وردة للنساء وأسمائهنّ الأحسن

02 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 11:12 (توقيت القدس)
(أمادو الفادني)
+ الخط -
اظهر الملخص
- في اللغة العربية، يُعبر عن المستقبل باستخدام "سوف" و"السين"، مما يعكس حالة من الشك وعدم اليقين في المجتمعات العربية، حيث يُعتبر الشك وسيلة للنجاة في ظل غياب حرية التعبير وسيطرة الأنظمة القمعية.

- الأنظمة الديكتاتورية تستغل اللغة كأداة للسيطرة، حيث تُعتبر تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية خطيئة، وتفرض تعريفاتها الخاصة لإسكات الأصوات المعارضة، مما يؤدي إلى تغييب العدالة والقانون.

- النساء في المجتمعات العربية يعانين من القهر والظلم، خاصة في النزاعات، ويُعتبرن رمزًا للصمود والأمل، مما يستدعي الاعتراف بمعاناتهن وتضحياتهن.

لطالما تساءلت عن خلوّ النحو والصرف من زمن مستقلّ يشير للفعل المستقبلي في لغتنا العربيّة أسوة بلغات الأرض الأخرى. فزمن الفعل المستقبليّ بالعربيّة يستند إلى "سوف" و"السين"، وفي السندين احتمالٌ لانعدام تحقّقه، لتتحمّل الـ"قد" انتظاراً ملؤه التشكيك والشبهة. كأن نردّد ومنذ قرون: "قد يعود الأمل، فيزول الألم." لأزمنة مديدة وما نزال نقبع في "القدقدة". وفي عوالمنا العربيّة أيضاً، لا يحضر الشكّ الديكارتيّ مقتضى الوجود، فلدينا نظريّتنا المقدّسة:" أنا أشكّك، إذاً، أنا أنجو." هذا إن صدّقنا إطلاق سراح التعبير وحريّته الخلّبيّة. فاليقينيّات تمتلكها لغة الأقوى، وحسب. وعلى الضعيف الحرص على ألّا يجزم، رغم امتلاء عينيه بالحقيقة. مهمّته، في أحسن الحالات، التشكيك بحدثٍ ما جلل، حتّى لو تكرّر، تكرار فيه كشف للمستور، فبالقانون وحده تنجلي الحقيقة. تصير اللغة خطّاءة، ومرتكبها مذموم وملعون، يتوجّب إسكاته وإقصاؤه. هذا ما عرفتنا به الأنظمة الديكتاتوريّة والشموليّة، عبر اغتصابها العقول وكمّها الأفواه. وعليه، تصير اللغة عاقّة وفاجرة إذ تسمّي الأشياء بمسمّياتها، ومُتّهمة بالتوهّم واختلاق تلك الأشياء. تُهمة اللغة بيّنة لا جدال فيها. فمثلاً، إن اختفت إحدى البنات وهي في طريقها إلى البيت، أو اختفى أحد الشبّان بينما يُحضر الدواء لأمّه العليلة، يتوجّب على عائلتيهما المنكوبتين الكفّ عن التوهّم والادّعاءات الكاذبة، وإلّا... فلغتهم بعرف الأقوى هي مجرّد لغط مشبوه وتشويه سامّ للحقيقة، ثرثرة مخيّلة مريض غيور حاقد على السلطة يَخالُ له أنّ ما يهذر به حقيقة، وبالتالي تُشرّع السلطة تكذيبه وإسكاته بشتّى الطرق الديكتاتوريّة المعهودة، حيث لا قانون أو عدالة. أنظمة تعشق اللغو وتدبيج المصطلحات تبعاً لمفرداتها القمعيّة، فترفق تعريفاتها الجديدة ومصطلحاتها المحدثة بفتح أبواب المعتقلات على مصاريعها. يبدو لي الآن أنّني أهدر بكلمات تجرّ اللغة إلى تخوم الخطيئة. أتراه تعب السنين السابقات يوم شرعنا بالحلم و"بالقدقدة"، بالتسويفات والسينات الأليمة، وبعد طول انتظار قاتل، وها نحن في خضمّ المستقبل الذي كان منتظراً، وقد خلصنا من المستبدّ الأسبق، فلم لا يتوقّف نزيفنا الأحمر؟ لم لا نكفّ عن الفقد والهجران؟ لم لا تزال تتلبّسني اللغة الخطّاءة حين اختفاء البنات تحديداً؟ فكيف للقانون والعدالة في غيابهما إنقاذي من ختل اللغة؟ ومن تربّص علامات الاستفهام الحادّة كمقصلة؟ بينما تحيطني نساء كثيرات: المخفيّات قديماً وأبداً وراء القضبان، ومختطفات ومسبيّات. السوريّات جميعهنّ الصابرات في جهاتنا المئة، الثكالى والأرامل، على ضفّتيّ مقتلتنا العار، بصلواتهنّ ودموعهنّ، بكرامتهنّ المجروحة، بحرمانهنّ والعوز، لا يزلن وحدهنّ يحملن البلاد الممزّقة بصدورهنّ المكلومة وأكتافهنّ الواهنة، وعيونهنّ المتضرّعة، فلا تضيع البلاد وتفنى. فلتعودي إلينا، أيّتها الرحمة الضالّة، لتكفّ اللغة عن ارتكاب الخطايا، وتزهر دموع النساء ودماء أكبادهنّ شقائق نعمان، ووروداً كثيرة. وتقدّم البلاد، كلّ البلاد، وردة واعتذاراً لكلّ الأمّهات، للعذارى، والعرائس؛ وردة لمبتدأ أسمائهنّ وآخرها؛ المقهورات، المستلبات، المغدورات، المغيّبات قسراً، والمقتولات عمداً. وروداً واعتذارات كثيرة لأسمائهنّ الحُسنى: النكرات المُنكرات، العورات، خاليات العقل وضعيفات الجسد، في سجلّ القانون الذكوريّ العفن وسمومه. مديد هو زمن قهرك وإذلالك، يا ابنة الربّة ليليت، يا حارسة مهد البلاد العظيمة. بامتهانك يحرمون المستقبل من زمن يخصّ أفعاله تصريفاً ونحواً، فيقتلونه تسويفاً، وتشدّقاً بقداسة ماضٍ ميت.
كلّ ليلة، تحيط بي المختفيات، الهاربات، المخطوفات، المسبيّات حتّى بزوغ القانون والعدالة من الديجور. يصطففن بين أجفاني، في حلوقهنّ صرخة مكتومة، وفي أيديهنّ وردة، كي لا تضيع البلاد وتفنى.