نازحو مخيمات السودان... عائلات مشتّتة وظروف مزرية وسط شحّ التمويل
- تستمر المعارك في جنوب ووسط وغرب السودان، مما يؤدي إلى موجات نزوح جديدة، خاصة في كردفان ودارفور، حيث زادت سيطرة قوات الدعم السريع من تعقيد الوضع وانعدام الاستقرار.
- تعاني المخيمات من نقص حاد في المساعدات الإنسانية بسبب التحديات الأمنية وارتفاع تكاليف النقل، مع انتشار الأمراض وانقطاع الاتصالات، مما يدفع البعض للجوء إلى نظام المقايضة.
يشهد السودان، بحسب تصريحات أممية، أكبر أزمة نزوح في العالم، وواحدة من أسوأ حالات الطوارئ في ظلّ أزمة تمويل حادّة، بينما تتواصل الظروف المأساوية التي يعانيها ملايين النازحين جراء الجوع وشحّ المياه والمساعدات وانعدام فرص العمل وانتشار الأمراض.
مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، لا تزال المعارك مستعرة في أجزاء من جنوب البلاد ووسطها وغربها، ما يتسبّب في موجاتٍ جديدة من النزوح والتشرّد تُرهق كاهل ملايين السكان الذين يواصلون الفرار من منطقةٍ إلى أخرى، بحثاً عن الأمان، خصوصاً بعدما طالت معاناتهم، من دون أي بوادر ملموسة لنهاية الحرب.
فقد أجبرت حرب السودان المندلعة منذ 15 إبريل/ نيسان 2023 نحو 14 مليون شخص على الفرار، منهم 9 ملايين نازح داخل السودان و4.4 ملايين شخص عبروا الحدود إلى دول مجاورة، وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة في 10 إبريل الماضي. وقد أشارت حينها ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في السودان، ماري- هيلين فيرني إلى أنّ السودان يشهد أكبر أزمة نزوح في العالم، وواحدة من أسوأ حالات الطوارئ المتعلقة بالحماية في ظلّ أزمة تمويل عالمية حادّة.
حلقة مفرغة ومرهقة
ورغم إعلان المنظمة الدولية للهجرة، في 23 يوليو/ تموز الجاري، ارتفاع عدد النازحين واللاجئين العائدين إلى مناطقهم في السودان إلى 4.6 ملايين، مع استمرار تراجع أعداد النازحين داخلياً، إلا أنّ النزوح ما زال بالنسبة لكثيرين حلقة مفرغة ومرهقة، وسط اشتباكاتٍ متواصلة وعمليات تحشيد عسكري، ولا سيّما في إقليمَي كردفان وسط البلاد، ودارفور غربها. وبعد سيطرة قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، شهد الإقليم موجة جديدة من النزوح، إذ فرّ بعض السودانيين نحو ولايات الجنوب والشرق والشمال، واتجه آخرون غرباً حتى دولة تشاد المجاورة، وشمالاً نحو ليبيا ومصر. ويعاني هؤلاء النازحون من ظروفٍ معيشية مزرية في المخيمات، ومن عدم الاستقرار وانعدام الأمن ونقص المساعدات الإغاثية.
كان التوم، وهو نازح سوداني فضّل عدم الكشف عن هويته الكاملة، يقيم في مخيم زمزم جنوبي مدينة الفاشر، قبل أن ينتقل إلى أحد المخيمات في مدينة طويلة بولاية شمال دارفور، الخاضعة لسيطرة حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور. يعمل التوم مع شبكة محلية معنية بالمجال الإنساني، ويقول لـ"العربي الجديد": "هناك نزوح متقطع من مناطق في شرق الفاشر، فيما يعاني الناس في مدينة طويلة من شبه حصار، إذ إنّ مخاطر التنقل تعيق كثيرين من الخروج نحو مناطق أخرى في شمال السودان وشرقه من أجل العمل في مناطق التعدين التقليدي للذهب والأشغال الأخرى".
