استمع إلى الملخص
- يبرز الكاتب اسم المحامي خليل معتوق، الذي اختطفته المخابرات في 2012، ويشعر بالعجز تجاه مصيره. يعتبر الندم دينًا في رقبته، مؤكدًا على أهمية عدم تكرار الأخطاء.
- يشدد الكاتب على أن الندم حافز للمقاومة، محذرًا من تحول النضال إلى ذكرى رومانسية. يؤكد على أهمية المساءلة والنقد لبناء وطن حر، ملتزمًا بأن يكون صوتًا للمقاومة.
حين أعود بذاكرتي إلى السنوات التي عشتها في سورية تحت حكم النظام الأسدي المجرم، أول ما يواجهني ليس الخوف ولا القهر وحدهما، بل ذلك الشعور الثقيل بالندم. ندمٌ لا يقتصر على مواجهة طغيانٍ دموي لا يعرف رحمة، بل يمتد ليشمل لحظات ضعفي، سكوتي حين كان يجب أن أصرخ، تراجُعي حين كان ينبغي أن أقف بصلابة، مسايرتي حين كان المطلوب أن أقول "لا" واضحة وصريحة، لا تحتمل التأويل ولا المساومة.
لا أكتب اليوم لتجميل الصورة أو لتلميع تجربتنا، بل لأقول بصراحة إنّني كثيراً ما عرفت أن الصوت كان يجب أن يكون أعلى، وأن الرد كان يجب أن يكون أجرأ
عشتُ متأرجحاً بين المحاولة والصمت، بين العمل والمراوغة، بين الرغبة بالعدل والخوف من بطش مَن لا يعرف معنى الكرامة. كنتُ جزءاً من منظمة حقوقية حملت على عاتقها مهمة الدفاع عن المعتقلين، وكنتُ مع رفاقي نضع أنفسنا في مواجهة غير متكافئة مع نظام يكره القانون بقدر ما يكره الحرية. حضرنا جلسات التحقيق والمحاكم، دافعنا عن الضحايا، وثّقنا الجرائم، كتبنا، وصرخنا. لكن، وبصدق مؤلم، لم نكن دائماً على قدر المهمة. تهاونّا في محطات كان يجب أن نكون فيها أكثر صرامة، وتخاذلنا أحياناً تحت ضغط الخوف والإرهاق.
لا أكتب اليوم لتجميل الصورة أو لتلميع تجربتنا، بل لأقول بصراحة إنّني كثيراً ما عرفت أن الصوت كان يجب أن يكون أعلى، وأن الرد كان يجب أن يكون أجرأ، وأن الخوف كان يجب أن يُهزم. لكنّني صمتُّ في بعض الأحيان، وفي ذلك الصمت خسرت جزءاً من إنسانيتي.
لم يكن الموت الرعب الأكبر الذي كان يسيطر على الناشطين في سورية، بل الإهانة ولحظات التعذيب المهينة داخل أقبية المخابرات الأسدية، حين يُجرد الإنسان من هويته ومن كرامته ومن أبسط مقومات الدفاع عن ذاته. كان التهديد الدائم بالسجن والتعذيب يحاصرنا جميعاً، فيدفعنا إلى تخفيض السقف خطوة بعد خطوة، حتى بتنا نساوم على البديهيات.
كل تراجع، كل تردّد، كل مساومة صغيرة، كانت تضيف عاماً جديداً إلى عمر الاستبداد، ويُمنح المجرم شرعية من سكوتنا. هكذا استمرّت آلة القمع في سحقنا جميعاً، ليس بالقوة الأمنية فحسب، بل أيضاً بعجزنا عن رفع الصوت في اللحظة المناسبة.
من بين الأسماء التي ما تزال تلاحقني كلما استرجعت تلك المرحلة، يبرز اسم صديقي وأستاذي وشريكي في النضال، المحامي خليل معتوق. كان رجلاً نادراً لا يعرف الخوف ولا يقبل المساومة، يؤمن بالحق ويستخدم القانون سلاحاً في مواجهة سلطة لا تؤمن إلا بالعنف. عملنا معاً لسنوات طويلة، دافعنا فيها عن آلاف المعتقلين، وتحدينا منظومة القهر الأسدية بكل ما كنّا نملك من أدوات سلمية.
