استمع إلى الملخص
- تُعتبر "أونروا" هدفًا للسياسات الصهيونية المدعومة أمريكيًا، حيث تتعرض لتشريعات تسعى إلى حظر عملها وإعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني، بهدف تقليص أعداد المستفيدين ونقل مهامها إلى جهات دولية أخرى.
- تعاني الوكالة من تقويض داخلي لبنيتها، حيث تتخذ الإدارة قرارات تضعف الأمن الوظيفي وتؤدي إلى فصل الموظفين، مما يهدد بقاءها كمؤسسة تدافع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين.
تواجه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"؛ بوصفها التجسيد الأوضح لمعنى اللجوء والشتات الفلسطيني، أخطر منعطف وجودي منذ تأسيسها، عقب نكبة عام 1948، ولم يعد التهديد الذي يحدق بها محصورًا في أزمات تمويلية عابرة، أو ضغوط سياسية ظرفية، بل ارتقى إلى مستوى حرب تصفية شاملة وممنهجة، تتقاطع فيها أجندات إقليمية ودولية مع قرارات إدارية عشوائية تفتقر إلى الشفافية والحس الأخلاقي، ففي الوقت الذي تقود فيه دولة الاحتلال والولايات المتّحدة حملةً منظّمةً لاجتثاث دورها السياسي والقانوني، تأتي بعض قرارات إدارة الوكالة العليا لتُعمِّق الأزمة بدل أن تُحصِّنها، وتفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات مصيرية حول استقلالية القرار الإداري، وحدود الخضوع لإملاءات المانحين، على حساب حقوق اللاجئ وكرامة الموظف.
تمثّل "أونروا"، في الوعي الفلسطيني والضمير الدولي، الشاهد الأممي الحي على جريمة الطرد الجماعي، والاقتلاع القسري، والتطهير الديموغرافي الذي تعرض له الشعب الفلسطيني عام 1948، ولهذا السبب تحديدًا، تحولت الوكالة إلى هدف دائم للسياسات الصهيونية المدعومة أميركيًا، في مسعى متواصل لنزع الشرعية عنها، لا لأنّها مؤسسة إغاثية فحسب، بل لأنّها تُجسِّد، بوثائقها وسجلاتها وخدماتها، الدليل القانوني المستمر على وجود قضية لاجئين لم تُحل، وعلى حقّ عودة لم يسقط بالتقادم.
لم يقتصر الاستهداف على القصف المباشر لمقار الوكالة في قطاع غزّة، أو على قتل المئات من موظفيها خلال الحرب، بل انتقل إلى مستوى أكثر خطورةً يتمثّل في «الاغتيال القانوني والمؤسسي»، عبر تشريعات عنصرية أقرّها الكنيست الصهيوني (البرلمان) تحظر عمل "أونروا" وتُصنّفها كيانًا معاديًا، ويأتي ذلك منسجمًا تمامًا مع رؤية أميركية قديمة متجددة، تسعى إلى «تجفيف المنبع» عبر إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني، وتقليص أعداد المستفيدين، تمهيدًا لنقل مهام الوكالة إلى جهات دولية أخرى مجردةً من البُعد السياسي والالتزام القانوني الذي تمثّله "أونروا"، والهدف النهائي من هذا الحصار الخارجي واضح: إنهاء الولاية الأممية، وتحويل قضية اللاجئين من قضية سياسية وحقوقية بامتياز إلى ملف إنساني إغاثي منزوع الجوهر، يسهل احتواؤه والتحكم به وتوظيفه مرحليًا.
إن سياسة "الانحناء للعاصفة"، التّي تنتهجها الإدارة الحالية، عبر التضحية بالموظفين، تمثل رهانًا خاسرًا، فالتنازلات لن تُرضي اليمين الصهيوني المتطرف في دولة الاحتلال، ولا اللوبيات الضاغطة في واشنطن
غير أن الأخطر من الحصار الخارجي، هو ما بات يتكشف من تقويض داخلي لبنية الوكالة ذاتها، ففي اللحظة التّي كان يُنتظر فيها من قيادة "أونروا" أن تشكل خط الدفاع الأول عن موظفيها، الذين دفعوا أثمانًا باهظةً من دمائهم وممتلكاتهم وأمنهم الشخصي، جاءت قرارات المفوض العام، فيليب لازاريني، لتُصدم بها القاعدة الشعبية الفلسطينية، بعد أن أقدمت الإدارة على إنهاء عقود 622 موظفًا وموظفةً اضطروا إلى مغادرة قطاع غزّة قسرًا تحت نيران الحرب، في سابقة خطيرة تمثّل انتهاكًا صارخًا لأبسط معايير العمل الإنساني.
