جمود على جبهة قطاع غزّة حتّى الانتخابات الصهيونية القادمة
- السيناريوهات المحتملة لغزة تشمل تدمير المدينة عسكرياً، أو تنفيذ خطة ملادينوف بدعم دولي، أو تجميد الوضع الحالي حتى الانتخابات، مع ترجيح السيناريو الثالث.
- مع اقتراب الانتخابات الصهيونية وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية، يُتوقع استمرار الوضع الحالي في غزة مع خطوات إنسانية رمزية لتجنب تصعيد يؤثر على استقرار المنطقة.
بات جلياً أنّ رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو وحلفاءه من اليمين الفاشي المتطرّف (إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش) دفعوا باستمرار حرب الإبادة على قطاع غزّة أداةً لتنفيذ مخطّط التهجير القسري المبطّن، عبر تحويل القطاع إلى بيئةٍ غير قابلة للحياة، ودفع السكان نحو المغادرة تحت مسمى "الهجرة الطوعية"، ولم تكن هذه الاستراتيجية بعيدةً عن حسابات نتنياهو الشخصية، للحفاظ على تماسك ائتلافه الحاكم، وضمان البقاء في السلطة لأطول فترةٍ ممكنة، والأهم التغطية على قضايا الفساد الّتي تلاحقه في المحاكم الصهيونية، والخشية العميقة من تشكيل لجنة تحقيق رسمية في "كارثة السابع من أُكتوبر"، ومع اقتراب موعد الانتخابات العامة بعد أشهر قليلة، طرأت مستجداتٌ دراماتيكية أعادت خلط الأوراق بالكامل، ووضعت خططه الرامية للفوز، باعتباره الملاذ الأخير لإنقاذ إرثه السياسي وحمايته من المحاكمة، على حافة الهاوية.
لعل العدوان على إيران، واتّفاق المبادئ الأميركي الإيراني لوقف الحرب لمدة 60 يوماً، هو أبرز المُستجدات، فقد جرّ نتنياهو الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى حربٍ وجوديةٍ مع إيران ستُفضي إلى إسقاط النظام، والدفع بقيادة متعاونة بما يخدم سياقه المفترض لتغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط لصالح دولة الكيان، كما ستفضي إلى تمكين نتنياهو من الوصول إلى الانتخابات القادمة بإنجازاتٍ تاريخيةٍ لا تترك مجالاً أمام الأغلبية في المجتمع الصهيوني إلا التجديد له وتتويجه ملكاً "لإسرائيل" العصرية، ولكن هل إنهاء أو تهدئة جبهتي إيران وحزب الله ستدفع نتنياهو إلى توجيه آلة الاحتلال العسكرية نحو قطاع غزّة، وإحداث تحوّلٍ كبيرٍ بما يخدم أجندته في الانتخابات القادمة، في الواقع هناك ثلاثة سيناريوهات مختلفة لهذا السؤال:
يبقى السيناريو الثالث الاحتمال الأكثر ترجيحاً، أي جمود الحالة الإنسانية والسياسية في قطاع غزة، وبقاء الوضع على حاله حتّى الانتخابات الصهيونية القادمة، بمعنى استمرار عمليات الاغتيال المحددة، واستمرار الحصار
يتمثّل السيناريو الأول في إعادة توجيه الآلة العسكرية إلى قطاع غزّة بحجة "نزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية"، بغرض تدمير ما تبقّى من مدينة غزّة وحشر كل سكان القطاع في حوالي 20% من مساحته (المنطقة الوسطى ومواصي خانيونس ورفح)، في سياق تنفيذ مخطّط التهجير، وتقديم إنجازٍ أمام الناخب الصهيوني يعوّض عن الفشل الاستراتيجي الذريع في الملف الإيراني.
أما السيناريو الثاني؛ الذي ترغب فيه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة ترامب، فهو الدفع قدماً بخطّة المندوب السامي وممثّل ما يُسمّى بـ"مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف؛ المكونة من خمس عشرة نقطة، والتي تحظى بدعم دولي كبير، خصوصاً بعد تقديم الفصائل الوطنية الفلسطينية في القاهرة رداً إيجابياً نسبياً على الخطة، والعمل على تغيير واقع القطاع عبر السماح لحكومة تكنوقراط فلسطينية بتسلّم زمام الأمور في قطاع غزة، ونشر القوات الدولية، وتنفيذ انسحابات من المناطق الّتي يحتلها جيش الاحتلال الصهيوني، والشروع في مشروع إعادة إعمار القطاع الطويل.
