المرحلة التي ظهر فيها العمل للمرة الأولى، أن نجاح أي عودة محتملة يتطلب رؤية جديدة تحافظ على روح المسلسل، مع تقديم حكايات وشخصيات قادرة على ملامسة الجمهور المعاصر. في حال تنفيذ الجزء الثالث سأكون متواجدة فيه، لأن "الفصول الأربعة" ليس مجرد عمل درامي عابر بالنسبة لها، بل تجربة تحمل قيمة خاصة وذكريات مهمة، خاصة بعد أن نجح في بناء علاقة قوية مع المشاهدين داخل سورية والعالم العربي.