ويتحدث التوم عن عائلاتٍ مشتّتة وأخرى من دون أيّ سند حقيقي، فيما تواجه المنظمات الدولية والجمعيات المحلية صعوبة في إيصال المساعدات والمواد الغذائية إلى مدينة طويلة، بسبب توقف حركة البضائع من مناطق سيطرة الجيش السوداني، والتكلفة المرتفعة لترحيل البضائع، وظروف الطرق والمعوّقات الأمنية، ما يؤخّر أو يمنع وصول المساعدات في الوقت المناسب، مشيراً إلى أنّ آلاف النازحين لم يتلقّوا حصصهم الغذائية الشهرية. وينبّه التوم إلى أنّ جزءاً من النازحين الجُدد عند بوابة المدخل إلى طويلة، يعانون ظروفاً قاسية، خصوصاً في ظلّ موسم الأمطار، كما أنّ جزءاً منهم جاء من مخيمات النازحين في تشاد، ولا سيّما النساء، بسبب وجود أسرهنّ وأزواجهنّ في طويلة. ويلفت إلى أنّ النزوح من مدينة الفاشر توقف منذ نحو شهر، بينما تُسجّل عودة طوعية من طويلة إلى بعض المناطق القربية في الاتجاهين الجنوبي والشرقي.
غياب المنظمات الإنسانية
من جانبه، يقول النازح في مخيم دبة نايرة بمدينة طويلة، حسن أحمد، لـ"العربي الجديد" إنّهم يعانون من شحّ مياه الشرب، وينتظرون قدوم شاحنات المياه التابعة للمنظمات المحلية لملء البراميل. ويكشف أنّهم يضطرّون إلى ترشيد استخدام المياه كي تكفيهم أطول فترة ممكنة، متحدثاً عن عددٍ قليل من المنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة، حتى إنّها بدأت في تقليص أعمالها، وبالكاد تكفي المساعدات لأسبوعٍ واحد لكلّ أسرة. ويضيف حسن: "نحاول مغادرة المخيم للعمل في أيّ مكان آخر، لكن الطرق غير آمنة. للأسف، نعيش في سجن كبير".
وبعد سيطرة قوات الدعم السريع على الولايات الخمس في إقليم دارفور وعلى معظم مخيماتها، صار النازحون يتخوفون من الاعتداء عليهم في حال خرجوا لأغراض الزراعة أو جمع الحطب والبحث عن مصدر رزق. ومن بين المخيمات الكبيرة التي تقع بمناطق سيطرة قوات الدعم السريع، مخيم كلمة؛ وهو أحد أكبر مخيمات النازحين في السودان وأقدمها، ويقع في ولاية جنوب دارفور على بُعد نحو 17 كيلومتراً من مدينة نيالا عاصمة الولاية، والتي تتّخذها قوات الدعم السريع مقرّاً لحكومتها الموازية. وقد تأسّس المخيم في عام 2004 بسبب حرب دارفور التي كانت تدور بين نظام الرئيس المخلوع عمر البشير والحركات المسلحة التي كوّنها أبناء الإقليم.
جوع وأمراض وانعدام فرص العمل
تقيم النازحة حليمة اسماعيل في مخيم كلمة منذ أعوامٍ، وتقول لـ"العربي الجديد" إنّهم يقاسون الجوع فيما يعاني أطفالهم من سوء التغذية وانعدام الحليب، وسط انتشار أمراض الحصبة والكوليرا وحمى الضنك، مؤكّدةً أنّهم يحتاجون إلى المساعدات العاجلة. وتشير النازحة عزيزة حامد إلى انعدام فرص العمل في المخيم، بعدما كانوا في السابق يخرجون لإحضار الحطب والقش وصناعة الفحم وبيعه، وبالتالي توفير الطعام، فضلاً عن أنّ المساعدات الإنسانية صارت شحيحة، بينما لا يملك النازحون القدرة على شراء المواد الغذائية.
