لم ينتهِ عدوان الإبادة بل يتوسع سياسيا وثقافيا

25 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 22:15 (توقيت القدس)
من التظاهرات الداعمة لفلسطين في بوينس آيرس 2025/7/12 (ماتياس باجليتو/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يستمر الاحتلال الصهيوني في عدوانه على غزة وفلسطين، مع اعتداءات على دول الإقليم، بينما يواصل الشعب الفلسطيني مقاومته المشروعة رغم محاولات قمعها.
- تتعاون بعض الأطراف الإقليمية مع الاحتلال في محاصرة الهوية الفلسطينية وتجويع الفلسطينيين، مما يرقى إلى المشاركة في جريمة الإبادة الجماعية.
- تتضمن المرحلة الثانية من العدوان تسريع الاستيطان وتهجير الفلسطينيين، مما يتطلب مقاومة فلسطينية ميدانية وسياسية وثقافية.

لا يزال الاحتلال الصهيوني مستمرًا في عدوان الإبادة على قطاع غزّة، بل على كلّ فلسطين، إلى جانب اعتداءاته المستمرة على دول الإقليم، وخصوصًا سورية ولبنان، في المقابل ما زال الشعب الفلسطيني (بصمود مدنييه، وبسالة مقاومته المشروعة) يسطر ملاحم أسطوريةً ألهمت شعوب العالم أجمع، وألهبت حماسهم ودفعتهم إلى مناصرة الحقّ، بدعمهم الحقوق الفلسطينية المشروعة، رغم جهود حلفاء الاحتلال لمحاربة هذه الأصوات، عبر قطع مصادر التمويل، والطرد من الشركات، والفصل من الجامعات، وسحب الإقامات، والاعتقالات التعسفية، وصولاً إلى وسم الاحتجاجات، أو بعضها حتّى الآن، بصفة الإرهاب، التي تتيح للحكومات قمعها ومحاكمة مرتكبيها بأعلى درجات الحزم، إن لم نقل الانتهاك.

لكن وعلى الطرف الأخر، تسارع معظم الأطراف الإقليمية الخطى لمحاصرة الهوية الفلسطينية، في انسجامٍ كاملٍ مع التوجهات الأميركية والغربية، وذلك بعد تعاونٍ إقليميٍ مخزٍ مع الاحتلال على مدار أشهر عدوان الإبادة كلّها، خصوصًا من قبل مصر والأردن والإمارات، إذ لم تساهم تلك الدول في إزالة العقبات أمام ارتكاب الاحتلال جريمة الإبادة الجماعية بحقّ الفلسطينيين جماعيًا فقط، بل يشبته؛ من ناحيةٍ قانونيةٍ لم تثبت المشاركة بعد، في تعاونهم معه في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، فعلٌ يرقى وفق المادة الثالثة من اتّفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها إلى ارتكاب الجريمة نفسها، تحت وصف التآمر على ارتكابها، أو المشاركة بها، وذلك من خلال المساهمة في تجويع الفلسطينيين، بالالتزام بالتعليمات الصهيونية القاضية بإغلاق المعبر، وبمنع المتضامنين من اقتحام المعبر، عبر السماح بدخولهم البوابة المصرية، وأيضًا من خلال فتح معبرٍ بريٍ لإمداد الاحتلال بحاجته من السلع، بعد فرض جماعة الحوثي حصارًا بحريًا فاعلًا بالحد الأدنى، وصولاً إلى فتح موانئ بحريةٍ إقليميةٍ، واستخدام سفن شحنٍ تابعةٍ أو ممولةٍ أو مملوكةٍ من دولٍ إقليميةٍ لمد الاحتلال بوارداته، فضلاً عن تمويله عبر صفقاتٍ تجاريةٍ مشبوهةٍ، وتعاونٍ أمنيٍ مدانٍ.