هؤلاء الموظفون لم يختاروا النزوح، بل فُرض عليهم خيارًا وحيدًا للنجاة من الموت، ومع ذلك، وجدوا أنفسهم ضحايا "موت مهني" بقرار إداري بارد، يتجاهل واقع التهجير القسري والحرب الشاملة. وبدل أن تبحث الوكالة عن حلول خلاقة، مثل تشغيلهم عن بُعد، أو إعادة توزيعهم على أقاليم أخرى للاستفادة من خبراتهم المتراكمة، فضّلت الإدارة الطريق الأسهل: قطع الأرزاق، وكأن النجاة من القصف قد تحوّلت إلى جريمة تستوجب العقاب.
لم تتوقف هذه السياسة عند حدود قطاع غزّة المدمَّر، بل امتدت إلى أقاليم أخرى، في مؤشر واضح على توجه استراتيجي نحو تفكيك تدريجي شامل، ففي لبنان، يواجه نحو 100 موظف خطر الفصل، في وقت يعيش فيه اللاجئون الفلسطينيون أصلًا تحت وطأة انهيار اقتصادي واجتماعي خانق، أما في الأردن، فقد بلغت المفارقة الإدارية ذروتها، حين أوقفت الأونروا 20 موظفًا من طواقم الحراسات، لتستبدلهم بشركة أمن خاصّة، بتكلفة مالية تفوق رواتب الموظفين الذين استغنت عنهم. يكشف القرار بجلاء عوارًا منطقيًا وإداريًا: كيف يمكن تبرير العجز المالي، وتُنفق أموالًا أكبر على الخصخصة بدل حماية الكادر الوظيفي؟ إن هذا التوجه لا يمكن فصله عن مسعى أوسع لخصخصة أجزاء من عمل الوكالة، والتخلص من الموظفين الدائمين، الذين يتمتعون بحقوق قانونية ونقابية، واستبدالهم بعمالة مؤقتة هشّة، بلا ضمانات، وهو ما يتماهى تمامًا مع الرؤية الصهيونية الأميركية الرامية إلى تفكيك الهيكل المؤسسي لـ"أونروا".
إن سياسة "الانحناء للعاصفة"، التّي تنتهجها الإدارة الحالية، عبر التضحية بالموظفين، تمثل رهانًا خاسرًا، فالتنازلات لن تُرضي اليمين الصهيوني المتطرف في دولة الاحتلال، ولا اللوبيات الضاغطة في واشنطن، بل ستؤدي عمليًا إلى إضعاف جبهة الوكالة الداخلية، وتقويض حاضنتها الشعبية، وزعزعة الأمن الوظيفي، ودفع الكفاءات العلمية والمهنية إلى الهجرة، ما يُفرغ "أونروا" من رأس مالها البشري، ويمنح المانحين ذريعةً إضافيةً للمطالبة بمزيد من التقليصات.
الأخطر من ذلك كلّه هو الانهيار الأخلاقي الذي يلوح في الأفق: إذ تفقد منظّمةً أمميةً مصداقيتها على اعتبارها مدافعًا عن حقوق الإنسان عندما تمارس الفصل التعسفي بحقّ موظفيها في ذروة حرب إبادة وتهجير.
إن المعركة من أجل بقاء "أونروا" ليست معركة تمويل فحسب، بل هي معركة إرادة سياسيةٍ وأخلاقيةٍ. فلا يمكن الدفاع عن استمرار الوكالة أمام المجتمع الدولي، وهي تُنتهك حقوق موظفيها من داخل مكاتبها العليا، فـ"أونروا" ليست مجرد مؤسسة توظيف، بل هي عقد اجتماعي وسياسي بين اللاجئ الفلسطيني والمجتمع الدولي، وأي مساس بهذا العقد من الداخل لا يُعد مجرد خلل إداري، بل طعنةً مباشرةً في خاصرة القضية الوطنية، وتسهيلًا لمهمة الاحتلال في شطب التاريخ والجغرافيا والذاكرة الفلسطينية.