تفاصيل هجوم مباغت للمستوطنين على مسافر يطا في الخليل: إحراق منازل ومسجد
- تمكن السكان بمساعدة وحدة الإطفاء المحلية من السيطرة على الحرائق، لكن الهجوم خلف حالة من الذعر والخوف، خاصة بين الأطفال، وفرضت قوات الاحتلال قيودًا على حركة السكان.
- تعاني القرية من حصار استيطاني متزايد، ويطالب السكان بتعزيز خدمات الطوارئ وتوفير لجان حماية دائمة لحمايتهم من الاعتداءات المتكررة.
دقائق قليلة فصلت عائلة ربعي الفلسطينية في قرية التوانة بمسافر يطا، جنوبي الخليل، عن كارثة محققة، بعدما شنّ عشرات المستوطنين هجومًا مباغتًا على القرية بعد منتصف الليلة الماضية، واقتحموا محيط منازل المواطنين وأشعلوا النيران في محاولة لإحراقها بمن فيها من سكان.
يروي مصعب ربعي، أحد أصحاب المنازل التي استهدفها الهجوم، تفاصيل اللحظات العصيبة التي عاشتها عائلته، قائلًا لـ"العربي الجديد": "إن أفراد أسرته السبعة كان بعضهم نائمين وبعضهم يستعدون للنوم، قبل أن يستيقظوا على أصوات تحطم نوافذ المنزل، واندلاع النيران في غرفة خارجية ملاصقة للمنزل". مضيفا: "سارعت إلى الخروج لإطفاء الحرائق، فوجدت عشرات المستوطنين يركضون باتجاه منزل أشقائي وجيراني ويشعلون النيران"، مشيرًا إلى أن الهجوم وقع بشكل مفاجئ، وسط حالة من الرعب والخوف بين سكان القرية الذين حاولوا التصدي للنيران ومنع امتدادها إلى بقية المنازل.
وما إن تمكن ربعي من السيطرة على الحريق الذي اندلع في منزله، حتى كان المستوطنون قد انتقلوا إلى منزل شقيقه محمود، حيث حطموا نوافذه وألقوا الحجارة داخله، ما أدى إلى إصابة زوجته الحامل في شهرها السابع. ويشير ربعي إلى أن تحركات المستوطنين خلال الهجوم عكست، بحسب وصفه، مستوى عاليًا من التنظيم والاستعداد المسبق، إذ كانوا يتنقلون بسرعة بين المنازل المستهدفة، حاملين مواد قابلة للاشتعال. وأضاف: "كان بحوزتهم مواد شديدة الاشتعال، وسكبوها مباشرة لإشعال النار في المنازل، حتى أنهم أحرقوا مركبة بشكل كامل".
ولم تقتصر الهجمات على المنازل، إذ هاجم المستوطنون مسجدا في القرية بالزجاجات الحارقة "المولوتوف"، ما أسفر عن اندلاع النيران في بوابته قبل أن يتدخل شبان التوانة لإخماد الحريق والحيلولة دون امتداده إلى داخل المسجد. وخلال مواجهات دارت بين المستوطنين وسكان القرية الذين حاولوا التصدي للهجوم، توزع المستوطنون إلى مجموعات، وفق ربعي، إذ كان بعضهم يحمل العصي، وآخرون أدوات حديدية حادة، فيما تولى آخرون رشق الحجارة.
ورغم أن منازل القرية ومسجدها شُيدت بالحجارة ومزودة بحمايات حديدية للنوافذ، فإن ذلك لم يمنع المستوطنين من تحطيم الزجاج والوصول إلى داخلها وإشعال النيران، قبل أن يتمكن السكان من السيطرة عليها وإخماد الحرائق. وما ساعد، بحسب ربعي، في السيطرة سريعًا على الحرائق ومنع امتدادها إلى مزيد من المنازل هو وجود شبّان القرية مستيقظين خلال تلك الليلة لمتابعة مباريات كأس العالم. ويقول ربعي: "إن لحظات المتعة التي كانوا يعيشونها تحولت خلال دقائق قليلة إلى حالة من الرعب والشعور بأن الموت بات قريبًا، وهو ما انعكس على وجوه أطفاله الخمسة الذين عاشوا لحظات خوف شديدة أثناء الهجوم".