ويتمثّل السيناريو الثالث في بقاء الوضع الحالي وتجميده حتّى الانتخابات الصهيونية، أي استمرار احتلال أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة، وإبقاء حالة الحصار مع القليل من تنقيط المستلزمات الإنسانية بما يُبقي على الحياة بحدها الأدنى، وإبقاء عداد القتل اليومي بين 6- 12 شهيداً يومياً، ضمن سياسة الاغتيالات المركّزة وضحايا جيش الاحتلال الصهيوني طلقات الطائشة في محيط ما يُسمى "الخط الأصفر".
بالنسبة إلى خيار العودة إلى حرب مفتوحة على قطاع غزة ، أو المبادرة إلى عملية عسكرية واسعة، بغرض تدمير ما تبقّى من مدينة غزّة، وحشر سكان القطاع في المنطقة الوسطى والمواصي، وبالرغم من رغبة نتنياهو في ذلك، فإنّه خيار مُستبعدٌ جداً في ظل الظروف الحالية، نظراً إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لن يسمح، على الأرجح، بأي أعمال قد تُفضي إلى نسف خطته ذات النقاط العشرين وخطة ملادينوف التنفيذية، كما أنّ استئناف الحرب المفتوحة على قطاع غزّة يعني بالضرورة عودة قصف الحوثيين، ورّبما إغلاق مضيق باب المندب، ما سيُغضب الرئيس الأميركي وينذر بعودة أزمة الطاقة العالمية.
أما السيناريو الثاني ومستقبل خطة ملادينوف، ونظراً إلى أن نتنياهو يُقدم أولوية مستقبله السياسي في الانتخابات القادمة على أي أولوية أخرى، فإنه سيرفض أي انسحاب من قطاع غزّة، وسيعمل على عرقلة أي تقدم في خطة ملادينوف حتىّ لا يُفسر بأنه تنازلٌ في ملفّ قطاع غزّة أمام الناخب الصهيوني، ولكن قد تكون هناك بعض الخطوات الرمزية بضغط من ترامب.
ويبقى السيناريو الثالث الاحتمال الأكثر ترجيحاً، أي جمود الحالة الإنسانية والسياسية في قطاع غزة، وبقاء الوضع على حاله حتّى الانتخابات الصهيونية القادمة، بمعنى استمرار عمليات الاغتيال المحددة، واستمرار الحصار، واستمرار سيطرة الاحتلال الصهيوني على أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة.
كما أنّ استئناف الحرب المفتوحة على قطاع غزّة يعني بالضرورة عودة قصف الحوثيين، ورّبما إغلاق مضيق باب المندب، ما سيُغضب الرئيس الأميركي وينذر بعودة أزمة الطاقة العالمية
من الصعب التكهن بمآلات الأمور في المناطق ذات الطبيعة السياسية المعقدة، فكيف بقطاع غزّة الذي يُمثّل بؤرة توتر عالمية، وعنصراً محورياً في شبكة علاقات إقليمية معقدة تتفاعل باستمرار مع أحداث ومُستجدات متلاحقة، ولكن بالنظر إلى عوامل ومحدداتٍ جوهرية تُمثّل الدافع الأكبر للأحداث، وفي مقدمتها الانتخابات الصهيونية وسعي نتنياهو إلى الفوز فيها بأي ثمن كان، وانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتّحدة (في نوفمبر/تشرين الثاني القادم)، ورغبة الرئيس ترامب في تهدئة الشرق الأوسط وتهدئة أسواق الطاقة، فإنّ الترجيحات تميل إلى عدم التصعيد العسكري الكبير على جبهة قطاع غزّة، من خلال المراوحة في المكان، وإبقاء الوضع على حاله، مع إمكانية لبعض الخطوات الرمزية ذات الطابع الإنساني، على الأقلّ حتىّ الانتخابات الصهيونية بعد أشهر عدّة.