الإبادة الاقتصادية... سياسات الاحتلال في قطاع غزة

24 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:48 (توقيت القدس)
فيضانات في المواصي نتيجة تدمير شبكات الصرف الصحي، 2025/11/16 (عبد الرحمن رشاد/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- منذ السابع من أكتوبر 2023، يشهد قطاع غزّة تدميرًا شاملًا للبنية الاقتصادية، حيث تضررت المناطق الصناعية ومحطات الطاقة وشبكات المياه والاتصالات بشكل كبير، مما جعل التعافي شبه مستحيل.
- على مدى أكثر من ستة عشر عامًا من الحصار، تحول اقتصاد غزّة من منتج إلى معتمد على المساعدات، مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر، مما أدى إلى انهيار كامل في الروابط الإنتاجية والاجتماعية.
- الحرب استهدفت مقومات الاقتصاد بشكل مباشر، مما أدى إلى انهيار القطاعات الزراعية والصناعية والإنشائية، وتحول الاقتصاد إلى بيئة ندرة قسرية وسوق نقد سوداء.

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، يشهد قطاع غزّة عملية تدمير شاملة لا تقتصر على العمران والبنية التحتية، بل تطاول مجمل النظام الاقتصادي. فالحرب الراهنة لم تأتِ استكمالًا لمسار الحصار فحسب، بل مثّلت ذروته؛ إذ انتقل الاحتلال من سياسة الخنق التدريجي إلى سياسة التفكيك مقومات البقاء الاقتصادي. فتدمير المناطق الصناعية الواسع، ومحطات الطاقة، وشبكات المياه والاتصالات لا يمكن قراءته نتاجًا ثانويًا للعمليات العسكرية، بل وُظفَ هذا التدمير آليةً مقصودةً لإحكام خنق قدرة القطاع الاقتصادية، إذ تتحول أيّ محاولة للتعافي إلى إجراء شكلي فاقد لمحتواه الفعلي.

أُنهك الاقتصاد الغزّي على مدى أكثر من ستة عشر عامًا من الحصار، جرى خلالها تفكيك البنية الإنتاجية من خلال القيود المفروضة على الحركة، ومنع الوصول إلى الموارد، وإغلاق المعابر، والحرمان من استغلال الثروات الطبيعية، بما في ذلك الغاز البحري والثروة السمكية. ومع كلّ جولة عدوان، تآكلت قدرة الاقتصاد على الاستثمار والتراكم، ليتحول من اقتصاد منتج إلى اقتصاد معتمد على المساعدات. وقد انعكست هذه السياسات على المؤشرات الكلية، فانخفضت مساهمة قطاع غزّة في الناتج المحلي من نحو 36% قبل عام 2006 إلى أقلّ من 17% في نهاية عام 2022، وبلغت البطالة في العام ذاته 46%، في ما عاش أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر، وذلك وفق تقرير أصدره "الأونكتاد" عن المساعدات المقدمة للشعب الفلسطيني بعنوان "التطورات في اقتصاد الأرض الفلسطينية المحتلة"، وذلك في مؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية في أكتوبر 2022.

في ضوء هذا التراكم، جاءت الحرب الأخيرة لتقطع ما تبقّى من الروابط الإنتاجية والاجتماعية، وتدفع بالاقتصاد إلى مرحلة الانهيار الكامل. فالمسألة لم تعد تتعلق بإعادة إعمار ما تهدّم، بل بمغزى التدمير نفسه، الذي بات يتجاوز المفهوم التقليدي للحرب إلى ما يمكن تسميته "إبادة اقتصادية" تستهدف محو مقومات الوجود المدني، وتحول الاقتصاد إلى أداة إخضاع طويلة الأمد.