تجريم الفعل المقاوم، وتجريده من أدواته/ سلاحه، من خلال جعل استسلام المقاومة شرطًا من شروط البحث عن حلٍّ ما للقضية الفلسطينية

وعليه يبدو مشهد المرحلة الثانية (سبق للكاتب التحذير منه في مقاله "مساران منفصلان للعدوان.. سياسي وعسكري") من عدوان إبادة شعب فلسطين الأصلي جماعيًا أكثر وضوحًا اليوم، فقوامه إبادة الفلسطينيين روحيًا ومعنويًا، عبر محو هويتهم الثقافية والسياسية، من خلال إبادة أو محو حقوقهم، من حقّهم في مقاومة الاحتلال، إلى حقّهم في تقرير المصير، مرورًا بحقّهم في بناء كيانهم السياسي الخاص بهم وفق رؤيتهم الخاصّة، ذلك كلّه من دون التوقف عن محاولات إبادتهم ماديًا، عبر قتلهم وتشريدهم وطردهم من مدنهم ووطنهم الأصلي.

لتوضيح ذلك علينا التمعن قليلاً في أربعة مفاصلٍ رئيسيةٍ تشملها مرحلة عدوان الإبادة الثانية، أولها؛ استمرار سلوكيات الاحتلال الإرهابية، أيّ قتل الفلسطينيين، ليس في قطاع غزّة فقط، بل في فلسطين كلّها، أو معظمها على الأقل. ثانيها؛ تجريم الفعل المقاوم، وتجريده من أدواته/ سلاحه، من خلال جعل استسلام المقاومة شرطًا من شروط البحث عن حلٍّ ما للقضية الفلسطينية، مع الحفاظ على الدباجة الكاذبة ذاتها "حلّ الدولتين". هنا تجدر الإشارة إلى أن محاولات تجريم الفعل المقاوم لا تنحصر بتجريم المقاومة المسلحة منه فقط، بل يمتد إلى تجريم المقاومة السلمية، والاحتجاج الشعبي، والعصيان المدني ليس الفلسطيني فقط، بل حتّى المؤيد لفلسطين وشعبها وقضيتها، ولنا بقرار الحكومة البريطانية بتوصيف "بالستاين أكشن" حركةً إرهابيةً مثالاً على ذلك، كما لنا بقتل الاحتلال لكل ما هو فلسطيني، بما فيهم الصحفيون والنشطاء، بل حتّى اليوتيوبرز، فضلاً عن اعتقالهم أينما كانوا داخل فلسطين.

ثالثًا؛ تسريع الاستيطان وتقطيع القرى والبلدات الفلسطينية بمستوطنات جديدة، ونقاط تفتيش ومركز عسكرية. رابعًا؛ تبني خطة "الحسم" لبتسلئيل سموتريتش علميًا أوروبيًا وأميركيًا (وللأسف وبدرجةٍ ما إقليميًا)، عبر تهجير الفلسطينيين (غزة ريفييرا والدور الأميركي في تهجير الفلسطينيين قسريًا إلى جنوب السودان)، أو إبادتهم، أو بقائهم في حيزٍ جغرافيٍ غير ثابتٍ وضيقٍ، ومن دون حقوقٍ سياسيةٍ، وبالحدّ الأدنى من الحقوق المدنية. فالحديث السياسي الدولي اليوم يتقاطع تمامًا مع خطة "الحسم"، ومع ما سبق لمجرم الحرب بني غانتس أن أشار إليه في لقائه السابق في معهد واشنطن للدراسات عام 2022، حين أوضح رفضه المطلق حلّ الدولتين وفق القرارات الأممية، داعياً إلى تبنّي رؤيةٍ مقاربةٍ يمكن وصفها أيضًا بـ"حلّ الدولتين"، لكنها لا تتضمّن دولةً فلسطينيةً حقّاً، بل كياناً فلسطينيّاً، يحقّ للفلسطينيين وصفه بما يحلو لهم، كيان أو دولة أو حتّى إمبراطورية، وهو ما خرج به مؤتمر "حل الدولتين" الاستعراضي الأخير، الذي لخص رئيس الوزراء الكندي نتائجه بقوله نريد دولةً فلسطينيةً صهيونيةً منزوعة السلاح طبعًا!

طبعًا؛ لا تقتصر المرحلة الثانية من عدوان إبادة شعب فلسطين الأصلي جماعيًا على ما سبق لكنه أبرز ملامحها، الأمر الذي يتطلب فعلاً فلسطينيًا مقاومًا ميدانيًا داخل فلسطين (سلميًا ومسلحًا)، وفعلًا مقاومًا سياسيًا وثقافيًا داخل فلسطين وخارجها يجب نقاش تفاصيله بتمعنٍ وجديةٍ بعيدًا عن أراء أدوات الاحتلال وحماته الانهزامية داخل فلسطين وخارجها.