موتٌ يومي في غزة... رصاص الاحتلال العشوائي يطارد الجميع

09 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 00:51 (توقيت القدس)
شهيد برصاص الاحتلال في غزة، 6 إبريل 2026 (معز صالحي/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يعيش أهالي قطاع غزة في خوف دائم بسبب الرصاص العشوائي الذي يخترق الخيام المهترئة، مما يهدد حياتهم ويؤثر على صحتهم النفسية، رغم وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر الماضي.
- تتكرر حوادث إطلاق النار العشوائي يومياً، مما يؤدي إلى سقوط شهداء ومصابين، ويمنع جيش الاحتلال وصول طواقم الإسعاف، مما يزيد من خطورة الوضع ويخلق حالة من الرعب المستمر.
- يعاني السكان من آثار الرصاص العشوائي الذي يسبب حرائق وتدمير الممتلكات، ويطالبون بتوفير أماكن أكثر أماناً مثل الكرفانات، بينما يواصل الاحتلال خروقاته لوقف إطلاق النار.

لا يحتاج أهالي قطاع غزة إلى اندلاع تصعيد أو حرب جديدة كي يشعروا بالخطر، فالرصاص المتطاير فوق رؤوسهم الذي يخترق الخيام المهترئة كفيل بإبقاء الخوف حاضراً، ويُوقع قتلى ومصابين بشكل شبه يومي، رغم وقف إطلاق النار المبرم في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

يعيش آلاف الفلسطينيين في خيام مهترئة داخل مراكز الإيواء، أو ما تبقى من منازلهم في مناطق قريبة من تلك التي يسيطر عليها جيش الاحتلال الإسرائيلي، والذي تقسم قواته قطاع غزة إلى شطرين، شرقي تحت سيطرته الكاملة، وغربي من دون سيطرة مباشرة، لكن رصاص جنوده يطاول كل من يعيش فيه.
ومع كل إطلاق نار، يضطر من يسمعه إلى الانبطاح أرضاً، أو الهروب العشوائي، فيما تبقى الخيام عرضة للخطر، والأجساد مكشوفة أمام خطر الإصابة أو الموت، في واقع يومي خلق حالة خوف مزمنة انعكست على الصحة النفسية. وبحسب معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد خلّفت الخروق الإسرائيلية منذ إقرار وقف إطلاق النار 723 شهيداً، إضافة إلى 1,990 مصاباً، فيما سجلت أكثر من 50 حالة اعتقال من داخل الأحياء السكنية.
من منطقة التفاح شرقي مدينة غزة، يروي الفلسطيني حسين مقاط (41 سنة)، وهو رب أسرة مكونة من تسعة أفراد، تفاصيل استشهاد طفلته دانا (11 سنة) برصاصة أطلقت من خلف السواتر الرملية على الحدود الشرقية. ويقول لـ"العربي الجديد": "في 29 ديسمبر/ كانون الأول 2025، نصبت خيمة جديدة إلى جانب خيمتي المُقامة داخل مخيم الإيواء، من أجل زواج إحدى بناتي، لكن فرحتنا لم تدم طويلاً، وتحولت إلى بكاء وعويل عقب استشهاد دانا في اليوم التالي. عند العصر، سمعنا أصوات إطلاق نار من الرافعة المنصوبة على الحدود الشرقية، فاضطررنا للهرب، فيما بقيت دانا نائمة في الخيمة الجديدة، وبعد أن هدأت وتيرة إطلاق النار، عاد أفراد العائلة إلى الخيمة، فوجدناها غارقة في دمائها أُصيبت بشكل مباشر في الرأس".

