من الأتاسي إلى الشرع... "الحكاية السورية" في الأمم المتحدة

30 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 10:57 (توقيت القدس)
الرئيس السوري الراحل نور الدين الأتاسي في جلسة الأمم المتحدة عقب حرب 1967 (مكتبة الكونغرس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- استعرض الرئيس السوري أحمد الشرع في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة معاناة الشعب السوري وتضحياته، مشيراً إلى التحديات التاريخية والظروف الحالية من انقسامات داخلية وتحولات إقليمية ودولية.

- قدم الشرع مشروعاً سياسياً داخلياً مستنداً إلى الانتصار التاريخي للشعب السوري، مشدداً على التضامن مع غزة وحل الدولتين، وأهمية الدبلوماسية المتوازنة والاستقرار الأمني والتنمية الاقتصادية.

- دعا الشرع إلى حشد الدعم الدولي لإنقاذ سوريا، مشيراً إلى "خريطة الطريق لحل الأزمة السورية" لتحقيق الاستقرار، محذراً من مخاطر التدويل وأهمية الحفاظ على الولاية الوطنية السورية.

أثارت كلمة الرئيس السوري أحمد الشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، وما رافقها من لقاءات، ضجة غير مسبوقة في وسائل الإعلام العربية والعالمية، اختزلت ما بين سطورها، عذابات شعب، قدّم على مذبح الحرية والإرادة ما لم يقدّمه شعبٌ في التاريخ المعاصر، قبل أن تُروى حكاياتهم، دروساً مهيبة في أروقة الأمم المتحدة.

