استمع إلى الملخص
- ساهمت في تأسيس التلفزيون السوري ونقابة الفنانين، ولقبت بـ"أم الكل" لدورها الداعم لزملائها، حيث نقلت روح دمشق إلى الشاشة بصدق وملامح قريبة من الناس.
- توفيت بطريقة مأساوية في منزلها بدمشق، مما أثار صدمة في المجتمع السوري، وتركت إرثًا ضخمًا من الأعمال التي تجسد صورة دمشق الحقيقية.
أكان عليها أن تموت بهذه الطريقة المفجعة، كي نعرف أننا نحبها؟ أو كانت تحتاج هذا المصير الفجائعي كي تنال أول دور بطولة في حياتها، ويوضع اسمها أولاً على التيتر؟
سبعون عاماً قضتها هدى شعراوي في عالم الفن السوري متنقلةً من الإذاعة إلى المسرح إلى السينما إلى التلفزيون، مطعّمةً كل عمل شاركت فيه بنكهة دمشقية خالصة، ومحافظة على تلك المهمّة التي لا يكتمل عمل دونها: سدّ الفراغ الذي لا يستطيع نجوم الصف الأول ردّ الريح عنه. فلم تكن قمحاً أو لحماً في وجبة درامية، لكنها كانت دائماً الملح الذي يضيف الطعم إلى الأشياء. وبقيت في هذا الموضع منذ وقفت أمام أنور البابا في خمسينيات القرن العشرين، وحتى نجوم اليوم، مروراً مع دريد لحام وياسر العظمة. ومثّلت النموذج الحقيقي للمرأة الدمشقية، من دون جهد، لأنها ابنة الحارات الشامية الأصلية، التي ولدت في حي الشاغور، وعاشت في حي باب سريجة، حتى وفاتها فيه الخميس الماضي، بجريمة بشعة وصاعقة، شغلت الرأي العام السوري.
انتقلت هدى شعراوي بعد الإذاعة إلى المسرح، وهي النقلة التي تسببت لها باعتراضات من أهلها وأقاربها، قاومتها، وسارت خطوة فخطوة في طريق الفن الشاق
لم تكن مصادفة أن تحمل الطفلة الدمشقية هذا الاسم، فهي ولدت في عام 1938، العام الذي ضجَّ فيه المجتمع السوري بنقاش حاد بين مؤيد ومعارض للسيدة المصرية التي أدّت في ذلك العام زيارتها الثالثة إلى سورية، وتشاركت مع السوريتين عادلة بيهم ونازك العابد واللبنانية لبيبة ثابت والفلسطينية زليخة الشهابي في تأسيس الاتحاد النسائي العربي، ولتصبح أول رئيسة له، وليرتبط اسم هدى شعراوي بتأسيس حركة التحرّر النسائي العربية. يومها اعترض التيار المحافظ على ما اعتبره خروجاً على الأعراف والتقاليد والدين، وتحمّس التيار التنويري لهذه السيدة الشجاعة، فملأ اسمها الآفاق، وهو الاسم الذي تبنّاه محمد الشعراوي (والدها)، مستفيداً من تشابه اسم العائلة، وأطلقه على ابنته المولودة في خضم ذاك النقاش، لعلها تحمل شيئاً من شجاعة السيدة المصرية وقوتها.
وبالفعل، فخيط الشجاعة الذي ربطها بالمناضلة النسوية المصرية، التي حملت اسمها، أخذها بطريق آخر، يتمرّد على مجتمع حي الشاغور المحافظ، فدخلت عالم الفن من بوابة الإذاعة في البداية، قبل أن تنتقل إلى المسرح، وهي النقلة التي تسببت لها باعتراضات من أهلها وأقاربها، قاومتها، وسارت خطوة فخطوة في طريق الفن الشاق، فقدمت في المسرح أعمالاً لا تحصى منها: يوم من أيام الثورة العربية. عريس لقطة. لحد هون وبس. الخانم والسكرتيرة... ثم إلى السينما وقدّمت فيها: فيلم شاطئ الحب عام 1977، غابة الذئاب عام 1977، ذكرى ليلة حب عام 1973، حارة العناتر عام 1980، اتفضلوا ممنوع الدخول عام 1984، غراميات خاصة عام 1974، غرام المهرج عام 1976.
