مؤتمر المناخ في بيليم: تمديد المفاوضات بعد مسودة اتفاق مخيّبة للآمال
استمع إلى الملخص
- واجهت مسودة الاتفاق معارضة من دول مثل الصين والهند والسعودية، بينما اعتبرت دول مثل فرنسا وألمانيا النص غير مقبول وهددت بعرقلته، وزاد حريق في موقع المؤتمر من تعقيد المفاوضات.
- توصلت أستراليا وتركيا إلى اتفاق لتقاسم استضافة مؤتمر "كوب 31"، حيث تستضيف تركيا المؤتمر وتشرف أستراليا على المفاوضات، ويُنظر إلى هذا الاتفاق كنجاح دبلوماسي لتركيا.
دخلت مفاوضات مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (كوب 30)، المنعقد في البرازيل حالياً، مرحلة التمديد الرسمي أمس الجمعة، بعد أسبوعين من المفاوضات غير المثمرة، وسط غياب أي بوادر توافق بين الدول الـ200 المشاركة في المؤتمر، التي لا تزال مواقفها متباعدة جداً بشأن مصادر الطاقة الأحفورية.
وطرحت الرئاسة البرازيلية للمؤتمر المُنعقد منذ الأسبوع الماضي في مدينة بيليم بمنطقة الأمازون، مسودة اتفاق في اليوم الأخير، لكن مع إغفال نقطة أساسية، إذ لم تتضمّن عبارة "مصادر الطاقة الأحفورية"، فضلاً عن عدم تطرقها إلى "خريطة الطريق" التي طالب بها ما لا يقلّ عن 80 دولة أوروبية وأميركية لاتينية وجُزرية.
وقال مفوّض المناخ في الاتحاد الأوروبي، فوبكي هوكسترا، إنّ التكتل لا يستبعد أن ينتهي مؤتمر المناخ "دون اتفاق"، لأن مسودة النص التي قدمتها الرئاسة البرازيلية ليست طموحة بما يكفي بشأن خفض انبعاثات الغازات المسبّبة للاحتباس الحراري. وقالت وزيرة التحوّل البيئي الفرنسية، مونيك باربو، في رسالة إلى "فرانس برس" إنّ "هذا النص مخيب للآمال، فهو لا يذكر الوقود الأحفوري المسؤول عن أكثر من 80% من الاحترار المناخي. هذا إغفال غير مفهوم في ظل حال الطوارئ المناخية".
واعتبر الاتحاد الأوروبي أنّ مسودة الاتفاق ستقوّض الجهود الرامية إلى الحد من الغازات المسبّبة للاحتباس الحراري التي تؤدي إلى تغيّر المناخ العالمي. وكان من المقرّر أن يُختتم المؤتمر، الذي استمر أسبوعين، أمس الجمعة، لكن الخلاف أجبر المفاوضين على تمديد المناقشات وقتاً إضافياً. ووُصف هذا الحدث بأنّه فرصة لإظهار أن الدول لا تزال قادرة على توحيد الجهود لمعالجة تغيّر المناخ رغم غياب الولايات المتحدة.
وتحاول الرئاسة البرازيلية لـ"كوب 30" التوصل إلى حل وسط بشأن اتفاق كانت معظم الدول الحاضرة في القمة مستعدة لقبوله، لكن الاتحاد الأوروبي وصفه بأنه "غير متوازن". وقال مصدران لوكالة رويترز إنّ الاتحاد الأوروبي لن يعارض اتفاقاً مقترحاً بشأن نتائج محادثات مؤتمر المناخ في البرازيل. وقال أحد مفاوضي الاتحاد الأوروبي إنّ الاتفاق "يفتقر إلى الطموح والتوازن، لكننا لن نعارضه، لأنّه سيوفر التمويل الضروري للتكيّف مع تغيّر المناخ لصالح أفقر الفئات وأكثرها عرضةً لتداعياته".
ويحتاج أي اتفاق إلى توافق جماعي للموافقة عليه، وهناك أمل ضئيل للتوصل إلى أي اتفاق يحدّد بمزيد من التفاصيل كيفية وموعد وفاء الدول بوعودها بالتخلي عن استخدام الوقود الأحفوري. كما اعترضت مجموعة الدول العربية بشدّة.
ويبقى احتمال أن تتفق الدول على أداة طوعية "لتسريع التنفيذ عالمياً"، إذ تمكن للدول مناقشة كيفية دفع جهود خفض الانبعاثات. ودعت مسودة جزء من الاتفاق النهائي المُقترح إلى بذل جهود عالمية لزيادة التمويل المُتاح إلى ثلاثة أمثال لمساعدة الدول النامية على التكيّف مع تغيّر المناخ بحلول عام 2035.
بدورها، رفضت منظمات غير حكومية مسودة المشروع على الفور، وعلّقت تريسي كارتي من منظمة "غرينبيس" غير الحكومية المدافعة عن البيئة، بالقول إنّ "المسودة أشبه بصفحة بيضاء، لا تتضمّن سوى القليل لسدّ النقص في الطموح للحد من الاحترار عند 1.5 درجة مئوية، أو لدفع الدول إلى تسريع التحرك".
