كورنيش المزرعة في بيروت... مشاهد وشهادات من قلب الدمار بعد المجزرة الإسرائيلية

08 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 21:19 (توقيت القدس)
مشهد من الدمار الذي خلفته الهجمات الإسرائيلية في بيروت، 8 إبريل 2026 (حسام شبارو/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تعرض كورنيش المزرعة في بيروت لأربع غارات إسرائيلية متتالية، مستهدفة مبانٍ مكتظة بالسكان ومستودعات تجارية، مما أدى إلى دمار واسع وتحول المنطقة إلى ساحة مليئة بالركام والغبار.
- أسفرت الغارات عن سقوط عشرات الضحايا وأضرار مادية فادحة، مع تضرر واجهات المحال والشرفات والسيارات، وبدأت حركة نزوح للسكان المتضررين.
- وسط الفوضى، انتشر عناصر الدفاع المدني لفتح ممرات داخل الركام، بينما استمرت سيارات الإسعاف في نقل الجرحى، مع شعور السكان بالذهول والصدمة.

في وقت كان فيه لبنان وأبناؤه، وآلاف النازحين، يترقبون وقفاً وشيكاً لإطلاق النار، دوّت أصوات ناجمة عن أربع غارات إسرائيلية متتالية بصواريخ ثقيلة في قلب بيروت الإدارية، عند كورنيش المزرعة. وقد استهدفت الضربات مبنى مكتظاً بالسكان، ومستودعاً تجارياً مجاوراً، وطاولت مبنىً يضمّ عيادات طبية ومكاتب ومحال تجارية، إضافة إلى موقف سيارات.

فجأة، انقلب المشهد في كورنيش المزرعة انقلاباً كاملاً، ولم يعد يشبه يوميات المنطقة ولا إيقاعها المعتاد. فالشارع الذي اعتاد زحمة السيارات وضجيج المحال، وأصوات الباعة، وازدحام المارة، تحوّل في غضون دقائق إلى مساحة مفتوحة على الركام والغبار والصراخ. ولم يعد ممكناً التمييز بين واجهة محلّ وغرفة سكنية، بين زجاج نافذة وأشلاء تناثرت على مسافات بعيدة.

كورنيش المزرعة.. مساحة مفتوحة على الخراب

المكان نفسه بدا كأنه فقد تعريفه، فلم يعد حيّاً مأهولاً، بل تحول إلى مساحة مفتوحة على الخراب. وامتد أثر الغارات الإسرائيلية سريعاً إلى الشوارع المحيطة، التي بدت كأنها خرجت من سياق المدينة ودخلت في زمن آخر، زمن تُقاس فيه المسافة، لا بعدد الأبنية، بل بعدد الناجين، ولا يُسمع فيه ضجيج السير، بل أصوات سيارات الإسعاف ونداءات البحث تحت الأنقاض.

في اللحظات الأولى بعد الضربات، لم يكن أحد يعرف على وجه الدقة ما الذي جرى. اندفع الناس إلى الشارع، ركض بعضهم نحو الأبنية المستهدفة بحثاً عن أقارب أو جيران، فيما ابتعد آخرون من دون أن يعرفوا إلى أين الوجهة. توالت أصوات سيارات الإسعاف تباعاً، وارتفع الصراخ من جهات عدة، قبل أن يسود ذلك الارتباك الثقيل الذي يسبق إدراك حجم الكارثة. غبار كثيف ملأ الهواء، ورائحة البارود والإسمنت المحترق خيمت على المكان، فيما كانت نداءات المسعفين تتعالى مطالبةً بفسح الطريق لحمل جريح آخر.

في هذه البقعة وحدها، سقط عشرات الضحايا، فيما استمرت عمليات البحث والإنقاذ لساعات طويلة للعثور على مفقودين تحت الأنقاض. وكان رجال الإنقاذ يحفرون أحياناً بأيديهم، حين تأخرت الآليات أو عجزت عن بلوغ الجيوب الضيقة بين الركام، بينما شاركهم شبان الحيّ في العمل نفسه، يرفعون الحجارة ويزيحون ألواحاً إسمنتية صغيرة بحثاً عن صوت أو حركة أو إشارة حياة.

استهداف شريان يومي

روى أحد أبناء المنطقة لـ"العربي الجديد" اللحظات الأولى للقصف بقوله: "الضربة الأولى… ثم الثانية… أما الثالثة فأشعلت المنطقة بأكملها. سادت حالة توتر شديدة، وراح الناس يركضون في كل اتجاه، فيما كان بعضهم ممدداً على الأرض. بادرت إلى مساعدة الجرحى، وفي تلك اللحظة ألقت إليّ امرأة ابنها من المبنى… كان طفلاً صغيراً، قذفته وهي في أقصى حالات اليأس والخوف بطلوع الروح".