بعد 58 عاماً من آخر خطابٍ في الجمعية العامة للأمم المتحدة، للرئيس نور الدين الأتاسي (في السلطة 25/2/1966 – 18/11/1970)، وقف الرئيس الشرع، يروي للعالم حكايةً سورية فريدة، اعتملت فيها جميع أنواع الحبكة القصصية، من التحدّي، والمرارة، والإصرار، والانتظارات، والغربة، والموت العلني، والتشرّد، والنزوح، واللجوء، والضياع ، قبل أن يرتد صداها، على منبر الأمم المتحدة، معلنةً على الملأ، قصّة شعبٍ أقوى من المجازر، آمن فانتصر.
أفرد الأتاسي مساحة كبيرة في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة للهجوم على إسرائيل وعدوانها في حزيران
ما بين خطاب اليوم للرئيس الشرع، وخطاب الأمس للرئيس الأتاسي، شهدت سورية ظروفاً ومعطياتٍ متغيّرة، تبدّلت حكومات، وتغيّرت خرائط، غابت قوى وظهرت أخرى. وحده التاريخ مائلٌ أمامنا، معنىً للماضي، وحدساً للمستقبل، وما بينهما برزخُ يشرع فيه السوري تطلعاته نحو دولة عزيزة، تليق بتضحياته، في سبيل العدالة والقانون وحكم المؤسسات.  
بين خطاب الشرع وخطاب الأتاسي، يتبدى البعد المفقود في التاريخ استنساخاً لمرحلتين قلقتين ومفصليتين، ما انفكت خلالها الدولة السورية تعاني صراعات بينية داخلياً، وتحولات جذرية وعميقة في الشرق الأوسط خارجياً. مشهديةٌ  كلاسيكية اعتادتها سورية المُقدر لها، جيوبوليتكياً، أن تأخذ الشرق الأوسط أينما توجهت.
في 20 يونيو/ حزيران 1967 ألقى الرئيس السوري نور الأتاسي كلمة سورية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الدورة الاستثنائية، التي انعقدت بعد أيام من عدوان حزيران 1967، واحتلال إسرائيل هضبة الجولان، والضفة الغربية، وقطاع غزّة، في مرحلة كانت فيها سورية تغلي على نار انقساماتها الداخلية، بين تيار العسكر الذي يقوده وزير الدفاع السوري، حينها، حافظ الأسد، والرئيس الأسبق نور الدين الأتاسي، القادم من خلفيةٍ مدنية، طبيباً رفض تدخّل الجيش في السياسة، داعياً إلى ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية، بينما أصرّ الأسد على استئثار البعثيين بالسلطة، وهيمنة الجيش على الدولة.
في مراحل لاحقة، دعا الأتاسي إلى عقد مؤتمر استثنائي لحزب البعث، تقرّر خلاله عزل حافظ الأسد، إلا أنّ الأخير قام بـانقلاب عسكري في 16/11/1970 أزاح فيه الأتاسي وجماعته، وأودعهم سجن المزة العسكري... أفرد الأتاسي مساحة كبيرة في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة للهجوم على إسرائيل وعدوانها في حزيران، مستهلّاً كلمته بشكر كل من ساهم في عقد الدورة الاستثنائية الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة لمعالجة ما أسماها "الحالة الخطيرة التي نجمت عن الغزو الإسرائيلي الاستعماري لأجزاء جديدة من وطننا العربي"، فشكر الاهتمام الدولي والعربي بإدانة العدوان، واستعرض فشل مجلس الأمن في مطالبة إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في حرب حزيران، بعد أن وجه نقداً لاذعاً إلى أدوار كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، داعياً أكثر من مرة إلى أهمية الدور العربي، في دلالة على إيمانه بقوة سورية داخل حضنها العربي، ووحدة المصير العربي المشترك، حيث خاطب الحضور بأنّ "العرب يُرغمون اليوم على دفع ثمن جرائم النازية في أوروبا". 
نجحت كلمة الأتاسي في حشد تأييد عربي ودولي توصلت من خلاله إلى حل وسط لمشاريع عديدة فشل خلالها مجلس الأمن في استصدار قرار يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها، بسبب الفيتو الأميركي والبريطاني. في نهاية المطاف، نجحت الدبلوماسية السورية والعربية، في إصدار قرار مجلس الأمن الشهير  242 في 22/11/1967، الذي أكد في ديباجته "عدم القبول بالاستيلاء على الأراضي بواسطة الحرب"، داعياً إسرائيل إلى الانسحاب، الأمر الذي رأى فيه كثيرون انتصاراً دبلوماسياً عربياً وسورياً، بينما كشف واقع الحال التواطؤ الدولي، وخطأ الدبلوماسية السورية والعربية في تفسير مشروع القرار ومندرجاته، تقنياً، ومقارنتها بالنسخة الإنكليزية قبل التصويت عليه، بسبب الاختلاف في تفسير روح النص وترجمته بين النسختين، استناداً إلى مداولات القرار وديباجته. مطبٌّ تقني استغلته إسرائيل، في مراحل لاحقة، عندما توقفت عند "أل" التعريف المنصوص عليها بنص الفقرة الأولى من القرار، بحسب النسخة العربية، الذي ينصّ على انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من "الأراضي" المحتلة في النزاع الأخير، بينما تمسّكت إسرائيل وحلفاؤها بالنسخة الإنكليزية التي تنص على الانسحاب من "أراضٍ" عربية from territories ما حال دون تطبيق القرار 242، بعد أن وافقت عليه سورية والدول العربية. الأخطر من ذلك، إدخال القرار في أتون التدويل، الذي نقل مناقشة موضوع الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، من الاختصاص الوطني إلى الاختصاص الدولي داخل أروقة مجلس الأمن، وتجاذباته الدولية والإقليمية، تحت بند الحالة في الشرق الأوسط.