انهيار الاقتصاد الغزّي كلّيًا بعد الحرب

أدت الحرب على قطاع غزّة إلى تدمير البنية الاقتصادية تدميرًا شبه كامل، إذ تشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للربع الثاني 2025 إلى فقدان الناتج المحلي الحقيقي في قطاع غزّة أكثر من 88% من قيمته بحلول عام 2025. ويعكس هذا الانهيار حجم الشلل في الأنشطة الإنتاجية كافة، إذ تراجع قطاع الإنشاءات بنحو 98%، والصناعة بنحو 94%، والزراعة بنسبة 93%، والتجارة بحوالي 91%. وعليه لم تعد هذه الأرقام مؤشرات اقتصاديةً فحسب، بل شواهد على تعطّل دورة الإنتاج، وتفكك السوق الداخلية نتيجة تدمير الأصول وتعطّل شبكات الطاقة والإمداد، لينتقل الاقتصاد الغزي من مرحلة الضعف المزمن إلى مرحلة الانعدام التام للقدرة على توليد الدخل.

وثق تقرير سلطة جودة البيئة "حصر الأضرار البيئية الناجمة عن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة 2024/2023" أن الأضرار قد طاولت نحو 92% من الطرق الرئيسة، و62% من الطرق الفرعية

ترك هذا الانهيار آثارًا اجتماعيةً غير مسبوقة، إذ انزلق السكان إلى ما دون خط الفقر الكلّي، وأصبح الفقر في قطاع غزّة ظاهرةً تمس شروط البقاء، لا مستوى الدخل فقط. فالحرمان من المأوى والماء والغذاء والخدمات الأساسية جعل الفقر يتجاوز المفهوم النقدي ليغدو فقر بقاء. كما ارتفعت البطالة إلى قرابة 80% بنهاية 2024؛ وفق التقرير السابق نفسه، بعد توقف عمل المؤسسات ونزوح العمال وتعطّل السوق، وتحولت أنشطة العمل إلى مبادرات إغاثية غير منتظمة، ما أفقد سوق العمل وظيفته الاقتصادية تمامًا.

كما صنّف تقرير منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" الصادر في 2024/10/17 نحو 91% من سكان قطاع غزّة ضمن مرحلة الأزمة الحادة، أي خطوة واحدة قبل المجاعة الشاملة. وبهذا لم يعد الجوع ناتجًا عن نقص مؤقت في السلع، بل نتيجة مباشرة لانهيار البنية الاقتصادية، وتعطل منظومة التوزيع والإنتاج المحلي. وتُظهر مشاهدات ميدانية من داخل قطاع غزّة أن ما يُسمح بدخوله من شحنات غذائية لا يعكس تحسّنًا في الوضع الإنساني كما يُروّج إعلاميًا، بل يمثّل سياسة تجويع مقنّعة تتعمّد إدخال سلع كمالية، مثل الشكولاتة والمكسّرات والمشروبات الغازية على حساب السلع الأساسية التي تمنح السكان مقوّمات البقاء، مثل الطحين والزيت والبيض والدواجن. بينما تخلق هذه الانتقائية في الإمداد وهمًا بانفراج الأزمة وتدفق الإغاثة، تبقي السوق خاليةً من المواد الغذائية الرئيسة، وتُحافظ على مستوى مرتفع من الفقر والجوع، بما يضمن استمرار حالة الندرة.

تفكيك القاعدة الإنتاجية

استهدفت الحرب مقومات الاقتصاد الحقيقية استهدافًا مباشرًا، فأبيدت الأصول الزراعية والصناعية والإنشائية التي شكّلت العمود الفقري للنشاط الاقتصادي. إذ كان القطاع الزراعي يشكّل ركيزة الاكتفاء المحلي، ومصدرًا رئيسيًا للدخل في الريف والحضر، ومع اندلاع الحرب، أُتلفت شبكات الري والمضخات والآبار، والبيوت البلاستيكية، ومستودعات التبريد، وطرق النقل الزراعية ما أدى إلى توقف شبه تام في إنتاج المحاصيل. كما أدت الهجمات إلى نفوق نحو 95% من الثروة الحيوانية نتيجة القصف المباشر وانقطاع الأعلاف والخدمات البيطرية، في حين أصيب قطاع الصيد بالشلل الكامل بعد تدمير القوارب والمرافئ ومزارع تفريخ الأسماك، وذلك وفق تقرير صادر عن مركز رؤية للتنمية السياسية في الرابع من يناير/كانون الثاني 2025، بعنوان "الآثار الاقتصادية الناجمة عن تدمير القطاع الزراعي في قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2023. وتُظهر صور الأقمار الصناعية الصادرة عن منظمة "يونوسات" تدهورًا حادًا في الغطاء الزراعي للقطاع، إذ انخفضت مؤشرات الكثافة النباتية وصحة المحاصيل في معظم المناطق المزروعة، بسبب القصف المتكرر وحركة الآليات العسكرية وأعمال التجريف الواسعة، ما يعني عمليًا تعطيل قدرة قطاع غزّة على إنتاج غذائه المحلي، وانهيار منظومة الأمن الغذائي بأكملها.