حتى الآن لا توجد حصيلة نهائية لعدد الضحايا، لكن المؤشرات الأولية توحي بأن العدد سيكون كبيراً، ولا سيما أن كورنيش المزرعة يُعدّ من الشوارع الحيوية المكتظّة بالسكان والمارة والعمال. وفي ساعات النهار، يتحوّل إلى شريان عبور يومي بين أحياء بيروت، ما يجعل أي استهداف فيه ذا أثرٍ مضاعف، إنسانياً ومادياً.

الأضرار المادية بدت فادحة أيضاً. واجهات محال سقطت دفعة واحدة كأنها أُزيلت بيد واحدة، شرفات انخلعت من أماكنها، سيارات انقلبت فوق بعضها أو سُحقت تحت الركام. تناثر الزجاج في كل اتجاه، وتحولت الأرض إلى طبقة خشنة من الشظايا المختلطة بأغراض الناس: أثاث منزلي، وملابس، وحقائب، وحتى ألبومات صور خرجت من الأدراج إلى الشارع. الأسلاك الكهربائية تدلّت فوق الرؤوس، بينما غلّف الغبار الكثيف الوجوه والملابس واللافتات التجارية التي بقي نصفها معلّقاً في الهواء، ونصفها الآخر سقط على الأرصفة.

حركة نزوح

في محيط المكان، بدأت حركة نزوحٍ صغيرة تتشكّل سريعاً، بالتوازي مع خروج السكان تباعاً من الأبنية المتضرّرة، بعضهم يصرخ، وبعضهم يلوذ بالصمت، وآخرون يحملون ما استطاعوا في لحظة واحدة: حقيبة يد، أوراق ثبوتية، هاتف، أو قطعة ملابس أُمسكت على عجل. خرجت نساء يحملن أطفالهنّ وحقائب خفيفة، فيما عاد بعض الرجال مسرعين إلى داخل الأبنية، محاولين إنقاذ ما تبقّى من حاجات، أو الاطمئنان على من تأخّر في الخروج. ووقف آخرون عند مداخل الشوارع يجرون اتصالات متلاحقة بحثاً عن خبرٍ يطمئنهم عن أقاربهم.

وسط الخارجين من الأبنية المتضررة، برزت امرأة لا تزال بثياب النوم، تردّد اسم ابنها بصوت مرتفع، فيما حاول أحد الشبان تهدئتها والإشارة لها نحو سيارات الإسعاف. وعلى الرصيف، جلس رجلٌ مسنّ قرب مدخل بنايته، يحدّق طويلاً إلى الأعلى، حيث كانت شرفته قبل دقائق فقط، كأنّه يحاول التأكّد مما إذا كانت قد سقطت فعلاً، أو أنّ ما جرى لا يزال مجرّد صدمة لم يستوعبها بعد.

أشلاء وحطام

في موازاة ذلك، انتشر عناصر الدفاع المدني بين الأبنية المتصدّعة، محاولين فتح ممرات داخل الركام، فيما استمرت سيارات الإسعاف في الدخول والخروج بلا توقف لنقل الجرحى والمصابين. وعلى الأرض، تناثرت الأشلاء بين الحجارة، بينما وقف أطفال يبكون بلا انقطاع، بعضهم يصرخ بأسماء أمهاتهم، وآخرون بقوا في أماكنهم مذهولين لا يعرفون إلى أين يتجهون. وكانت عاملة أجنبية تحمل طفلة، وتلتفت كل بضع خطوات إلى الخلف، كأنها تنتظر الخلاص ونجدة تأتيها من أحد.

في هذا الحي المكتظ بالحياة اليومية، بدت المجزرة أثقل من قدرة المكان على الاحتمال. وقف أصحاب المحال أمام أبوابهم المحطّمة كأنهم يشاهدون سنوات من العمل تتهاوى دفعة واحدة. وقال أحد العاملين في محل لبيع السجاد، ورأسه ينزف، لـ"العربي الجديد" بصوت متقطّع: "تكون جالساً في أمان الله.. ثم يتلاشى كل شيء في لحظة".

في زاوية أخرى من الشارع، كان أحدهم يحمل شاباً مصاباً، فيما كان آخر يصرخ بأسماء عالقين تحت الأنقاض. وقال أحد أبناء المنطقة، وهو يلهث، لـ"العربي الجديد": "هذا القصف العشوائي دليل على هزائمهم. لا مبرر لضرب المدنيين… سوى أنهم مهزومون".

وهكذا، في دقائق قليلة، تحوّلت بيروت إلى ذاكرة دامية مفتوحة، غبار يملأ الهواء، ووجوه مذهولة تبحث عن بعضها، وأناس يمشون فوق الخسارة، يحاولون فقط أن يعثروا على أحد، أو ينجوا بأنفسهم، أو يفهموا كيف تغيّر كل شيء بهذه السرعة.