- حافظ عرابي على هويته البصرية المشرقية رغم تأثيرات الفن الغربي، حيث استخدم الألوان بشكل مبدع للتعبير عن قلق الشخوص وخروجهم من سجون المنافي، مقدماً لوحات مليئة بالإشارات المخفية.
- خاض عرابي معركة مع العقل النقلي، مستخدماً الفن لتحرير الطاقات المكبوتة، معبراً عن رحلة نزوح الناس من جحيم التراجيديا السورية.
كان الفنَّان والناقد التشكيلي أسعد عرابي (1941- 2025) يُؤسِّسُ إنْ في الرسم أو في النقد لنظرية نقدية راديكالية، تُمزِّق تلك الصور الهشَّة لفن عربي ما يزال في قُمقُمه.
ينقل صُوراً لواقعنا الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، يُحرِّمُ ما حرَّمَه السَلَفُ، فلا يخترق حُجُبَ التخلف والجهل والسحر والشعوذة. فإنتاجُ الجمال لا يُبنى، ولا يكون من سياسات ذاتوية متذرية. بل من عقلٍ نقدي يؤمنُ بالعلم؛ فيُعيدُ رسمَ خرائطنا الفكرية ومواقفنا الجمالية من قباحة الحروب التي تفترسُ الإنسان.
لم يطرح أسعد عرابي في مشروعه الفني شعارات ثورية ولا ثورجية، فالعقل إمَّا أن تستخدمه لتصنعَ حُرَّيتكَ أو أن تحنِّطه وتضعُه في متاحف الثقافة العربية، ويتفرَّج عليه مَنْ يتفرَّج. وكأنَّ دوره قد انتهى في التفكير والبحث والكشف عن هوية شخصية وجماعية للإنسان العربي. فاللوحة التي رسمها أسعد عرابي، واقعيةً أو تعبيريةً أو تجريدية؛ تُصوِّرُ راهناً لعقلٍ مُشتَّت الفكر؛ ما يزال يحتمي بالقلاع التاريخية للجهل، وكأنَّ ما صنعه في الماضي من أوهامٍ بالنصر في فتوحاته العسكرية، وليس الفكرية، كافية ليعيش خالداً مُخلَّداً. وهذه لَمَستُها في معرضٍ له في مدينة حلب حيث قام بعملية احتجاج، إذ قَلَبَ أسفل لوحةً من لوحات المعرض إلى أعلاها لُيُحْدثَ صدمةً عند المتفرِّج؛ عسى أن يصحو من سكرة الجهل والتخلف والخوف والرعب، كما لو إنَّه يُوَجِّهُ صفعةً لساسة الدولة التي كان يحكمها الأسد الابنُ ومن قبله الأب، وهم يُسلِّعون الجمال لخدمة سياساتهم القمعية في تدجين الإنسان السوري. إذ حوَّلوا سورية إلى "سوبر ماركت" يروِّجُ ويُنتجُ الفسادَ والإرهابَ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
حافظ أسعد عرابي على هويته البصرية المشرقية أمام طوفان مدارس الفن الغربية وتأثيراتها
الناقد أسعد عرابي في معارضه الفردية ال 70، وفي كتاباته وأبحاثه مثل "وجوه الحداثة في اللوحة العربية" و"صدمة الحداثة في اللوحة العربية" و"شهادة اللوحة في نصف قرن" و"معنى الحداثة في اللوحة العربية" "تحوّلات النص البصري: المرئي واللامرئي في النصوص البصرية" (مجموعة أبحاث) بالاشتراك. تراه لا يفقدُ الثقةَ بالعقل، فأعماله؛ كان مُتفرِّداً بين أقرانه من الفنانين السوريين والعرب؛ في تشكيل الهوية الجمالية العربية. فقد كان مُبدعاً، وليس حِرَفياً في رسم صور لوحاته. لقد طوَّر كثيراً من لغته باستخدام ألوانه في رسوماته التعبيرية والتجريدية؛ ذلك في مسيرته ومُقترحه الجمالي/ الفلسفي "مرويات دمشقية" و"رفع الحدود بين التشخيص والتجريد" و "نوستالجيا" وغيرها، وكأنَّ النيران تنبثق من ألوان لوحاته، من مبانيها وشوارعها، والشخوصُ فيها، أوْ إنَّهم قلقون، أو إنَّهم خارجون من سجون المنافي والتغييب القسري، فنرى السطح عنده يرتعدُ من خوفه من العُمق.
