مقتلة الشتاء... ليست قصة طقس في غزّة

13 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:12 (توقيت القدس)
اقتحمت مياه الأمطار خيام النازحين، ديسمبر 2025 (عبد الحكيم أبو رياش/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تسببت الأمطار والرياح العاتية في قطاع غزة في سقوط 14 ضحية وتدمير البنية التحتية، مع تضرر أكثر من 27 ألف خيمة تؤوي نازحين، مما أثر على ربع مليون شخص.
- شهدت غزة 12 حادث انهيار للمباني المتضررة سابقاً بفعل القصف الإسرائيلي، مما أدى لاستشهاد ثمانية مواطنين وإصابة آخرين، مع نجاة بعض السكان بأعجوبة.
- تشير التقارير إلى وجود حوالي 500 مبنى غير مستقر معرضة للانهيار، وتحتاج إلى تدخل عاجل بالإزالة أو الترميم بسبب تأثير المنخفضات الجوية وعدم استقرار التربة.

14 ضحية بين شهداء ومفقودين واستشهاد 3 أطفال بسبب البرودة الشديدة

توقعات بانحسار المنخفض الجوي اليوم السبت

تسببت الأمطار والرياح بسقوط ضحايا في غزة، لكنّ السبب الفعلي هو العدوان الإسرائيلي الذي دمر البنية التحتية وجعل ما بقي من منازل عرضة للسقوط.

يُتوقع انحسار المنخفض الجوي الذي يضرب قطاع غزة حالياً صباح اليوم السبت، في حين بات مشهد غرق خيام النزوح على قسوته مألوفاً لدى الأهالي، فخلال المنخفضين السابقين، غرقت أيضاً مئات الخيام نتيجة هطول زخات كبيرة من الأمطار، لكن لم يسجل خلالها انهيار المباني المتصدعة على رؤوس ساكنيها كما هو الحال في المنخفض الحالي.

وكشف المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أمس الجمعة، عن تسجيل 14 ضحية بين شهداء ومفقودين، واستشهاد ثلاثة أطفال بسبب البرودة الشديدة، مع تضرر 27 ألف خيمة تؤوي نازحين، مؤكداً أن أكثر من 27 ألف خيمة للنازحين قد انجرفت أو غمرتها المياه أو اقتلعتها الرياح العاتية، وتضرّر أكثر من ربع مليون نازح بشكل مباشر من مياه الأمطار والسيول التي اجتاحت خيامهم المهترئة. فيما تواصل طواقم الدفاع المدني الاستجابة لمئات النداءات والاستغاثات.

وصلت الطفلة هديل حمدان (9 سنوات) إلى مستشفى الشفاء جثة هامدة بعدما توفيت نتيجة البرد القارس في مدرسة تحولت بفعل الإبادة إلى مركز للإيواء، لاتزال تؤوي عائلتها النازحة. كما لقي الرضيع تيم الخواجا الذي يقطن مع عائلته في بقايا منزلهم المتضرر بمخيم الشاطئ، غربي مدينة غزة، حتفه بفعل البرد الشديد. وأمس الأول الخميس، توفيت الرضيعة رهف أبو جزر في مدينة خانيونس، جراء البرد وغرق خيمة عائلتها بمياه الأمطار.

وأفاد بيان صادر عن وزارة الداخلية في غزة بأن غرف العمليات بالأجهزة المختصة تلقت أكثر من 4300 نداء استغاثة من المواطنين بمختلف محافظات غزة. وسُجل خلال الساعات الماضية 12 حادث انهيار مبان مقصوفة سابقاً بفعل الأمطار الغزيرة والرياح الشديدة، وقد أدت هذه الحوادث لاستشهاد ثمانية مواطنين، بينهم أطفال، وإصابة آخرين بفعل تأثيرات المنخفض، وما زال هناك مفقودون تحت الأنقاض في شمال غزة تحاول الأجهزة المختصة انتشالهم.

تهدمت المنازل المتضررة من القصف، 11 ديسمبر 2025 (العربي الجديد)
تهدمت المنازل المتضررة من القصف، 11 ديسمبر 2025 (العربي الجديد)

في حي النصر غربي مدينة غزة، يقف الفلسطيني ياسين البغدادي أمام منزله المكون من ثلاث طبقات، والذي تعرض الجزء الجنوبي منه للانهيار بفعل المنخفض الجوي، وهو يخشى دخول المنزل خشية انهيار الجزء المتبقي منه، فيما يعبر المارة بحذر خشية الانهيار المفاجئ.

قضى البغدادي ووالدته وإخوته وأبناء شقيقته ليلة الأربعاء في الطابق الأرضي رغم الأصوات المقلقة للمبنى، لكن العائلة لم تجد بديلاً في ظل سقوط أمطار غزيرة. وفيما كان يجلس أمام البيت مع مجموعة من الجيران صباح الخميس، بدأ يلاحظ تسارعاً في تفتت الحجارة، ما جعله يهرع نحو البيت.

