انتخابات اتحاد الكرة... بيع كرة القدم في سوق الولاءات
استمع إلى الملخص
- تعاني كرة القدم السورية من فساد مالي وإداري مستمر، مع عدم فتح الملفات المالية السوداء بجدية. تُظهر الانتخابات الحالية إعادة تدوير للفشل السابق، مما يثير الشكوك حول نزاهة العملية الانتخابية.
- تقف الانتخابات كفرصة لإعادة الثقة في كرة القدم السورية، لكنها تتطلب تجاوز التحديات مثل ضعف البنية التنظيمية وغياب الشفافية. الاتحاد القادم يواجه مسؤولية كبرى لإعادة ترتيب البيت الكروي من الداخل.
لم يعد السوريون ينتظرون من انتخابات اتحاد الكرة المقبلة سوى نسخة جديدة من المسرحية القديمة نفسها. ... الوجوه تتبدل، لكن الكواليس تبقى كما هي: وساطة، محسوبيات، تعليمات تأتي من فوق، وضغوط تمارس في الخفاء على كل من يملك صوتا أو رأيا.
لا تبدو الأمور مشجّعة ولا تبعث على التفاؤل، ولا يعوّل الجمهور السوري كثيراً على أن الأمور ستكون أفضل هذه المرّة. فالوساطة والمحسوبيات كانتا العنوان الرئيس منذ الإعلان عن قبول لوائح المرشحين، ويبدو أن المشهد استقرّ نهائيا على لائحتين، كلتاهما مدعومتان ومقرّبتان من مركز القرار في الرياضة السورية، ما يجعل المنافسة شكلية والنتائج محسومة قبل أن تبدأ.
هل سيسمح لهم النظام الرياضي بالعمل بحرية فعلية؟ أم أنهم مجرّد "واجهة محترمة" لتجميل المشهد؟
أسماء كبيرة وسؤال أكبر
يقود اللائحة الأولى الحكم الدولي السابق جمال الشريف، ويكفي ذكر اسمه لمعرفة حجم الشعبية التي يتمتع بها، إضافة إلى الخبرة الرياضية والإدارية الكبيرة التي اكتسبها في مسيرته الطويلة في التحكيم، إذ شارك في ثلاث بطولات كأس عالم، وعمل محلّلا تحكيميا في قنوات عربية مرموقة. ويضم فريقه أسماء لها وزنها في الكرة السورية مثل: نبيل السباعي نجم الكرامة والمنتخب السابق المرشّح لمنصب نائب الرئيس، وتاج الدين فارس الحكم الدولي المعروف، وأنور عبد القادر اللاعب والمدرب الخبير، ووليد أبو السل نجم الكرة السورية السابق، ووائل حاج عبيد لاعب جبلة ورئيس مكتب الألعاب الجماعية السابق في اللجنة التنفيذية باللاذقية، إضافة إلى محمد جمعة، مها قطريب، محيي الدين دولة، أيمن حزام، وأبي شقير وهو إعلامي في جريدة الاتحاد التابعة لوزارة الرياضة والشباب.
تشكيلة تبدو نظريا متكاملة، لكن السؤال الكبير: هل سيسمح لهم النظام الرياضي بالعمل بحرية فعلية؟ أم أنهم مجرّد "واجهة محترمة" لتجميل المشهد؟
عودة الوجوه القديمة
ويرأس اللائحة الثانية فراس تيت، وهو شغل منصب رئيس الألعاب الجماعية في وزارة الرياضة، ويعاونه رئيس اتحاد الكرة الأسبق، فادي دباس، وهو أحد أكثر الأسماء إثارةً للجدل في تاريخ الاتحاد، مع مجموعة من الأسماء التي غابت طويلا عن الساحة، وبعضها لا يعرفه الجمهور أصلا ، وتضمّ في عضويتها يعقوب قصاب باشي، وموفق فتح الله، وتركي ياسين العلي، وأحمد الخالد ويوسف ربيع الحسن، ومحمد الغادري، ومروان الخوري، وسليم سبع الليل، وناسي معمر.
انتخابات… أم إعادة تدوير للفشل؟
يقول الواقع إننا لا نعيش انتخابات بل عملية إعادة تدوير للفشل والفساد نفسه، فأسماء كثيرة ترشّحت اليوم كانت جزءا من المنظومة التي أوصلت الكرة السورية إلى هذا الانهيار، لتعود بثياب جديدة حاملةً الوعود الكاذبة نفسها، فكيف يمكن أن نثق بمن شارك في الخراب ليقود مرحلة الإصلاح؟
وكشفت تصريحات نبيل السباعي قبل انضمامه للائحة الشريف المستور، حين تحدّث عن "ضغوط وتوجيهات تمارس على الناخبين، وإذا كانت الانتخابات تبدأ بالابتزاز، فكيف ستكون النتيجة؟ بل إن ناخبين أكدوا أن قوائم التصويت محدّدة مسبقا، وأن الاجتماعات التي تسبق الانتخابات أشبه بجلسات "توزيع حصص"، حيث يجري الاتفاق على من يفوز ومن يُستبعد قبل فتح الصندوق أصلا.