ولم يقتصر اعتداء المستوطنين على محاولة إحراق المنازل والمسجد، إذ امتد إلى مصدر رزق عائلة ربعي، بعدما أحرقوا جرارا زراعيا تملكه العائلة وتستخدمه في أعمال فلاحة الأرض، في خسارة جديدة أضيفت إلى الأضرار التي خلفها الهجوم على سكان القرية. كما لم يسلم ربعي من اعتداءات المستوطنين لتلاحقه قيود قوات الاحتلال صباح اليوم، عقب الهجوم. قائلا: "جيش الاحتلال وصل إلى المكان مدعيًا عدم معرفته بما جرى، رغم توفر توثيق واسع للهجوم (...) حضرت الشرطة الإسرائيلية، ومنذ ساعات الصباح تمنعنا من مغادرة المنزل دون سبب، وهذا يعكس أسلوب العربدة".
واستطرد قائلا: "المهاجمون قدموا من مستوطنة (حفات معون) المحاذية للقرية، وتحديدًا من المزرعة التابعة لها"، مشيرًا إلى أن الهجوم خلّف حالة من الذعر والخوف، إلى جانب القلق من تكراره. ويوضح أن لديه سبعة أطفال، بينما لدى شقيقه عشرة أطفال، وكانوا يرون الموت أمامهم الليلة.
وتعمّد المستوطنون خلال الهجوم ترك رسائل تهديدية وعنصرية على جدران المنازل والمسجد، بحسب رئيس مجلس قروي مسافر يطا، نضال أبو عرام في حديث مع "العربي جديد". وقال: "المستوطنون خطّوا عبارات باللغة العبرية، من بينها: (الانتقام)، و(التوانة سجن)". ويشير أبو عرام إلى أن المهاجمين سعوا إلى إيقاع أكبر قدر ممكن من الأضرار، قائلاً: "حاولوا إحراق أكبر عدد ممكن من منازل القرية. أُحرقت سيارة بالكامل، كما حطموا باب المسجد ونوافذه في محاولة لإلقاء النيران إلى داخله"، مضيفا أن المهاجمين انطلقوا من بؤرة "حفات معون"، مؤكداً أن المعلومات المتوفرة تشير إلى مشاركة مستوطنين من عدة مستوطنات في الاعتداء، "لكن نقطة انطلاقهم كانت من (حفات معون)، التي تبعد نحو 500 متر فقط عن منازل المواطنين".
ولفت إلى أن تدخل وحدة الإطفاء التطوعية في قرية التوانة أسهم في احتواء الحرائق، موضحًا أن "هناك وحدة متطوعين للإطفاء من قرية التوانة أخمدت الحرائق وتمكن أفرادها من التدخل في الوقت المناسب والسيطرة على النيران".
ويشدد أبو عرام على حاجة القرية إلى تعزيز خدمات الطوارئ في المنطقة، قائلاً: "مطلبنا الدائم للجهات الرسمية هو تعزيز خدمات الإطفاء والإسعاف في هذه المناطق. ولولا وجود وحدة الإطفاء المحلية لكانت الكارثة أكبر بكثير، وهناك حاجة إلى دعم القرى الصغيرة من خلال توفير لجان حماية وحراسة بشكل دائم، وهو ما يتطلب إمكانيات لوجستية ودعمًا مستمرًا". متهما عدداً من قادة المستوطنين بالوقوف وراء الاعتداء، مشيرًا إلى أن من بينهم "يوآريف"، و"غادي"، و"شمتوف"، مؤكداً أن هؤلاء "كانوا خاضعين لعقوبات دولية قبل أن ترفع الولايات المتحدة تلك العقوبات عنهم".
ويشير أبو عرام إلى أن قرية التوانة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 600 نسمة، تعيش في حصار استيطاني متصاعد منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، موضحًا أنها محاطة من جهات عدة بمستوطنة "ماعون" وبؤرة "حفات ماعون"، إلى جانب بؤرة "أفيغايل" التي جرى إضفاء الشرعية عليها، فضلًا عن بؤرة استيطانية جديدة أُنشئت قرب منطقة الركيز جنوب غربي القرية. ويؤكد أبو عرام أن هذا الواقع ترافق مع استمرار إغلاق الشارع الالتفافي المؤدي إلى مدينة يطا جنوب الخليل، ما فاقم عزلة السكان وصعوبة وصولهم إلى الخدمات الأساسية.