استمع إلى الملخص
- مخيم النصيرات يعاني من اختناق البنية التحتية بسبب زيادة السكان، مع شح السولار وتدمير شبكات المياه والصرف الصحي، مما يفاقم الأزمة الإنسانية ويزيد من المخاطر البيئية والصحية.
- يضطر النازحون لنصب خيامهم في الشوارع، مما يؤدي إلى انعدام الخصوصية والأمان، ويواجهون صعوبات في الحصول على المياه والطعام، مما يتطلب حلولًا شاملة للإغاثة واستعادة الخدمات الأساسية.
تتكدس آلاف العائلات الفلسطينية النازحة من محافظتي غزة والشمال في مخيمات المحافظة الوسطى، خصوصاً النصيرات والمغازي والزوايدة، وكلها ذات مساحات ضيقة، لكنها تشكّل الملاذ الوحيد للنازحين الذين افترشوا الأرض وباتوا في العراء لأيام نتيجة الزحام الكبير، وعدم وجود مساحات كافية تستوعب أعدادهم الهائلة. واصطدم النازحون بأزمات تلك المخيمات المتفاقمة، ما بات يشكل محطة إضافية في معاناتهم اليومية لإيجاد مكان يؤويهم، والحصول على المياه والطعام، عدا عن البحث عن العلاج في ظل تفشي الأمراض، مع انعدام الأمان في كل مكان.
ويعتبر مخيم النصيرات أكبر مخيمات اللاجئين في وسط قطاع غزة، إذ كان يقطنه أكثر من 85 ألف لاجئ فلسطيني قبل العدوان الإسرائيلي الحالي، وفق تقديرات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، ورغم أن بنيته التحتية ضعيفة، بات يستوعب نحو ثلاثة أضعاف سكانه السابقين. بينما مخيم المغازي الواقع شرقي شارع صلاح الدين، أصغر حجماً، لكنه مزدحم بشكل غير مسبوق، فيما تعتبر منطقة الزوايدة ريفية نسبياً، وكانت محاطة بالبساتين الزراعية في السابق، لكنها تحولت بعد الحرب إلى ساحة خيام كبيرة بفعل تدفق النازحين، رغم أن بنيتها الأساسية أضعف من المخيمات الأخرى.
ونتيجة لقلة المساحات، تضطر عشرات العائلات إلى نصب خيامها على قارعة الطريق، خصوصاً في شارع صلاح الدين شرقي القطاع، وعلى مدخل مخيم البريج الذي يبعد عدة كيلومترات عن حاجز نيتساريم العسكري الذي نصبه الاحتلال منذ بداية العدوان، في مشهد تذوب معه الكرامة الإنسانية، وينعدم الأمان والخصوصية.
ويفيد مدير مكتب رئيس بلدية النصيرات، محمد الصالحي، بأن مساحة المخيم لا تتجاوز 9.8 كيلومترات مربعة، لكنه يعيش اليوم أزمة إنسانية كارثية بعد أن ارتفع عدد سكانه إلى ما يقارب 300 ألف نسمة، نتيجة نزوح أكثر من 200 ألف شخص إليه من مناطق الشمال ومدينة غزة. ويوضح لـ "العربي الجديد"، أن "هذا التضخم المفاجئ في الأعداد فاقم الأعباء الملقاة على كاهل البلدية، والتي تقدم خدمات المياه والصرف الصحي، وجمع وترحيل النفايات، وإزالة الركام وتسوية الأراضي لاستقبال النازحين. تضاعف أعداد السكان خلال أسبوع واحد أدى إلى حالة من اختناق البنية التحتية التي لم تكن مجهزة لاستقبال هذه الأعداد الهائلة من النازحين".
ويشير الصالحي إلى أن "أزمة المياه تعد أحد أبرز التحديات، إذ تعاني البلدية من شح كميات السولار اللازمة لضخ المياه، ما اضطرها إلى تقنين الضخ إلى 9 ساعات أسبوعياً لكل منطقة في المخيم الذي جرى تقسيمه إلى ستة أحياء. الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية نتيجة القصف أدت إلى تدمير نحو 12,500 متر طولي من شبكة المياه، و9,500 متر طولي من شبكة الصرف الصحي، إلى جانب تدمير 7 آبار رئيسية، وخطي ضخ رئيسيين، من بينهما خط (ميكروت)، ما انعكس بشكل مباشر على قدرة البلدية على تزويد الأهالي والنازحين بالمياه".
ويتابع: "تدمير شبكات الصرف الصحي والمضخات تسبب في تدفق المياه العادمة إلى الشوارع المكتظة، وبالقرب من مراكز الإيواء، ما ينذر بمخاطر بيئية وصحية. تلجأ البلدية إلى وسائل بدائية لمعالجة هذه الأزمات في ظل غياب المعدات والإمكانيات، كما يقوم النازحون بإنشاء حفر امتصاصية عشوائية تزيد من احتمالات انتشار الأوبئة. في ما يتعلق بجمع وترحيل النفايات، أجبرنا شح السولار على الاعتماد على جهود العمال في الجمع الأولي، ونقل النفايات إلى مكبات عشوائية مؤقتة، حيث تجاوزت كميات النفايات المتراكمة 130 ألف طن، ما يشكل خطراً بيئياً وصحياً إضافياً، وعلى صعيد تسوية الأراضي وإزالة الركام، تستأجر البلدية بعض الآليات الثقيلة يومياً لتجهيز مساحات لإيواء النازحين، لكن القدرة الاستيعابية بلغت حدها الأقصى، ما دفع آلاف النازحين إلى البقاء في الشوارع والأزقة من دون مأوى مناسب".