ووصف الصندوق العالمي للطبيعة النصّ بأنّه "مخيّب جدّاً للآمال". وبحسب مفاوض رفض ذكر اسمه، عارضت الصين والهند والسعودية ونيجيريا وروسيا بشدّة أي خريطة طريق. واتّهمت فرنسا روسيا والهند والسعودية بعرقلة أي تقدم نحو التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، فيما حذّرت ألمانيا من أنّ المفاوضات بشأن نصّ طموح ستكون "صعبة".
وسألت باربو، الوزيرة الفرنسية: "ما أهم الدول المعرقلة؟ جميعنا نعرفها. إنّها الدول المنتجة للنفط بالطبع. روسيا والهند والسعودية. لكن انضمت إليها دول ناشئة كثيرة". وقال وزير البيئة الألماني، كارستن شنايدر لـ"فرانس برس": "لا يمكن أن يبقى النص على حاله"، محذّراً من أنّ "المفاوضات ستكون صعبة".
واعتبرت نحو ثلاثين دولة، منها فرنسا وألمانيا وكولومبيا أنّ هذا الأمر غير مقبول، وهددت بعرقلة مسودة الاتفاق، في رسالة موجّهة إلى رئيس المؤتمر أندريه كوريا دو لاغو. وأعلنت هذه الدول أنه "لا يمكننا دعم نصّ لا يتضمن خريطة طريق لانتقالٍ عادلٍ ومنظم ومنصف نحو التخلّي عن الوقود الأحفوري". وأجرى البرازيليون، المتأخرون أصلاً عن جدول الأعمال، مشاورات طوال الليل. وسيتعيّن عليهم مواصلة المفاوضات يوم الجمعة المقبل، في ظل مهمّة شاقة من أجل التوصل إلى توافق بين 194 دولة والاتحاد الأوروبي، لاعتماد سلسلة من النصوص بالإجماع، على ما تجري العادة في مؤتمرات المناخ.
وتقضي "خريطة الطريق" بتسريع التخلّص التدريجي من النفط والفحم والغاز، المسؤولة بشكل كبير عن تغيّر المناخ، بهدف المضي قُدماً في التزام التخلّص التدريجي من الوقود الأحفوري، عملاً بما اتُّفِق عليه في مؤتمر الأطراف الـ28 قبل عامين. وأعاد الرئيس البرازيلي هذه القضية إلى الواجهة، الأربعاء، خلال زيارته بيليم.
وقال كوريا دو لاغو إنّ "أولئك الذين يشكّون في أن التعاون أفضل ما يمكن القيام به من أجل المناخ سيكونون مسرورين للغاية لرؤية عجزنا عن التوصل إلى اتفاق". وعصر أمس الجمعة، رفع كوريا دو لاغو جلسة استمرّت أكثر من أربع ساعات، وأعطى الوفود استراحة، طالباً استغلال الوقت للتفكير في حلول يمكن طرحها، وفق ما أفاد مشاركون.
واليوم السبت، أعلن كوريا دو لاغو أنّ رئاسة المؤتمر ستنشر "خرائط طريق" بشأن المحروقات والغابات في ظل غياب توافق في الرأي حول هذه القضايا في المحادثات العالمية للمناخ. وأضاف أنّ هذه الطريقة هدّأت مخاوف الدول النامية بشأن قضاياها الأساسية.
ومنذ عام 2003، لم ينجح أي مؤتمر أطراف في إنهاء أعماله في الموعد المحدد. وكان قد أدّى حريق اندلع الخميس إلى إخلاء مكان انعقاد المؤتمر في بيليم لساعات طويلة، ما تسبّب بإضاعة وقت ثمين في أسوأ توقيت ممكن. ولم يُفتَح الموقع مجدداً إلا مساءً بعد معاينة عناصر الإطفاء المكان. أما المفاوضات التي كانت أصلاً تسير بصعوبة، فلا يُتوقَّع أن تُستأنف بالكامل قبل صباح الجمعة المقبل.
ويشكّل الحريق ثالث حادث يُعطّل مؤتمر الأمم المتحدة الذي انطلق الأسبوع الفائت في هذه المدينة الرئيسية التي تُعدّ رمزاً للأمازون الحضرية. فقد أدّى اقتحام متظاهرين من السكان الأصليين مكان انعقاد المؤتمر، ثمّ إغلاق المداخل، إلى تعطيل أعمال المؤتمر الذي تنظمه البرازيل بالتعاون مع الأمم المتحدة. وكان قد اندلع الحريق في وسط الموقع المؤلف من خيامٍ ضخمة مُكيّفة في باركي دا سيدادي. وفي غضون دقائق، التهمت النيران جزءاً من سقف قسم الأجنحة الوطنية. وكان جناح دول شرق أفريقيا من الأجنحة التي دمّرها الحريق. وأسعفت أجهزة الطوارئ 19 شخصاً إثر تنشقّهم دخاناً كثيفاً، فيما أُصيب شخصان بنوبات هلع، وفق وزارة الصحة.
مؤتمر المناخ "كوب 31"
(فرانس برس، رويترز)