إسرائيل "الحنونة"

09 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 11:03 (توقيت القدس)
(ياسر الدويك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- منذ وعد بلفور، أصبح العنف وسيلة للطغاة، حيث استبدلوا الحوار بالقسوة، مما أدى إلى تدهور اللغة الإنسانية. في غزة، يظهر العنف من خلال الحصار والتجويع، حيث تحولت الأجساد إلى كومات عظام.

- في الحرب الحالية، فقدت اللغة قدرتها على التعبير، وتحولت الأرقام إلى صرخات تعبر عن معاناة نصف مليون إنسان في غزة، حيث يمثل كل ضلع بارز شهادة على الفضيحة الإنسانية.

- فلسطين كانت دائماً رمزاً للمعاناة المشتركة بين السوريين والفلسطينيين، لكن اليوم يجد السوريون أنفسهم عاجزين عن تقديم العون أو الحديث عن سلام قادم.

ليست حكاية غزّة، اليوم، جديدة في مخيال عالمنا الشرس. منذ افتتاحيات التاريخ الكبرى وتموضع وعد بلفور على خرائط المستعمرين، حضر العنف لغة عالمية ناسبت الطغاة، إذ لم تحتج منهم سوى مران على الاستحقاق المتوارث من آلهة لأنصافها. هكذا تكلموا حين نقصتهم الحجة وهجرهم المنطق فاستبدلوهما بالعنف، أغلق الطغاة باب الكلام ليفتحوا أبواب السجون. عند هذه العتبة، أصيبت اللغة الآدمية بالخصاء، وعجزت عن حمل المعنى، استدعيت القسوة لتصير لغة تُكتب قواعدها على الأجساد وتُحفر أفعالها في الذاكرة، لا بالصور والأحاسيس، لا بالضحك والنجوى، بل برائحة أجساد نُخست بالحديد المحمى.
في غزّة، ها هي اللغة تعجز مرّة أخرى. قرّر رجل مثلنا ألا يسلم عقله للبلاغة، وألا يغمغم بكلمة أتقنها عبر سنوات. حضر التجويع كما لو أنه المفردة الأكثر بلاغةً في تلك اللغة. أغلق الحصار المعابر، مات البحر بلا صياديه، قُصفت الحقول لتترك التربة منسية. هكذا بقرار بشري قصدي، لم تشاغب عليه العتمة ولا أتعبه الضمير. جلس "رجل" بملابس عصرية وقلم، وضع قراراً بسهولة الماء، ليحوّل الآن، في عامنا هذا الأقرب إلى الإنسانية بـ2025 عاماً، الأجساد التي حبسها إلى كومات عظام من خيبة وقنوط وعيون يسكنها الفراغ.
حكى الجميع في الحرب الراهنة لغة لا قواعد لها ولا أصول. أقدم الطغاة فيها على تفعيل الخرس عند الرعب والسكون في وقت المذابح. الأرقام نفسها لم تعد تفهم الحكي، صارت صرخات: نصف مليون إنسان يعيشون المجاعة، أكثر من خمسة آلاف طفل دخلوا مراكز التغذية في شهر واحد، والأشهر قادمة. آلاف في حالة حداد وجوع أيضاً، وآلاف آخرون ينتظرون نصيبهم من اللاشيء. في غزّة كل ضلع بارز شهادة، كل بطن منتفخ سطر في فضيحة.
ها نحن من جديد نسأل: كم من السنين ونحن نبكي القدس وبيت لحم والضفة الغربية وغزّة. لطالما علّق السوريون أحزانهم على حبال الوجع في فلسطين. لسنوات، كلما أرادوا شتم رئيسهم أو البكاء على ذواتهم أو الدعاء على الظلّام ومن اضطهدهم، خرجوا في مظاهرات لأجل فلسطين، صرخوا حتى تبح حناجرهم، بكوا دموع العين المالحة كمن يبكي على حاله متماهياً مع القتلى قهراً والموتى جوعاً. حملت فلسطين وجهنا الفقير الحزين المضطهد، وها نحن اليوم نرى هذا الوجه يُترك كلقيط على باب العدالة الدولية، بينما يدير مليارات البشر وجوههم بعيداً عن جريمة هذا العصر التي يحضرون فصولها المخزية أولاً بأول.
السوريون الذين هتفوا باسم فلسطين عقوداً ضاعوا اليوم في متاهات جراحهم الداخلية. كانت فلسطين الوجه الذي عكس وجوهنا في مرآة الطغاة. كل حاكم رفع اسمها ليخفي به صورته الحقيقية. استُخدمت فلسطين حتى اهترأت قماشة حكاياتها في البال. عُلقت خريطتها كمشنوق على حوائط المدارس، وزُيّنت بها الخطب الحماسية، فيما كممت الأفواه باسم عذاباتها، وقمعت الحريات. صارت فلسطين وسيلة لشرعنة الطغيان السوري ماضياً وحاضرأ: كل معارض متهم بالتآمر على المقاومة، وكل احتجاج يُخنق بحجة وحدة الصف ضد العدو.
بالرغم من كل هذا الرياء الحكومي، ظلت فلسطين في قلب القلب. لكن، ما الذي يستطيع السوري اليوم أن يقول لأخيه الفلسطيني؟ أيحدثه عن اتفاقية سلام قادمة، أم عن علمٍ لدولة احتلال استجار به سوريون من سوريين؟ أيخبره عن الخيبة، أم يذكر خجلاً أن إسرائيل أظهرت وجهاً يجير الملهوف ويغيث المستجير؟ أيحدثه عن إسرائيل "الحنونة" كما لو أنها لم تذبح الفلسطينيين منذ عقود؟ أيحدثه عن العبث، عن هذا التاريخ الذي يكرّر نفسه حتى صار مرآة لا تعكس سوى الملهاة؟