يروي لـ"العربي الجديد": "أخرجت أمي وجميع الأطفال من المنزل، ثم فوجئنا بانهيار مفاجئ لثلاثة أسقف في الجهة الجنوبية. كان المشهد مرعباً، ونجونا بأعجوبة لأن الانهيار لم يصل إلى الطابق الأرضي، ما مكننا من النجاة من مجزرة محققة سببها المنخفض الجوي". ويضيف: "لم يكن المنزل بحالة إنشائية سليمة نتيجة تعرض منطقتنا للقصف خلال الحرب، وأخبرنا مهندسون أنه يمكننا السكن بالطوابق السفلية رغم وضع البيت الخطير. لا نملك بديلاً، ولم نتحمل حياة الخيام، ما اضطرنا إلى تحمل المخاطر".

انهيار جزئي لمبنى في حي النصر، 11 ديسمبر 2025 (العربي الجديد)
انهيار جزئي لمبنى في حي النصر، 11 ديسمبر 2025 (العربي الجديد)

في حي تل الهوى جنوب غرب مدينة غزة، انهارت أرضية شقة تقع بالطابق الأول في عمارة سكنية مكونة من سبعة طوابق، تسكنها ابتسام مهدي، وفي لحظة واحدة دمر الانهيار المطبخ وغرفة النوم الرئيسية وغرفة الأطفال بكل ما فيها، وبات ما تبقى من الشقة مكشوفاً على الشارع.

نجت مهدي بأعجوبة من الانهيار، وعاشت لحظات حبست فيها أنفاسها، بينما تقف حالياً عاجزة عن فعل شيء. تقول لـ"العربي الجديد": "تأثرت أساسات العمارة بعد اجتياح جيش الاحتلال للحي، ودخول إحدى الدبابات إلى العمارة، وكسر أحد الأعمدة أسفل شقتي، ما أدى لانحناء البناء إلى الخلف بمقدار 35 سنتيمتراً، وإضافة إلى كسر العمود، تعرضت عمارة مجاورة للقصف، وسقطت الشظايا في شقتي، ما أحدث أضراراً بالغة، ومع انهيار الأرضية تبقت غرفة وصالة في البيت، وأحتاج إلى أكثر من 36 دعامة بناء، يبلغ سعر كل واحدة منها 250 شيكلاً (الدولار 3.2 شواكل)، وهذا أمر يفوق مقدرتي المادية، إضافة إلى أنني لا أستطيع وضعها في الطابق الأرضي الذي يعود لشقة الجيران".

وتضيف: "قيم مهندس المنزل في السابق، مؤكداً أنه يمكننا العيش فيه طالما لم يحدث قصف قريب، وفي لحظة الانهيار خرجت من المطبخ، وما إن وصلت إلى الغرفة الأخيرة، حتى سمعت صوت انهيار الأرضية، وانهارت معها خمسة جدران، وقالت طواقم الدفاع المدني التي وصلت إلى المكان، إن سبب الانهيار هو تسرب مياه الأمطار، وطلبوا مني مغادرة الشقة".

تقف مهدي في حيرة من أمرها، وهي مضطرة للمبيت في المساحة المكشوفة المتبقية من الشقة مع عدم وجود خيار بديل، وتعلق وهي تنظر إلى الحفرة التي خلفها الانهيار، وإلى الطعام والملابس المتناثرة: "أنا في صدمة، ليس من السهل انهيار منزلك، خصوصاً في حال عدم توفر البديل، ولا توجد بدائل في غزة. كنت أتوقع سقوط جدار كان آيلا للسقوط، وليس خمسة جدران، أو أن تسقط الأرضية في مشهد مرعب، وكأن الأرض تبلعك. طواقم الدفاع المدني أخبروا سكان العمارة أن هناك خطراً على حياتهم. أشعر كأني مقيدة، وبصعوبة استطعت استخراج بعض الملابس. لم أتوقع أن تأتي الكارثة من الطقس".

ويقول مصدر بقطاع الإنشاءات في حكومة غزة لـ"العربي الجديد": "يبلغ عدد الوحدات السكنية غير المستقرة، والتي من الممكن أن تتعرض للانهيار المفاجئ، نحو 500 مبنى على مستوى القطاع، وقد يزيد الرقم في حال إجراء مسح شامل لكل المباني والوحدات السكنية".

ويضيف المصدر: "نتيجة لتداعيات الحرب الإسرائيلية، توجد مجموعة كبيرة من المباني غير المستقرة نتيجة القصف وتفجير العربات المفخخة، وهي بحاجة إلى تدخل عاجل، سواء بالإزالة أو الترميم، إضافة إلى حاجة الجهات المختصة إلى دخول آليات ومعدات ثقيلة لإجراء التدخلات في المباني المتصدعة، والتي تتأثر بالمنخفضات الجوية وعدم استقرار التربة، ما يؤدي إلى  الانهيارات".

المساهمون