ملحق فلسطين
التحديثات الحية

كما تعرّضت الصناعة في قطاع غزّة إلى انهيار، حيث توقفت معظم المصانع بعد تدمير شبكات الطاقة والمياه وسلاسل التوريد. تشير بيانات اتحاد الصناعات الفلسطينية، أكتوبر 2024، إلى أن 84% من المنشآت الصناعية دمّرت كليًا أو جزئيًا، وتوقفت 85% منها عن الإنتاج، أما البقية فتعمل بطاقة تشغيل لا تتجاوز 30%، وقد بلغت الخسائر المباشرة نحو 786 مليون دولار، حوّل ذلك الصناعة إلى طاقة خاملة بلا إنتاج، وأفقد الاقتصاد قدرته على التراكم الذاتي، ليصبح اقتصادًا إغاثيًا قائمًا على الواردات والتمويل الخارجي. هكذا لم تعد الخسارة في رأس المال الصناعي ماديةً فقط، بل انقطاعًا في آلية توليد الدخل وإعادة الإنتاج.

كما أدى القصف المتواصل إلى تدمير أكثر من 83% من مباني مدينة غزة، وفق منظمة يونوسات أيضًا، وتراجع نشاط الإنشاءات بنسبة 98% مع خسائر أولية تجاوزت 545 مليون دولار، وفق تقرير مركز رؤية. كما لم يقتصر فقدان المنازل على الجانب المادي فقط، بل طاول بنية الأحياء الاجتماعية والاقتصادية؛ إذ أدى النزوح إلى اقتلاع الأسر من شبكاتها المجتمعية التي تشكل إطارها الاقتصادي والاجتماعي، وتعطيل الأنشطة الصغيرة المتصلة بالحياة اليومية كالورش المنزلية والمتاجر المحلية. كما أدى تقلص المساحات العمرانية؛ بفعل التجريف وتحويل أجزاء واسعة إلى مناطق عسكرية مغلقة، إلى تفاقم أزمة السكن، إذ ازداد الضغط على المساحات المتاحة وصعوبة إيجاد بدائل آمنة. وفي السياق ذاته، يصبح تدمير قطاع البناء والإسكان وسيلةً مدروسةً لضرب مقومات الاستقرار.

تآكل البنية التحتية

استهدفت حرب الإبادة بنية الخدمات الأساسية، التي تشكّل قاعدة الاقتصاد المادية، فعطلت شبكات المياه والكهرباء، والطرق والصرف الصحي على نحو يعبّر عن خطة متكاملة لإفقاد القطاع قدرته على البقاء، إذ ذكرت دراسة رشا بسام خضر العجرمي " الأضرار البيئية الناجمة عن الحرب: انتهاك منسي!!"، والمنشور في موقع المرصد الفلسطيني للنزوح الداخلي في 2025/8/20، تعرّض أكثر من 70% من شبكات الصرف الصحي لأضرار، ودُمّر 655 ألف متر من شبكات الصرف، ودُمّر ما يقارب 330 ألف كيلومتر من خطوط المياه، ومع توقف الكهرباء لما يزيد عن 280 يوم تحوّلت المياه العادمة إلى مجارٍ مفتوحة، وتلوّثت مصادر المياه الجوفية. كما وثّقت منظمات دولية؛ منها هيومن رايتس ووتش" مشاهدات ميدانية على التدمير المقصود لخزانات ومحطات المعالجة أثناء السيطرة الإسرائيلية على تلك المناطق، ما حرم السكان من الحدّ الأدنى من المياه الصالحة للاستخدام.