ويقول مدير منظمة مناصرة ضحايا دارفور آدم موسى لـ"العربي الجديد" إنّ "الحرب خلّفت واقعاً معقّداً وأزمة كبيرة، علماً أنّ منطقة دارفور تعاني منذ عام 2003 تاريخ اندلاع الصراع بين الحكومة والحركات المسلحة آنذاك، ثم جاءت الحرب الحالية، ومنذ ذلك الوقت هناك أشخاص نزحوا مرات عدّة". ويوضح أنّ المنظمة تقدّم خدمات مختلفة، لكن الاحتياجات أكبر من الإمكانات، وهناك عدد كبير من الأطفال فاقدي السند، إذ يوجد في أحد المخيمات نحو 150 طفلاً فقدوا أسرهم نتيجة النزوح المتكرّر، و80% منهم من مدينة الفاشر والمخيمات التابعة لها بولاية شمال دارفور.
ويكشف موسى أنّ "150 ألف نازح في منطقة خزان جديد بولاية شرق دارفور بحاجة لمساعداتٍ عاجلة، وهم مجموعة من النساء والأطفال وكبار السن، ما خلّف واقعاً إنسانياً معقّداً وسط شحّ التمويل الدولي". ويتحدث عن أزمة متفاقمة في مخيم كلمة الذي يؤوي نحو أربعة ملايين نازح. ويتابع: "تدخلنا هناك ودعمنا المراكز الصحية بالأدوية والسلال الغذائية، إلا أنّ آخر إحصائية تكشف معاناة 140 طفلاً من سوء التغذية الحادّ، كما أن غالبية المؤسسات العاملة هناك خرجت عن الخدمة بسبب إشكالية التمويل. ويضيف موسى: "ذات مرة سجّلنا وجود مائة محتاج في منطقة معينة، وعند توزيع المساعدات وجدنا أنّ العدد ناهز 450 شخصاً. وبعد سؤال شيخ المنطقة عن السبب، أفادنا بأنّ نازحين من مناطق أخرى سمعوا بعملية توزيع المساعدات فكان أن قدموا لتلقّيها علّها تخفّف وطأة معاناتهم".
ويتحدث مدير منظمة مناصرة ضحايا دارفور عن انتشار حمى الضنك والحصبة في مناطق شمال دارفور، نتيجة غياب التطعيم في خلال سنوات الحرب. ويلفت إلى أنّ أطراف الصراع استخدموا القضايا الإنسانية وسيلةَ ضغطٍ سياسي، مثل استهداف العاملين وعدم السماح للمنظمات بعمليات التطعيم، إلى جانب عرقلة العمل الإنساني بتصاريح العبور، واستهداف الجسور التي تعبرها شاحنات المساعدات. الأمر الذي فاقم المعاناة وأدّى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وفق قوله، كما فقد مواطنون حياتهم جراء ذلك، خصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة.
ويوضح موسى أنّ بعض المواطنين صاروا يخشون الذهاب إلى الأسواق، بحيث لجأوا في بعض المناطق إلى نظام المقايضة، مثل مقايضة السمسم بالسكر وهكذا دواليك. ويؤكّد أنّ انقطاع شبكة الاتصالات العامة في دارفور وتوقف المصارف واختلاف العملة بين مناطق سيطرة طرفَي الحرب، ومنع حركة البضائع، وانعدام الأمن، وتصاعد حوادث النهب المسلّح، كلّها عوامل أدّت إلى مشاكل جمّة.
ويكشف موسى عن تلقيهم شكاوى وبلاغات بشأن أشخاص مفقودين، وقد وثقوا نحو أربعة آلاف حالة مفقود ومشرّد، وتمكنوا من ربط بعض الأسر ببعضها بعضاً، لكن إحدى المشاكل المعقدة تكمن بوجود جزءٍ من الأسرة في مناطق سيطرة الجيش السوداني، بينما الأطفال في مناطق قوات الدعم السريع، الأمر الذي يعرقل لمّ الشمل بسبب خطورة التنقل بين مناطق سيطرة الطرفين.