يُفرد للخطاب السياسي في مناهج الدبلوماسية والعلاقات الدولية أهميّةٌ قصوى، بوصفه نوعاً من التواصل الاستراتيجي لتحقيق أهداف سياسية، إلا أن خطاب الشرع كان مختلفاً
تتشابه الظروف والمعطيات الدولية والإقليمية والداخلية خلال كلمة الشرع مع الفترة التي ألقى فيها الأتاسي كلمته، مع  اختلاف حيثياتها، فعلى الصعيد الداخلي، ما زالت سورية تعاني انقساماتٍ مجتمعيةً، ومناطق خارج سيطرة الدولة السورية، وقد أحسن الشرع حين قدّم في كلمته مشروعاً وبرنامجاً سياسياً داخلياً واضحاً. وعلى الصعيد الخارجي، لا تختلف ظروف الخطابين دولياً وإقليمياً، بل تكاد تكون متشابهة، إذ تزامن خطاب الشرع مع انعقاد مؤتمر حلّ الدولتين، وما يحصل في غزّة التي أفصح الشرع عن التضامن معها، ولاقت صدىً من الحاضرين. الفارق الجوهري الأهم أنّ كلمة الشرع جاءت على خلفية انتصار تاريخي للشعب السوري، طوى عقوداً من المرحلة الأسدية، التي وصلت إلى السلطة بانقلاب عسكري على الأتاسي.
أعطت التحولات نفسها الشرع مشروعية دولية، أضفت على الخطاب ثقة وصلابة بمضامين تاريخية، مغلفة بعاطفة جياشة لفعل سوري، قادر على تجاوز التحدّيات، في سبيل حقوقه المشروعة، فجاء الخطاب سردية أدبية لرسائل غير مباشرة، حمّالة أوجه، ودلالات ورمزية تحمل في طياتها، تداعيات استمرار الوجع السوري بسبب العقوبات، وآثارها على استقرار المرحلة الانتقالية والمنطقة.
نجح الشرع في تدوين" الحكاية السورية" أممياً، مذكّراً المجتمع الدولي، بطريقةٍ أبعد من الكلمات، وأقرب إلى الضمير، والحقوق المشروعة، وكأنه يقرأ على مسامع الحضور، العبارة الأولى في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة "نحن شعوب العالم، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب"، وهو ما قدّمه السوريون للمنطقة والعالم، بعد 14 عاماً من التضحيات، والموت المعلن، في وقتٍ عجزت فيه السياسات الإقليمية والاستراتيجيات الدولية من تحقيق ذلك. 
آثر الشرع في خطابه حشد الموقف الدولي لإنقاذ سورية من تمزّقها وهشاشتها داخلياً، نزولاً عند حاجة الشعب السوري، الذي ينتظر من حكومته ترشيد قواه، وتمكينه، ونهوضه، في غايةٍ نهائيةٍ مؤدّاها إنجاح المرحلة الانتقالية، أولوية تلخص ثالوث الشرع الاستراتيجي المتمثل بـ "الدبلوماسية المتوازنة، والاستقرار الأمني، والتنمية الاقتصادية".
يُفرد للخطاب السياسي في مناهج الدبلوماسية والعلاقات الدولية أهميّةٌ قصوى، بوصفه نوعاً من التواصل الاستراتيجي لتحقيق أهداف سياسية، إلا أن خطاب الشرع كان مختلفاً، وأبعد من غاية سياسية، إذ ربط الخطابُ الشرعيةَ الثوريةَ بمصير شعب، فظهر الخطاب مشروعاً وبرنامجاً سياسياً في إطار السياقات العامة للمرحلة الانتقالية، بعيداً عن أي تشتيتٍ آخر، رابطاً استقرار المنطقة بمسارات هذا السياق.
آثر الشرع في خطابه صناعة القبول، وتشكيل الرأي الدولي العام، وترحيل كثير من القضايا الملحّة إلى أدوار الدبلوماسية السورية، التي تقف حالياً أمام تحدّيات جسام، لم يُصرح عنها، في مقدمتها القضايا الأكثر إلحاحاً في ضمير السوريين، ولا سيما بعد صدور ما سمّيت "خريطة الطريق لحل الأزمة السورية في السويداء وتحقيق الاستقرار في جنوب سورية" المؤرّخة في 17/9/2025، والموجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس مجلس الأمن التي أصبحت إحدى وثائق المجلس، تحت بند "الحالة في الشرق الأوسط"، ما يضع الدبلوماسية السورية أمام جهودٍ ومسؤوليات تاريخية، تُبعد شبح التدويل Internationalization وتداعياته في عرف الأمم المتحدة، ولا سيما أن الوثيقة المذكورة آنفاً تُشير إلى نقل الاختصاص من الولاية الوطنية السورية إلى الولاية الدولية المشتركة تحت مجلس الأمن، آخذين بالاعتبار أن مهمّة الأمم المتحدة حفظ السلام لا بناؤه.