من جانبه، اضطر الفلسطيني محمد الجيش (31 سنة) إلى نصب خيمة في منطقة "شارع 20" بمخيم النصيرات، بعد أن ضاقت به السُّبل عقب رحلة نزوح قاسية كانت آخر محطة فيها هي مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، قبل التوجه إلى النصيرات هرباً من كثافة القصف، وبحثاً عن ملاذ آمن له ولعائلته. يقول الجيش لـ "العربي الجديد": "أعيش في خيمة واحدة مع أسرتي المكونة من 17 فرداً، هم أطفالي ووالدايَ وشقيقي المتزوج في ظروف قاسية. كنا نظن أن الظروف في وسط القطاع أفضل، لكننا اصطدمنا بواقع مرير يشمل قلّة المياه والطعام، إضافة إلى عدم توفر الأمان أيضاً، فقد ارتكب الاحتلال قبل أيام مجزرة في وسط سوق النصيرات راح ضحيتها أكثر من 15 شهيداً وخلفت عشرات الإصابات".
ويضيف: "أقل ما يُمكن قوله إننا نعيش مأساة، إذ لا يتوفر مكان كافٍ لإيوائنا، ولا وجود لبنية تحتية وخدماتية كافية. أضطر إلى قطع مسافات طويلة من أجل الحصول على غالون مياه شرب وآخر للاستخدام اليومي، وفي غالبية الأوقات لا أجد، فأضطر إلى شراء الغالون الواحد بأربعة شواكل".
لم يجد الفلسطيني أكرم عياد (32 سنة) سبيلاً سوى استئجار قطعة أرض صغيرة في مخيم المغازي، ونصب خيمة عليها، ظناً منه أنها ستكون ملاذاً آمناً لعائلته، ويقول لـ "العربي الجديد": "وصلت قبل عدة أيام بعد سلسلة نزوح داخل مدينة غزة، لكني تفاجأت بضيق المساحات المتوفرة في المحافظة الوسطى، فاضطررت إلى استئجار أرض صغيرة يبلغ سعر المتر فيها 6 شواكل. المنطقة لا تصلها مياه البلدية سوى يوم واحد في الأسبوع، وبكميات قليلة، ونضطر إلى شراء غالونات مياه الشرب، عدا عن الازدحام الشديد من السكان والنازحين، والذي يشكل بيئة ناقلة للأمراض، خصوصاً بين الأطفال".
في المقابل اضطر الفلسطيني أبو أحمد عايش (57 سنة) إلى نصب خيمة على قارعة الطريق في شارع صلاح الدين إلى الجنوب من مخيم البريج، بعدما لم يجد مكاناً يؤوي فيه عائلته المكونة من 5 أفراد، خصوصاً أن لديه فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة. ويروي لـ "العربي الجديد": "عشنا سلسلة نزوح في مدينة غزة، كان آخرها في حي الشيخ رضوان، وبعد أن اشتد القصف اضطررنا إلى النزوح إلى المحافظة الوسطى، حيث تفاجأنا بحجم الاكتظاظ الكبير. أمضيت يومين في الشارع، ولم أجد أي مكان يؤوي عائلتي، ما دفعني إلى نصب خيمتي على قارعة الطريق".
ويواصل: "الحياة هنا مأساوية، إذ لا تتوفر أدنى مقومات الحياة، ونقطع مسافات طويلة للحصول على مياه الشرب، أو مياه الاستخدام اليومي، ولا توجد مرافق صحية، مع انعدام الخصوصية، ونحصل على الطعام أحياناً من التكيّات الخيرية، إضافة إلى عدم شعورنا بالأمان كوننا نسكن في منطقة لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن حاجز نيتساريم الذي تتمركز فيه قوات الاحتلال، وتطلق منه النيران بين الفينة والأخرى. رغم ذلك لا نستطيع العودة إلى مدينة غزة، والتي تعيش أوضاعاً خطيرة للغاية".
بدوره، يقول الفلسطيني محمد جبر (46 سنة)، والذي نزح إلى منطقة الزوايدة، إن المكان الذي نصب فيه خيمته مكتظ بالنازحين، ولا يتوفر فيه أية خدمات صحية، ولا مياه للشرب أو الاستخدام، وهذا يزيد الصعوبات. ويضيف لـ "العربي الجديد": "كنا نتوقع أن تكون الحياة أفضل هنا، خصوصاً أننا عشنا أياماً قاسية تخللها نزوح متكرر في مدينة غزة، كان آخره إلى مخيم الشاطئ غربي المدينة، لكننا اصطدمنا بمأساة أكبر، ومعاناة صعبة، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار الكثير من المستلزمات، مثل الأخشاب، والأغطية وغيرها من مستلزمات النزوح".
ولا يمكن التعامل مع الازدحام في مخيمَي النصيرات والمغازي باعتباره مجرد إحصاء للخيام أو أعداد النازحين، إذ إنه يشمل تراكماً لمعانٍ إنسانية، وجوع، وأمراض، وخوف، وكرامة مهدورة، ولا تقتصر الحلول على توزيع الخبز، أو توفير الخيام، بل تتطلب ضمان الوصول الدائم إلى سبل الإغاثة، واستعادة خدمات المياه والصرف الصحي، والخدمات الصحية، مع حلول بديلة وآمنة للعائلات التي أنهكتها الحرب.