وما يثير الريبة أكثر أن المرشح فراس تيت قدّم استقالته من وزارة الرياضة، بينما لم يفعل منافسه جمال الشريف، الذي لا يزال يشغل منصب نائب وزير الرياضة... هل يعني هذا أن التوازن غير موجود منذ البداية؟ وهل نحن أمام منافسة حقيقية أم توزيع أدوار متفق عليه خلف الأبواب المغلقة؟
لا يمكن أن يكون المنصب الحكومي منصة انتخابية، وإلا فأين استقلالية القرار الرياضي التي يتغنّى بها المسؤولون؟ وكيف يمكن لاتحادٍ أن يمثل كرة القدم السورية وهو خاضع إداريا وماليا للجهة المفترض أن يراقبها؟
ملفات مالية.. رائحة الفساد
الملف الأسود الذي يختبئ تحت طاولة الاتحاد لم يُفتح يوما بجدّية: أموال مجمّدة لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، عقود مدربين وهمية، وصرف مليارات الليرات بلا حسيب أو رقيب. وكانت "الفضيحة" الأشهر عقد المدرب خوسيه لانا الذي قبض أكثر من ملياري ليرة سورية دون أن يقود تدريبا واحدا! ويتحدّث الملف الأخطر عن جمع أحد أعضاء الاتحاد السابقين أكثر من ثلاثة ملايين يورو تحت شعار "دعم اللاعبين المغتربين"، من دون أن يظهر المبلغ في أي تقرير مالي رسمي.
"فيفا" تراقب… لكن من يراقب الداخل؟
تؤكد الأمانة العامة أن الانتخابات ستجري بعد غد الخميس (20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025)، لكن الحسم الإداري لا يعني النزاهة الأخلاقية. حتى حضور وفد من الفيفا قد لا يكون دليل ثقة، بل خشية من التزوير بعد سيل التقارير والشكاوى القادمة من دمشق إلى زيورخ. وقد يتحول الحضور إلى مجرد "ديكور قانوني" يمنح شرعية زائفة لمشهد مطبوخ في مطبخ المصالح والولاءات .
وكانت الأمانة العامة لاتحاد الكرة قد نشرت في ساعة متأخّرة من مساء الاثنين الفائت تعميمًا يحمل الرقم 3، يتضمن إعلان القوائم الرسمية النهائية للمرشحين لانتخابات اللجنة التنفيذية لاتحاد الكرة، المقرّرة في 20 نوفمبر الجاري، لتحديد هوية الاتحاد الجديد الذي تمتد فترة رئاسته أربع سنوات (2025 – 2029) وجاء في التعميم أنه استنادا إلى أحكام النظام الأساسي واللائحة الانتخابية لاتحاد الكرة وإلى تعميم اللجنة الانتخابية رقم (1) الصادر في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بالإضافة إلى تعميمها رقم (2) الصادر في 27 من الشهر نفسه، وذلك للبتّ في الطعون الانتخابية، وبعد انقضاء المهلة القانونية وصدور القرارات النهائية القطعية، قرّرت اللجنة الانتخابية إعلان القوائم المقبولة للمرشّحين لانتخابات اتحاد الكرة.
تبقى كرة القدم السورية تدور في الدائرة نفسها، اتحاد يتبدّل شكله ولا يتبدّل سلوكه، ووعود تُكتب بالحبر ذاته الذي كُتبت به خيباتنا السابقة
الاتحاد القادم... فرصة لإعادة الثقة
تُعدّ الانتخابات المقبلة لاتحاد كرة القدم السوري لحظة فارقة في مسار اللعبة، فهي ليست مجرد سباق على المناصب أو توزيع للأدوار، بل امتحان حقيقي لقدرة القائمين على الشأن الكروي على تجاوز سنوات طويلة من التخبّط والارتجال، وبداية مرحلة جديدة تُبنى على أسس علمية وإدارية حديثة تليق بتاريخ كرة القدم السورية وطموحات جماهيرها العريضة.
في السنوات الماضية، عانت الكرة السورية من اهتزاز الثقة بين الشارع الرياضي ومؤسّساتها الرسمية، نتيجة تراكمات من الفشل الإداري، وسوء التخطيط، وغياب الرؤية الواضحة. تغيرت الوجوه، وتبدلت الشعارات، لكن المشكلات الجوهرية بقيت كما هي: ضعف في البنية التنظيمية، غياب للشفافية في اتخاذ القرار، وتراجع في مستوى المنتخبات الوطنية رغم وجود خامات مميزة من اللاعبين.
يقف الاتحاد القادم اليوم أمام مسؤولية كبرى لإعادة ترتيب البيت الكروي من الداخل، عبر بناء هيكل إداري مهني يعتمد على الكفاءة لا على العلاقات، وعلى التخطيط لا على الارتجال. فالثقة لن تُستعاد بالتصريحات أو الوعود، بل بالعمل الميداني الجاد وبالقرارات الشجاعة التي تضع مصلحة الكرة السورية فوق أي اعتبار شخصي أو مناطقي.
مرآة الفساد وصرخة الأمل الأخيرة
وبين مطرقة الوساطة وسندان القانون، تبقى كرة القدم السورية تدور في الدائرة نفسها، اتحاد يتبدّل شكله ولا يتبدّل سلوكه، ووعود تُكتب بالحبر نفسه الذي كُتبت به خيباتنا السابقة. فلا جديد في المشهد سوى تعب الجماهير، وازدياد شعورها بأن اللعبة لم تعد تُلعب على العشب، بل تُدار في مكاتب مغلقة تُباع فيها الأصوات وتُشترى المواقف.
الكرة التي كانت يوماَ رمز الفرح السوري تحوّلت إلى مرآة عاكسة لفسادٍ أكبر من حدود الملاعب، فما نراه على المستطيل الأخضر ليس سوى انعكاسٍ لما يجري خلف الجدران.
سُرقت الأحلام قبل الكؤوس، وصار الانتصار الحقيقي في سورية أن تبقى مؤمنا بأن الرياضة يمكن أن تكون يوما نزيهة، حين تُدار اللعبة بالولاءات، تُهزم القيم قبل أن تطلق الصافرة.