- انتشار مصانع الخمور المحلية يرتبط بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية في ليبيا، مثل ارتفاع البطالة وتراجع فرص العمل، حيث يعتبر تصنيع الخمور نشاطاً منخفض التكلفة وعالي العائد المالي.
- توصي الباحثة عفاف العجيلي بتنسيق أكبر بين الجهات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز الرقابة الاجتماعية التقليدية، والتعاون مع الجهات الصحية لرصد الأضرار الصحية لاستهلاك الخمور المحلية.
تبذل الجهات الأمنية المعنية بالمخدرات في ليبيا جهوداً لضبط الجرائم المتصلة بالمؤثرات العقلية، وكان لافتاً ضبط الكثير من مصانع الخمور المحلية خلال مداهمات تكررت أخيراً، وجرى خلالها ضبط عشرات المتورطين.
وأعلن جهاز مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، أخيراً، مداهمة منزل أحد المشتبه بهم في مدينة البيضاء (شرق)، بعد ورود معلومات مؤكدة عن نشاطه، وأسفرت العملية عن ضبط أدوات تُستخدم في تصنيع الخمور. كما أعلن جهاز البحث الجنائي مداهمة منزل بأحد أحياء مدينة طبرق (شرق)، يستخدم مصنعاً لصنع الخمور المحلية، وضُبطت داخله كميات كبيرة معدّة للتوزيع. وتمكن جهاز البحث الجنائي بمدينة القبة (شرق)، من ضبط أحد مروجي الخمور، والذي عُثر بحوزته على كميات من الخمور المحلية أثناء قيادته مركبة، واعترف بارتباطه بمصانع محلية للخمور.
وفي 19 مارس/آذار الماضي، نفذ جهاز البحث الجنائي مداهمة لمصنع خمور في منطقة الجبل الأخضر، بعد تحريات وجمع معلومات مسبقة، وأسفرت العملية عن ضبط أكثر من 3400 لتر من المواد المسكرة، من بينها كميات جاهزة للبيع، وأخرى قيد التصنيع، إضافة إلى معدات إنتاج.
وخلال شهر فبراير/شباط الماضي، نفذت الأجهزة الأمنية عمليات مماثلة، من بينها مداهمة جهاز البحث الجنائي مزرعة تقع بين منطقتي الأبرق والقبة (شرق)، كانت تستُخدم مصنعاً للخمور، وجرى ضبط كميات كبيرة معدّة للبيع ومعدات تصنيع. ونفذت الأجهزة الأمنية عمليات مشابهة في مناطق الجنوب والغرب، منها عملية نفذها جهاز "الردع" داخل العاصمة طرابلس، والذي اقتحم منزلاً يستخدم لتصنيع الخمور، حيث ضُبطت آلاف اللترات الجاهزة للبيع، وقُبض على متورطين جرى إحالتهم إلى جهات الاختصاص لاستكمال التحقيقات.
وتعتبر الباحثة الاجتماعية الليبية عفاف العجيلي، أن الإعلانات المتوالية عن مداهمة مقرات تصنيع الخمور، وأغلبها في منازل ومزارع، تؤشر إلى تفشي تلك الجريمة، وترى أن ذلك يرتبط بجملة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي يشهدها المجتمع الليبي، كأحد تداعيات الأزمة السياسية والاجتماعية التي تمر بها البلاد منذ أكثر من عقد ونصف.
وعلى الرغم من ثناء العجيلي على جهود الجهات الأمنية، فإنها تؤكد لـ"العربي الجديد"، أن "هذه الوقائع تؤشر إلى تغير واضح في أنماط السلوك المجتمعي، فالخمور ينتشر تعاطيها في المناطق المدنية والحضرية، وليس الأرياف والبوادي التي يرتفع فيها مستوى المواجهة وصولاً إلى إمكانية تهجير من يتناولها، بينما نلاحظ أخيراً أن أكثر إعلانات التوقيف والمداهمات تتركز في مناطق تقع بعيداً عن المدن".
ووفقاً لقراءة العجيلي، فإن الإقبال على إنشاء مصانع الخمور المحلية يرجح أن يكون "نتيجة مباشرة لاقتصاد الظل الذي توسّع بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، من جراء تراجع فرص العمل، وتزايد معدلات البطالة في مقابل ارتفاع تكاليف الحياة، خاصة أن تصنيع الخمور محلياً لا يحتاج إلى بنية معقدة، ويمكن تنفيذه داخل منازل أو مزارع بعيدة عن الأنظار، ما يجعله نشاطاً منخفض التكلفة في مقابل ما يدره من دخل كبير".
لكن المسألة لا تتعلق بالاقتصاد وحده، فهناك أبعاد مجتمعية عدة، من بينها الجرأة على ممارسة هذه الأنشطة، وهذا محل التساؤل حول فعالية الرقابة الاجتماعية التقليدية داخل القبيلة، أو في الأسر الممتدة في الأرياف، والتي يبدو أنها لم تعد تمارس دورها الضبطي والرقابي الذي كانت تقوم به في السابق.
وتلفت العجيلي إلى أن "الخمور المصنعة محلياً غير قابلة للتصدير، بخلاف المخدرات والمسكرات المصنعة في الخارج، وهذا يعني أنه يجري استهلاكها محلياً"، متسائلة حول استعداد الجهات الضبطية في التنسيق والتعاون مع المتخصصين لرصد الأضرار الصحية، وتداعيات استهلاك هذه الخمور، كون الجهات الرسمية تصب اهتمامها على التنسيق مع الجهات الصحية في رصد أضرار المخدرات والخمور القادمة من الخارج فقط.
وترى الباحثة الاجتماعية الليبية أن "وقائع الضبط المتتابعة تكشف عن فجوة في السياسات العامة، فالجانب الأمني رغم أهميته لا يكفي وحده في المعالجة، وهناك ضرورة للتنسيق مع الجهات الأخرى، بما فيها الاجتماعية والاقتصادية، لتفكيك البيئة التي تنشط فيها هذه الظواهر".