يتكرر إطلاق النار العشوائي بوتيرة يومية في خرق لوقف إطلاق النار، ويمنع جيش الاحتلال السماح لطواقم الإسعاف بالوصول إلى المصابين

ويضيف: "نقلنا دانا إلى مجمع الشفاء الطبي، وهناك أخبرنا الطبيب بأن الإصابة أدت إلى استشهادها على الفور. الخطر لا يزال قائماً، إذ يواصل جيش الاحتلال إطلاق النار على مدار الساعة، ما يجعلنا نعيش حياة مليئة بالرعب، لكننا لا نملك مكاناً آخر أكثر أمناً".
من مخيم آخر بمنطقة الزرقاء شرقي مدينة غزة، يروي بدر الأسي (35 سنة) تفاصيل إصابته التي غيّرت حياته. يقول لـ"العربي الجديد": "كنت واقفاً أمام خيمتي أزيل الأوساخ من حولها، وحصل إطلاق نار من الحدود الشرقية، وإذ برصاصة تصيب قدمي. الرصاصة لا تزال مُستقرة بين الأوردة في قدمي اليُسرى، والأطباء عاجزون عن استخراجها، الأمر الذي يسبب لي مضاعفات كثيرة، إذ أشعر بوخزات كهربائية في منطقة الإصابة، وصار عندي ارتياب نفسي من صوت الرصاص، وبمجرد شعوري بأصوات إطلاق نار انبطح فوراً على الأرض".
ويضيف الأسي: "تعرضت للإصابة قبل شهر تقريباً، ووضعي حالياً كارثي، وإطلاق الرصاص يتكرر يومياً، وهناك إصابات وشهداء دائماً. هذا وضع نفسي متعب، ومعناه أن الحرب لم تتوقف، فالرصاص العشوائي أخطر من الحرب نفسها. ما يزيد الخطورة على المواطنين، وخصوصاً الذين يتعرضون للإصابة، هو تأخر وصول سيارات الإسعاف بسبب خطورة الوضع الأمني، الأمر الذي قد يؤدي إلى استشهاد بعض المصابين".

فلسطينيون بالقرب من الخط الأصفر في غزة، نوفمبر 2025 (بشار طالب/فرانس برس)
فلسطينيون بالقرب من الخط الأصفر في غزة، نوفمبر 2025 (بشار طالب/فرانس برس)

ورغم أن هذه المناطق تُصنّف مدنية، ولا تشكّل أي تهديد أمني، فإن إطلاق النار العشوائي يتواصل فيها بوتيرة يومية، في خرق مستمر لوقف إطلاق النار، ويمنع جيش الاحتلال في كثير من الأحيان السماح لطواقم الدفاع المدني أو طواقم الإسعاف بالوصول إلى المصابين، لتتحول الإصابة إلى حكم بالموت.
يعيش محمد الجدبة (31 سنة) في "مخيم العائدون" بمنطقة الزرقا شرقي مدينة غزة، مع أسرته المكونة من زوجته وطفله ووالدته وأخواته المتزوجات وأبناء إخوانه. ويقول إن المخيم لا يبعد سوى كيلومتر واحد عن الخط الأصفر، ما يجعله عرضة لإطلاق النار بشكل شبه يومي. ويصف الواقع اليومي بالقول: "أصوات الآليات عالية، والناس تتخوّف من تهديدها الدائم، كما أن الرصاص العشوائي مستمر يومياً، ونحصي ما لا يقل عن 40 رصاصة كل يوم، وبات الأهالي مضطرين إلى الانبطاح على الأرض فور سماع صوت الرصاص".
يضيف الجدبة: "الخوف هنا ليس شعوراً عابراً، بل تجربة فقدٍ متكررة. نحن معرضون في أي لحظة لتسجيل شهداء وإصابات، ونعيش حالة ذعر متواصلة، ولا نعرف إلى متى سيستمر هذا الحال، كما لا نعرف مكاناً آخر نذهب إليه. نحاول التمسّك بالأرض رغم الخطر، والمخيم يقع في أرضنا، لذا نتمسك به. يصعب أن نعيش في مخيمات عشوائية، فنحن نعمل مزارعين، ولن نترك أرضنا الزراعية مهما كلفنا البقاء من ثمن".

