جريمة عنف أسري تهزّ تونس.. أب يرمي طفلتَيه من شرفة منزل العائلة

11 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 18:09 (توقيت القدس)
جرائم العنف الأسري تقلق تونس، 23 يوليو 2026 (فتحي بلعيد/ فرانس برس)

هزّت جريمة عنف أسري تونس أخيراً، بعدما أقدم رجل، مساء أمس الاثنين، على إلقاء طفلتَيه من شرفة منزل الأسرة الواقع في منطقة المروج بضاحية تونس العاصمة الجنوبية، الأمر الذي أدّى إلى وفاة إحداهما وهي رضيعة تبلغ من العمر ستّة أشهر، أمّا الثانية البالغة من العمر ثلاثة أعوام  فوضعها حرج وتتلقّى علاجاً لحالتها في المستشفى، وذلك حتى كتابة هذا التقرير.

وأفادت إذاعة الجوهرة إف إم المحلية بأنّ الأب يعمل في إحدى المؤسسات التي توفّر قروضاً صغيرة، وكان قد خضع لعملية جراحية أخيراً، وقد أوقف في انتظار استكمال التحقيقات لتحديد دوافع الجريمة وملابساتها. أضافت أنّ الأم كانت خارج المنزل عند ارتكاب زوجها فعلته تلك، فرمى طفلتَيهما من شرفة منزل الأسرة الواقع في الطبقة الثالثة في منطقة المروج بولاية بن عروس (شمال).

وبينما تداولت مصادر في تونس فرضيّة أن تكون أصوات الطفلتَين خلال لعبهما قد أثارت غضب الأب، أشار عضو المجلس الجهوي في ولاية بن عروس وممثل المروج حمدي الغزلاني إلى احتمال تعرّض الأب لضغوط نفسية استثنائية أو حالة انهيار عصبي، داعياً إلى تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي والمرافقة النفسية للأسر. أتى ذلك في حين لم تكشف الجهات الرسمية في تونس بعد عن نتائج التحقيقات الأولية.

وتأتي مأساة المروج في سياق اجتماعي في تونس يشهد تنامياً في مظاهر العنف وتنوّعها، وفقاً لمعطيات نشرها المرصد الاجتماعي التونسي التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. كذلك يحذّر باحثون في علم الاجتماع من اختزال جرائم من هذا النوع بالعامل الاقتصادي وحده، مشيرين إلى أنّ العنف الأسري ظاهرة مركّبة تتداخل فيها التربية والعلاقات في داخل الأسرة والصحة النفسية والثقافة المجتمعية وآليات السيطرة والسلطة، إلى جانب الظروف المعيشية.

تظاهرة نسوية في العاصمة التونسية، نوفمبر 20256 (شادلي بن إبراهيم/Getty)
قضايا وناس
التحديثات الحية

ويقول الباحث التونسي في علم الاجتماع فؤاد غربالي لـ"العربي الجديد" إنّ جريمة العنف الأسري المستجدّة في منطقة المروج تكشف بوادر تصدّع مجتمعي، لافتاً إلى أنّ الأسرة الذي من شأنها أن تحمي الإنسان من السقوط تحوّل منزلها إلى مسرح للجريمة. ويرى غربالي أنّ أخطر التحوّلات الاجتماعية ليست تلك التي تُرصَد في الشوارع، بل تلك التي تجعل "البيت نفسه مكاناً غير آمن للحياة".

ويشدّد غربالي على أنّ العنف الأسري في تونس يعكس خللاً اجتماعياً واسع النطاق، في ظلّ ضغوط اقتصادية وتآكل القدرة الشرائية وتراكم الديون وتدهور بعض الخدمات الأساسية. يضيف أنّ "في المروج، لم يُلقِ أب بطفلتيه من شقة (سكنية) فحسب؛ فقد انهارت، رمزياً، وظيفة البيت ذاتها حين يصبح هذا الأب مصدر الخطر والنافذة ممرّاً إلى الموت"، مشيراً إلى أنّ "ثمّة أموراً أعمق تحدث في داخل الأسرة التونسية".

ويبيّن الباحث في علم الاجتماع أنّ الأسرة تتغيّر وتتألم وتشهد تحوّلات صامتة لا يصل صداها إلى أيّ كان، إذ تكتفي الجهات الرسمية بإحصاء الزيجات وحالات الطلاق والجرائم من دون قراءة تحوّلاتها العميقة. ويتابع غربالي أنّ الأسر تتحمّل أعباء البطالة والديون والإحباط وتآكل السلطة القديمة، ثمّ تُطالَب بأن تظلّ آخر حصون الأمان. ويؤكد أنّ مأساة المروج ليست تفسيراً للمجتمع بجريمة فرد، بل إنذاراً يدعو إلى التساؤل عمّا يحدث في بيوت التونسيين قبل أن يتحوّل الألم الذي لم يسمعه أحد إلى عنف يشهده الجميع.

وتُظهر بيانات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للربع الأوّل من عام 2026 أنّ السكن الأسري استأثر بنحو ربع حالات العنف التي وثّقها المرصد، الأمر الذي يعكس انتقال جزء مهمّ من مظاهر العنف من الفضاء العام إلى داخل البيوت، حيث يفترض أن تكون الأسرة مجالاً للحماية والأمان.

ولا يتعلّق الأمر بالعنف الجسدي فحسب. فقد رصد المنتدى في الفترة نفسها تعدّد أشكال العنف، إذ مثّل العنف الجسدي 31.6% من الحالات، فيما بلغ العنف المؤسساتي 21.1% والعنف المالي 18.4%، أمّا العنف القائم على النوع الاجتماعي فأتى بنسبة 15.8% والعنف النفسي والعاطفي بنسبة 5.3% والعنف الاجتماعي والثقافي بالنسبة الأخيرة نفسها. وتكشف هذه البيانات وفقاً لتقرير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أنّ العنف في تونس لم يعد ظاهرة ذات شكل واحد، بل بات يتقاطع فيه الجسدي مع النفسي والاقتصادي والاجتماعي، في بيئة تتراكم فيها الضغوط على الأفراد والأسر.

وأعادت جريمة المروج إلى الواجهة مسألة حماية الأطفال في داخل أسرهم، خصوصاً أنّ المنزل لا يكون دائماً المكان الأكثر أماناً بالنسبة إلى الطفل. وتشير معطيات نقلها تقرير حول العنف الأسري في تونس عن الإدارة العامة للحرس الوطني إلى أنّ 80% من حالات العنف المسلط على الأطفال في سنة 2025 وقعت في الفضاء الأسري، وهي نسبة تكشف حجم التحدّي الذي تواجهه منظومة حماية الطفولة عندما يكون مصدر الخطر في داخل الدائرة الأسرية نفسها.