كما وثق تقرير مشترك للأمم المتّحدة والبنك الدولي والاتّحاد الأوروبي " غزة والضفة الغربية: تقييم مؤقت سريع للأضرار والاحتياجات"، صدر في فبراير/شباط 2025، تضرر نحو 80% من أصول شبكة الكهرباء، وتوقفت محطة التوليد منذ 11 أكتوبر 2023، لتتجاوز الخسائر المباشرة 494 مليون دولار، في ما تخطت كلفة الإعمار 1.4 مليار دولار، ومع غياب الوقود والاعتماد القسري على المولدات، تضاعفت النفقات التشغيلية سبعة أضعاف، فضلًا عن خسائر واسعة في الوظائف، وتعطّل قطاعات حيوية، منها الرعاية الصحية وإمدادات المياه والتعليم والغذاء. وقد أظهرت تقارير المنظمات الإنسانية أن أزمة الطاقة شكلت العائق الأكبر أمام الاستجابة الميدانية، بما يعكس الترابط بين تعطيل الكهرباء وانهيار بقية الخدمات.

استهدفت الحرب مقومات الاقتصاد الحقيقية استهدافًا مباشرًا، فأبيدت الأصول الزراعية والصناعية والإنشائية التي شكّلت العمود الفقري للنشاط الاقتصادي

كذلك وثق تقرير سلطة جودة البيئة "حصر الأضرار البيئية الناجمة عن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة 2024/2023" أن الأضرار قد طاولت نحو 92% من الطرق الرئيسة، و62% من الطرق الفرعية، ما قطع الروابط الجغرافية، وأعاق حركة البضائع والمساعدات، هذا التفكيك المادي حوّل البنية التحتية للنقل إلى أداة حصار داخلي، تعزل المناطق وتمنع التدفق التجاري والإنساني. بهذا، لم يعد الدمار حالةً مؤقتةً، بل عملية محو مادي لشروط إعادة التكوين الاجتماعي والاقتصادي.

عجز السوق وانعدام السيولة

أدى توقف الإمدادات إلى تفكيك السوق المحلية وتحويلها إلى بيئة ندرة قسرية، فقد تراجعت الواردات إلى أقلّ بكثير من مستواها الطبيعي، واختفى المخزون التجاري، وارتفع المستوى العام للأسعار بأكثر من 227%، وتراجع القوّة الشرائية بنحو 70%، وفق المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية لعام 2024، التي أعلن عنها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. لذا لم تعد الأسواق قادرة على العمل وفق آلية العرض والطلب، بل خضعت لقانون الندرة والفوضى، وتحولت المعاملات إلى صراع من أجل الحصول على الحدّ الأدنى من السلع.

ترافق ذلك مع شلل مالي شامل نتيجة استهداف البنوك وتعطّل التحويلات، فقد توقفت أنظمة الدفع والسحب النقدي، وأصبحت السيولة موردًا نادرًا يخضع للوساطة غير الرسمية بأسعار مرتفعة. أدى ذلك إلى ظهور سوق نقد سوداء، وارتفاع قيمة الكاش على حساب قيمته الاسمية، وتآكل النظام المصرفي الرسمي. وهكذا تحول قطاع غزّة إلى اقتصاد بلا نقود فعالة وبلا أدوات مالية، في ما تتآكل مدخرات الأسر تدريجيًا، ما جعل الخنق الاقتصادي يتحول إلى آلية حرب دائمة.

من الحصار إلى الإبادة الاقتصادية

تُظهر هذه الوقائع أن ما يجري في قطاع غزّة لا يمكن اختزاله في أزمة اقتصادية، أو نتائج حرب عابرة، بل هو مشروع تدمير ممنهج لمصادر الإنتاج والمعيشة معًا. فالمقصود ليس إخضاع السوق فحسب، بل نزع القدرة على إعادة التكوين الاجتماعي والاقتصادي للسكان. بهذا المعنى، تشكّل الإبادة الاقتصادية في قطاع غزّة نمطًا من الحرب يدمّر شروط البقاء قبل الإنسان نفسه، عبر أدوات مالية وخدمية وإنتاجية تؤدي الغرض ذاته الذي تؤديه القذائف في الميدان.

المساهمون