شهيد برصاص إسرائيلي في مدينة غزة، ديسمبر 2025 (خميس الريفي/الأناضول)
شهيد برصاص إسرائيلي في مدينة غزة، ديسمبر 2025 (خميس الريفي/الأناضول)

ولا تقتصر المعاناة على الرصاص العشوائي، بل تمتد إلى الحرائق التي يتسبب بها. يروي محمد لـ"العربي الجديد": "جهزت قبل ثلاثة أيام خيمة جديدة، وبعد صلاة العصر، صار إطلاق نار طائش، فانبطحنا أرضاً لعدة دقائق، وفجأة اشتعلت النار في الخيمة، وكادت تمتد إلى خيمة ثانية مجاورة. تمكّنا بفضل الله من إطفاء النار من دون حدوث إصابات لكن الخيمة تضررت نتيجة الحريق".
يعيش محمد مقاط (37 سنة) في خيمة نزوح مع أسرته المكونة من 6 أفراد، في مخيم حلاوة للنازحين، شرقي مخيم جباليا، شمالي القطاع، وحياتهم مليئة بالخوف بفعل إطلاق النار اليومي الذي يتعرضون له. ويقول: "لا تتوقف أصوات إطلاق النار على مدار الساعة، وخلال الأيام الماضية شكّل الرصاص العشوائي مصدر خوف وقلق". ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن "المخيم يبعد عن الخط الأصفر قرابة 500 متر، والأوضاع الميدانية في المنطقة مخيفة. تسبب إطلاق الرصاص بحرق خيمتي، كما استشهدت فتاة من عائلتي. إطلاق الرصاص يزداد في ساعات الليل، ولا نستطيع النوم في معظم الأيام".
بدورها، تقول النازحة حنان عيد (36 سنة)، إنها تعيش في خيمة قرب مخيم حلاوة، شرقي مخيم جباليا، مع أسرتها المكونة من ستة أفراد، وتؤكد أن الجميع يعانون من حالة خوف دائم، وتوتر مستمر. تضيف لـ"العربي الجديد": "قبل أيام اشتعل حريق في المخيم، ومنذ ذلك اليوم، لا ننام ليلاً من شدة الخوف، فالخيام لا تحمي من الرصاص الذي يمثل مصدر خطر كبير، خصوصاً أنه مستمر على مدار الساعة. نطالب بتوفير كرفانات، ودعم مادي، والأجدى توفير أماكن أكثر أمناً، فالحرب لم تنتهِ في منطقتنا".

ويؤكد الناطق باسم مديرية الدفاع المدني في قطاع غزة، محمود بصل، أن الاحتلال يواصل خروقه وقف إطلاق النار، خصوصاً في المناطق القريبة من الحدود الشرقية، وفي محيط ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، ما يؤدي إلى استشهاد وإصابة أعداد كبيرة من أهالي القطاع. ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن "جيش الاحتلال يستخدم القوة المفرطة ضد المواطنين، وخصوصاً النازحين، كما يواصل عمليات التوغل المفاجئة، ما يُسفر عن تسجيل إصابات. الكثير من المصابين يبقون لساعات طويلة على الأرض، نتيجة رفض الاحتلال تنسيق دخول الطواقم الطبية والدفاع المدني لنقلهم إلى المستشفى للعلاج، ما يؤدي إلى استشهاد بعضهم".
ويضيف بصل: "حتى الذين يجري قتلهم، يرفض الاحتلال وصول طواقمنا لانتشال جثامينهم، ما يجعل أجسادهم عُرضة للكلاب الضالة، كما يُطلق جيش الاحتلال النار على كل من يحاول الاقتراب من المصابين لإسعافهم. كل هذا استهداف مقصود ضمن سياسة ممنهجة. يدرك الاحتلال أن هؤلاء المدنيين لا يشكّلون أي خطر، لكنه يتعمد استهدافهم بشكل مباشر، كما ينفذ عمليات ممنهجة من النسف والقصف اليومي، ويعمل على توسيع الخط الأصفر".
ويحذر من أن "استمرار إطلاق الرصاص بشكل عشوائي له انعكاسات خطيرة على حياة الأهالي، وهناك حالة نزوح واضحة لا تتوقف من تلك المناطق، في محاولة من الناس لإيجاد مناطق أكثر أمناً، بينما التكدس داخل مدينة غزة يدفع سكان المناطق الشرقية للبقاء في أماكنهم رغم الخطر الشديد الذي يتعرضون له، ليبقى الرصاص العشوائي وجهاً آخر للحرب المستمرة على غزة، والتي لا تزال تحصد الأرواح، وتحوّل الخيام إلى قبور، وسط صمت دولي يزيد من ثقل المعاناة على المدنيين العزّل".