وفي الدراما التلفزيونية، قدّمت أعمالاً لا تحصى، أشهرها دورها في جميع أجزاء باب الحارة، الذي جعل الداية الشامية أم زكي علامة فارقة اشتهرت في العالم العربي، وكذلك دورها في مسلسلي أهل الراية وشارع شيكاغو، وبالإضافة إلى هذه الأدوار الشهيرة، قدّمت عشرات الأدوار في مسلسلات: فوزية عام 1977، نساء بلا أجنحة عام 1987، رمح النار عام 1999، أحلام أبو الهنا عام 1996، طقوس عائلية عام 1995، يوميات ضاحكة عام 1989، درب التبان عام 1992، حروب عائلية عام 2001، أيام شامية عام 1992، عيلة خمس نجوم عام 1994، عودة غوار 1998، بطل من هذا الزمان عام 1999، دنيا عام 1999، حمام شامي عام 2014، قلة ذوق وكثرة غلبة عام 2002، عيلة سبع نجوم عام 1997، رجال العز عام 2011، زمن البرغوث عام 2012، وبالطبع جميع أجزاء باب الحارة بدءاً من الجزء الأول عام 2006...).
برحيلها، ودّعت سورية واحدة من قاماتها الفنية التي قدّمت أكثر من 70 عاماً من العطاء، وتركت تراكماً ضخماً من الأعمال التي ستبقى شاهداً على حضورها الفريد
اكتشفها الفنان الرائد أنور البابا، وأعطاها فرصتها الأولى بتقديم فقرات للأطفال في إذاعة دمشق، ثم في الدراما الإذاعية في مسلسل "صرخة بين الأطلال". ومنها كانت انطلاقتها، لتصبح من مؤسسي التلفزيون السوري، ونقابة الفنانين. ولتقدم عشرات الأعمال التي حافظت فيها على مهمة نقل روح دمشق وحواريها إلى الشاشة.
تزوجت هدى شعراوي مرة واحدة في شبابها، وأنجبت ابنة وحيدة اسمتها ديلبار، وهو اسم قالت أنه اسم هندي، استلهمته من اسم بطلة فيلم بوليوودي، والمفارقة أن الاسم موجود في دمشق، وهو اسم كردي يعني آسرة القلوب، وهو مؤنث ديلبر. فهي حتى ذهبت إلى الهند لجلب اسم لابنتها، ظلّت مربوطة بدمشق، وبكردها هذه المرّة.
يوم الخميس الماضي، تلقّت دمشق خبراً صاعقاً: وجدت الفنانة هدى شعراوي مقتولة في بيتها بضربة على الرأس من ذراع هاون نحاسي (للمفارقة! حتى أداة قتلها كانت رمزاً دمشقياً خالصاً). وبعد ساعات، أعلنت قيادة الأمن الداخلي القبض على القاتلة، خادمتها الأوغندية، التي بدا من التحقيق معها أنها غير متوازنة عقلياً، إذ قالت في التحقيقات الأولية أنها قتلت الفنانة شعراوي لأنها أحسّت أنها تريد تسميمها.
برحيلها، ودّعت سورية واحدة من قاماتها الفنية التي قدّمت أكثر من 70 عاماً من العطاء، وتركت تراكماً ضخماً من الأعمال التي ستبقى شاهداً على حضورها الفريد. وتركت هدى شعراوي أثراً عميقاً في الدراما السورية، خصوصاً في أعمال البيئة الشامية التي أصبحت جزءاً من ذاكرة الجمهور العربي. كانت رمزاً للمرأة الدمشقية الحقيقية التي تجمع بين الصلابة والدفء، وبقيت أعمالها حاضرة في الوجدان العام.
لم تكن هدى شعراوي مجرّد ممثلة، كانت صورة كاملة لدمشق نفسها؛ تلك المدينة التي تُخفي صلابتها تحت طبقة من الحنان، وتجمع في ملامحها قسوة الأزقّة ودفء البيوت القديمة. وُلدت في حي الشاغور عام 1938، في بيتٍ محافظ سيصبح لاحقاً المدرسة الأولى لملامح أدوارها، ولحركات يدها، ولطريقة نطقها الكلمة الشامية، كما لو أنها خرجت من قلب حجرٍ قديم في "السوق العتيق".
لم تكن نجمة منصّات، ولا أسيرة صراعات الشهرة. كانت "أم الكل" كما يلقّبها زملاؤها؛ تقف خلف الكواليس كأمّ حقيقية، وتقدم النصيحة بقدر ما تعطي في الأداء، محافظة على مسافة من التكلّف مرّرتها للأجيال الشابة إرثاً لا يُدرّس في المعاهد الفنية. عاشت بين الناس، في الأسواق والحارات الشعبية، ونقلت نبضهم ورائحتهم وأصواتهم إلى العالم.
كانت ملح الدراما الشامية، وصوت المرأة الدمشقية القوية التي بقيت في ذاكرة الجمهور بملامحها وصدقها وأدوارها القريبة من الناس.