اختطفته المخابرات الأسدية، في 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2012، مع زميله محمد ظاظا، ليختفيا معاً منذ ذلك اليوم. وأنكرَتْ اعتقاله، وبعد شهرين من اعتقاله التقيت بمعتقلين خرجوا من أقبية الفرع 285 التابع لإدارة أمن الدولة، وأكدوا لي أنهم شاهدوا خليل معتوق في الفرع المذكور قبل إحالتهم إلى القضاء.
سقط نظام الإجرام وهرب رأسه ذليلاً إلى موسكو... فُتحت السجون والمعتقلات والزنازين، وخرج من كان على قيد الحياة، وبقي خليل معتوق ورفيقه ظاظا ومعهم عشرات آلاف من المعتقلات والمعتقلين لا أحد يملك يقيناً أيّ شيء عن مصيرهم حتّى الآن.
كلما فكرت بخليل، أشعر أنني قصّرت في حقه، عجزت عن إنقاذه، عن معرفة مصيره، عن صون ذكراه كما يليق به. وكلما استعدت عجزي في تلك اللحظات، أدركت أن الندم الذي ينهشني ليس شعوراً عابراً، بل دينٌ في رقبتي لا يمحوه الزمن.
إلى كل من بقي حيّاً من رفاق النضال، إلى من لم يعرفوا الخوف ولم يساوموا، لكم أعتذر. أعتذر عن تقصير الماضي
قد يظن البعض أن الاعتراف بالندم هو استسلام، لكنّه في الحقيقة العكس تماماً. الندم الحقيقي هو صوت داخلي يذكّرني بأن الخطأ لا يجب أن يتكرر، وبأن الصمت شراكة في الجريمة، وبأن كل لحظة تهاون تمنح الاستبداد حياة إضافية.
لم نكن جبناء، لكنّنا كنّا منهكين، مطاردين، محاصرين بخوف دائم من فقدان ما تبقى لنا من حياة طبيعية. ومع ذلك، كان يمكن أن نكون أوضح، أشدّ صرامة، أكثر جرأة. هذا ما يجعل الندم اليوم ليس مجرّد بكاء على الأطلال، بل حافزاً للاستمرار في المقاومة بالكلمة والصوت، وعدم السماح للكارثة أن تتكرّر.
ما يزيد من مرارة الندم أنّني أرى اليوم المشهد السوري يُكرّر التفاصيل نفسها تقريباً، "التطبيل للسلطة بلا مساءلة، تبرير الأخطاء باسم "المرحلة الانتقالية"، تخوين النقد وتكفير المعارضة، والتعامل مع دماء السوريين وكأنها تفصيل صغير في معادلات السياسة".
أخشى أن يتحوّل نضالنا الطويل إلى مجرد ذكرى رومانسية تُروى في المجالس، بينما تُعاد صناعة الاستبداد بوجوه مختلفة. أخشى أن نصمت مرة أخرى، فيأتينا استبداد جديد ونخسر النصر الذي صُنع بدماء شعبنا.
لا يُبنى الوطن على الصمت، ولا على المسايرة، ولا على إلغاء الأصوات الحرّة. الوطن يُبنى بالمساءلة، بالنقد، بالجرأة على مواجهة السلطة مهما كان اسمها أو شعارها. أي خطأ اليوم، إذا سكتنا عنه، سيتحول غداً إلى كارثة تدفع ثمنها الأجيال القادمة.
إلى كل من بقي حيّاً من رفاق النضال، إلى من لم يعرفوا الخوف ولم يساوموا، لكم أعتذر. أعتذر عن تقصير الماضي، عن لحظات الخوف التي كبّلت أصواتنا. وأحرص اليوم على ألّا تتحول كلماتي إلى مبالغة تؤجج الموقف وتعرض الآخرين لمخاطر إضافية. وهذا الحرص لا يلغي الالتزام بالكلمة الصادقة، ولا يعني التنازل عن الحق في المواجهة، بل يعني أن أختار لحظة الصرخة بعناية حتى تكون أصدق وأقوى. لن أكرّر الصمت. سأبقى صوتاً لكم ما دمت حيّاً. سأكتب وأفضح وأقاوم، لأن ما حدث لا يُغتفر، وما يتكرّر اليوم لا يجب أن يمر.
ليس الندم نهاية القصة، بل بدايتها الجديدة. بداية لفعل مقاوم لا يعرف النوم، ولصوت لا يقبل أن يخفت، ولذاكرة لا تسمح بالطمس. الحرية، حتّى لو تأخرت، ستبقى تستحق من يحرسها بالكلمة، ومن يصرخ في وجه كل سلطة تريد أن تدفنها.