حافظ أسعد عرابي على هويته البصرية المشرقية أمام طوفان مدارس الفن الغربية وتأثيراتها، إذ بعد أن تخرَّج من كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق 1975، تابع تعليمه العالي في باريس، وحصل فيها على شهادة دبلوم في الرسم من المعهد العالي للفنون الجميلة، وعلى الدكتوراه في علم الجمال من جامعة السوربون. لقد بقي الشرق حاضراً في ذهنه، في صوره؛ في تشكيلاته، في تجلياته؛ رسمَ معرضاً باسم (تجليات) كان بحثاً لونياً عن معنى أكثر يقينية في ذاكرة الناس، وفي عودة إلى شعورهم الجمعي؛ رموز، وربَّما أساطير. مرئي ولا مرئي، لوحات تجليات مليئة بالإشارات لا بالألفاظ، تكشف عن معانٍ كانت مخفية لا يراها إلا المتبصِّر في الباطن الكوني، فينتقل أسعد عرابي من المنتهي إلى اللامنتهي، فنرى ألوانه في لوحاته وقد سكِرت، طبعاً سُكْراً مجازياً؛ فتوحِّد ما بين المحسوس والمجرَّد فنرى حركة أفكاره.
خاضَ في رسوماته وفي كتاباته النقدية معركةً متواصلةً مع العقل النقلي؛ معركة واجَهَ فيها التخلُّف وسياسة التجهيل حدَّ الصدام
الفنان أسعد عرابي من بين الفنَّانين السوريين، يُذكِّرنا بالفنَّان لؤي كيالي، الأكثر تألُماً ومساميرُ الموت تدقُّ في جسده، كأنَّه يرسمُ ساعة رؤيا. فالشخوص/ الشخصيات/ الأشخاص ضحايا؛ ضحايا كانت وما تزالُ تُعذِّبُها أصوات الفكر الإنساني؛ ضحايا مُتمرِّدة تحاول أن تهزمَ الألمَ والخوف. فالفنُّ؛ والرسمُ كما الكتابةُ عند أسعد عرابي كانت عذاباً واضطراباً ومعراجاً إلى قِمَمِ المعرفة؛ التي تتصل بفكرة الإنسان الحر، فلا يعيش هذا الانحطاط وفقدان الشعور بإنسانيته. أسعد عرابي وإنْ لم تظهر آراؤه السياسية في أعماله، لكنَّه وفي قراءة بصرية لها سنجد أنَّها تحملُ في ألوانها وخطوطها ثورة نفسية. فالفنُّ، والرسمُ هنا ذو رسالة شعورية تُحرِّرُ طاقاتنا المكبوتة، وتُطلقها في عالم الحياة. وهنا لا بدَّ من القول إنَّ حياته التي قضى معظمها في أوروبا، وما عَصَفَ فيها من تيارات الحداثة وما بعد الحداثة وأفكارها الجنونية لم تُغَرِّبْهُ؛ بل بقي شرقياً كانت روحه فيها وهي ترسمُ الصورَ؛ كانت ترسُمُها بغاية الجِدَّة والحيوية، فتَخترقُ الصُورَةُ اللاصُورَةَ، تذهَبُ إلى التجريد فيُسمِعُنا صوتَ موسيقى الألوان، فيختلطُ الحسِّي بالتجريدي، والصورة للفنَّان الشرقي هي موضوع تَاَمُّل واستبصار ضدَّ الجبرية والعادة التي انتقدها بشدَّة أبو العلاء المعري في (رسالة الغفران)، وهي أوَّل رسالةٍ من صورٍ رَسَمَتْها المخيلة الفلسفية العربية، وخارجَ السرد الإنشائي التقليدي، فأَحالنا المعري إلى نظرية تصويرية متحدية تلك اللوثة التي أصابت العقل العربي، فَيُخَرِّف وَيُهَرِّف، ويُحَرِّمُ التصوير.
خاض أسعد عرابي في رسوماته وفي كتاباته النقدية معركةً متواصلةً مع العقل النقلي؛ معركة واجَهَ فيها التخلُّف وسياسة التجهيل حدَّ الصدام معها وبروحٍ عدائية جموحة، وأنَّه الفنان الذي أدمت روحه ولم تفارقه صور الناس وهي في رحلة نزوح/ هروب من جحيم التراجيديا السورية 2011- 2024.