عين منين الغاضبة

04 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 09:15 (توقيت القدس)
رغم أمطار غزيرة تعاني معظم المناطق في سورية من شح المياه (فرانس برس 5/7/2025)
+ الخط -
اظهر الملخص
- المجتمع السوري يواجه تحديات كبيرة بعد عقود من الطغيان والفساد، تتجلى في توترات طائفية واجتماعية تهدد الاستقرار والسلام.
- الأحداث في مناطق مثل عين منين ودير الزور وحلب تعكس سخطاً شعبياً بسبب الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع الطموحات دون تحقيقها، مما يؤدي إلى احتجاجات تعبر عن عدم الرضا.
- تقارير حقوق الإنسان تشير إلى أن العنف ليس طائفياً بالكامل، حيث ترتبط نسبة كبيرة من الجرائم بأسباب جنائية، مما يزيد من صعوبة تحقيق الاستقرار الدائم.

كجسد بعد هجمة سكّري، أو بعد النجاة من كورونا، ستظهر فيه عيوب هنا وهناك، ستكشف نقاط الضعف عن نفسها واحدة تلو الأخرى. ستنقبض المعدة، وتتشنج الأمعاء، ويتكاسل البنكرياس، ويضطرب الكبد، وتتراجع حاسّة الشم، ويتفزّر الجلد، وتتلكأ الكليتان. 
هذا هو حال المجتمع السوري الخارج توّاً من كهف طويل، يحمل تركة ثقيلة من عقود الطغيان والفساد، والطبيعي أنه خرج وقد علقت بثيابه آلاف الحشرات السامة، سترافقه في رحلته الجديدة، وتقفز في وجهه، وتعضّ رقبته، كلما تعرّضت للشمس. 
لو خفتت حدّة التوتر الطائفي في المجتمع، وقد بدأت تخفت فعلاً، فهل سندخل عصر الاسترخاء والسلام؟ بالطبع لا، فخطوط التماس القابلة للانفجار، تقع تماماً أمام عيوب المجتمع كلها وخلفها، وعيوب المجتمع ليست فقط في انتماءاته الطائفية، كما يظن الطائفيون. ولا في عشائره وقبائله، كما يظن قصار النظر. 
ما الذي يدفع أهل عين منين، مثلاً، إلى الخروج إلى الشارع، والتعبير عن الغضب والرفض بطريقة عنيفة، والاعتداء على عمّال مؤسّسة المياه وآلياتهم؟ هل هو حقاً حفر بئر في أراضيهم يروي أهل التل المجاورة؟ 
لا يمكن لأحد يعرف القليل عن تاريخ المنطقة، وعن علاقة هاتين البلدتين عبر آلاف السنين، ان يصدق حرفاً من هذه الرواية. ألم تتشارك هاتان الجارتان النبع؟ ألم تتبادلا الماء في سنوات الجفاف؟ ربع أهل عين منين أخوالهم من التل، أو أبناء أختهم هناك، وفي الأحوال الطبيعية لن يبخل أحد منهما بأي شيء يحتاج إليه الآخر، فما الذي جرى الآن؟ 
ما جرى في عين منين هو نفسه ما جرى في دير الزور، حين خرج ناسٌ كثيرون للمطالبة بتمديد مهلة استبدال العملة، والاعتراض على قلة عدد مراكز الاستبدال. وهو ما يجري في حلب من أجل فواتير الكهرباء، وهو ما سيأخذ في كل مكان شكلاً مختلفاً، وسبباً جديداً، لن يكون بالضرورة وجيهاً، بل غالباً ليس وجيهاً. فالناس غير الراضية ستجد دوماً سبباً لتعبر عن عدم رضاها، إمّا باختلاق عدو، والذي قد يكون طائفةً أخرى، وإما بالمبالغة في التعامل مع حدث عابر كحفر بئر أو ازدحام على مكتب صرافة. ولا شيء يُفقِد الناس رضاها أكثر من رفع سقف طموحها، ثم اصطدام الرأس به. 
تفيد تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان بأن أعلى معدل لجرائم القتل في محافظة حلب، وليست التالية حمص التي تأتي في المرتبة الرابعة أو الخامسة، ولا في الساحل ولا في السويداء، بل في الرقة، ومصادر أخرى تقول إن عدد القتلى المدنيين في سورية منذ سقوط النظام قارب 14 ألف قتيل، منهم أربعة آلاف تم قتلهم على أساس طائفي، و1100 قتلوا بانفجار ألغام ومخلّفات حربية، والبقية توزّعوا على حوادث جنائية ونزاعات ثأرية وخلافات عائلية وشخصية. 
إذاً، حتى حوادث القتل المنفلت ليست طائفية سوى بنسبة 30%، وخطوط التماسّ في المجتمع تقع حيث يعثر الناس على أداة حادّة، ومن يعرف أهل منين يعرف أنهم لا يمكن أن يبخلوا على أهل التل ببئر. وقد نقل لي أبي مرّة حكمة آبائه: إذا أردت شيئاً من ابن البادية فاطلبه في الربيع، حين تكون الأرض مرجاً أخضر والنسيم عليلاً، عندها لو طلبت عباءة سيعطيك ابنه، واحذره في الخريف قبل هطل المطر، فلو طلبت منه شربة ماء قد يطلق الرصاص على قدميك. وهذه البلاد، من عين منين إلى الحفّة وصلخد، ما زالت تعيش منذ ستين عاماً في الخريف.