استمع إلى الملخص
- تفتقر هذه الدول إلى سلطة مركزية قادرة على التخطيط لاستيعاب الخريجين في سوق العمل، مما يدفع الكفاءات للهجرة بحثًا عن فرص أفضل في الخارج.
- يواجه الخريجون صعوبة في العثور على وظائف مناسبة، مما يضطرهم لقبول أعمال لا تتناسب مع مؤهلاتهم، وسط شروط عمل مجحفة وانتهاك للضمانات القانونية.
لا يمكن وضع الدول العربية إزاء مصير خريجي الجامعات في سلة واحدة. فلكل منها ظروفها وأوضاعها. لكن هناك مجموعة من الدول الغارقة في الفوضى السياسية والأمنية، والفساد والانكماش أو الانهيار الاقتصادي، وهذه تشمل سورية والعراق واليمن وليبيا ولبنان وتونس والعراق، وقد أضيف إليها مؤخراً السودان.
وإذا أردنا أن نتوقف عند معاناة كل منها سنجد مشتركات، أوضحها انفجار الصراعات العنيفة، وانهيار الدولة ومؤسساتها، والدمار الواسع في البنى التحتية، وخراب القطاع الخاص، وبروز الاقتصاد الموازي القائم على التهريب وتجارة الممنوعات وتبييض العملة والاتجار بالسلاح، ما يعني أن الاقتصاد غير الشرعي هو المهيمن، وتديره شبكات أقرب ما تكون إلى المافيا منها إلى المؤسسات. مع وجود العديد من اللاعبين المحليين الذين تظللهم تدخلات إقليمية ودولية، حتى إنه بات لمناطق جغرافية أحكامها وقوانينها، والتي لا علاقة بالأنظمة والمؤسسات الشرعية.
تفتقد هذه الدول السلطة المركزية، ومعها إمكانية التخطيط العلمي المدروس لاستيعاب الخريجين وغيرهم في سوق العمل. لذا تشهد عمليات هروب كبير للكفاءات، ليست المتخرجة حديثاً فقط، بل التي تمتلك خبرات في مجالات اختصاصها، وسبق أن شغلت مواقع قيادية في المؤسسات، والتي تجد ملاذات آمنة في دول تستقطبها، وتعمل على إدراجها في مؤسسات الإنتاج وسلاسله مع أنها كانت تتمتع بواقع وظيفي مرموق، لكنها اضطرت إلى المغادرة بفعل القمع والانهيار.
وعليه، فإن نسبة الخريجين من شتى الاختصاصات التي لا تفكر في السفر متدنية، إن لم نقل معدومة، وهم يرون بأم العين أن فرصة الحصول على عمل شبه مستحيلة، وإذا توافرت ففي ظل شروط بالغة الإجحاف، فالقطاع العام توقف مبدئياً عن التوظيف، باستثناء المؤسسات العسكرية والأمنية، والقطاع الخاص يفرض شروطه المجحفة لجهة قيمة الأجور الفعلية مع تدهور أسعار صرف العملات الوطنية وأرقام التضخم، وزيادة ساعات العمل.
وتتعرض الضمانات التي تنص عليها قوانين العمل للانتهاك على صعيد التقديمات الصحية والاجتماعية والنقل وغيرها، والخريج الذي يضطر إلى العمل وسط هذه الشروط القاسية يجد أمامه الآفاق مسدودة نحو تكوين أسرة أو تحقيق الاستقلال عن أسرته، وهو لا يشعر بالاستقرار، ويمارس عملية تقطيع الوقت، بينما يحاول العثور على فرصة عمل في الخارج.
يجب أن نضيف أن فرصة العمل قد لا تتوافر بالاختصاص، لذا يتعلق الخريج بأي سانحة، وإن كانت لا تحقق طموحه، فتجد من يعمل سائق أجرة، أو بائعاً، أو موظفاً مكتبياً بسيطاً، ولا يمكن وصف ما يقومون به بأنه عمل حقيقي لتناقضه مع السنوات التي أمضوها في الجامعة لحيازة شهادة كلفته وأهله أكلاف مالية قد تدفع الأهل أحياناً إلى بيع ما يملكونه من أصول ظناً منهم أن الاستثمار في التعليم هو الأبقى.
(باحث وأكاديمي)