تصاعد وفيات سجون مصر وسط انتقادات للإهمال الطبي والاكتظاظ
استمع إلى الملخص
- شهدت الأسابيع الأخيرة وفاة سجناء مثل محمد جمعة وأحمد مصطفى وأحمد محمود بسبب غياب الرعاية الصحية وسوء المعاملة.
- تبرز هذه الوفيات صورة قاتمة عن السجون المصرية، مع مطالب بفتح تحقيقات مستقلة وتفعيل الرقابة القضائية والإفراج عن المرضى وكبار السن لمنع تكرار الانتهاكات.
يتصاعد الاستياء في مصر حول أوضاع السجون ومقار الاحتجاز عقب سلسلة وفيات متتالية وثّقتها منظمات حقوقية خلال الأسابيع الأخيرة، وسط اتهامات بـالإهمال الطبي وسوء المعاملة وغياب الرقابة. وتكشف هذه الوقائع المتكررة عن نمط ممنهج حول سوء ظروف الاحتجاز وحرمان السجناء من حقوقهم الأساسية، وصولاً إلى مفارقتهم الحياة داخل الزنازين، وفق المنظمات.
بدأت الموجة الأخيرة من الوفيات مع إعلان مركز الشهاب لحقوق الإنسان، اليوم السبت، وفاة محمد جمعة، المحكوم بالإعدام في قضية "قسم العريش"، داخل مجمع سجون وادي النطرون، بعد أكثر من 13 عاماً من الاحتجاز في مصر. وبحسب ما وثّقه المركز الحقوقي، قضى جمعة سنوات طويلة متنقّلاً بين سجني طرة والعقرب ثم وادي النطرون في أوضاع قاسية، وظلّ في عنبر الإعدام حتى إغلاق سجن العقرب عام 2022. وقبيل وفاته، عانى آلاماً حادة في الصدر من دون أن يتلقى الرعاية الطبية اللازمة، في واقعة أثارت شبهات واسعة حول إهمال طبي يُرجَّح أنه أدى مباشرة إلى وفاته.
بدورها قالت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، اليوم السبت، إنّ سجن المنيا تحول إلى كابوس يومي يطارد المرضى من المعتقلين السياسيين والسجناء الجنائيين، بعدما أصبح الحصول على العلاج حقاً معطّلاً ومقيّداً بقرارات أمنية وإجراءات قمعية ممنهجة. وقد رصدت الشبكة خلال شهر واحد فقط وفاة ثلاثة معتقلين بعد منعهم من تلقي العلاج والدواء المناسب، مما أدى إلى تدهور حالاتهم الصحية ووفاتهم داخل السجن، في انتهاك صارخ للحق في الحياة والرعاية الطبية.
وأضافت أنّ "الحق في العلاج ليس مجرد خدمة تُقدّم، بل هو أحد أقدس حقوق الإنسان وركيزة أساسية للحق في الحياة ذاته. ويزداد هذا الحق أهمية حين يتعلق بأشخاص محرومين من حريتهم، تتحمل الدولة المسؤولية الكاملة عن حياتهم وصحتهم، ولا يملكون القدرة على الوصول للرعاية الطبية بأنفسهم. ومع ذلك، تشير الوقائع الأخيرة إلى أن هذا الحق يُنتهك داخل سجن المنيا بشكل ممنهج، مما أدى إلى وفيات يمكن تلافيها لو تم توفير العلاج في وقته المناسب".
وقبل ثلاثة أيام فقط، ظهرت واقعة جديدة داخل قسم شرطة إمبابة، حيث توفي أحمد مصطفى، الشهير بأحمد جزيرة، البالغ من العمر 35 عاماً، بعد ثلاثة أسابيع من احتجازه. وأشارت شهادات حصلت عليها منظمات حقوقية، من بينها مركز الشهاب لحقوق الإنسان والشبكة المصرية لحقوق الإنسان، إلى أنّ الضحية لم يكن يعاني أي أمراض قبل حبسه، وأن سوء المعاملة وتكدس المحتجزين إلى حد حصول كل فرد على مساحة لا تتجاوز 35 سنتيمتراً، إضافة إلى الحرمان من الطعام والزيارات، كان وراء تدهور حالته ثم وفاته. واتُّهمت إدارة القسم بالضغط على أسرته لإجبارها على التوقيع بأن الوفاة سببها "هبوط حاد في الدورة الدموية" قبل تسليم الجثمان.
التسريبات الواردة من داخل القسم رسمت صورة شديدة القتامة، حيث رُويت تفاصيل حول أربع غرف فقط تستوعب أكثر من 700 محتجز، وانعدام التهوية وتفشي الأمراض الجلدية، وتواتر شهادات تتحدث عن "عنف ممنهج" من أفراد بالمباحث، في ظل غياب رقابة فعالة. ووضعت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان هذه الشهادات أمام وزارة الداخلية والنائب العام مطالبة بفتح تحقيق شفاف يحدد المسؤوليات ووقف ما وصفته بـ"الخطر الداهم" على حياة المحتجزين.
وقبلها بأيام، أعلن مركز الشهاب وفاة محتجز آخر، هو أحمد محمود محمد سعيد، من قرية ناهيا بمحافظة الجيزة، داخل سجن "10 ونص" بعد سنوات من الاحتجاز التعسفي، وفق وصف المركز. كان أحمد محمود محتجزاً منذ مارس/ آذار 2020 وتعرّض لإعادة التدوير في قضايا جديدة رغم قرارات إخلاء سبيله. وأظهرت الوثائق الحقوقية أنه كان مصاباً بسرطان الغدة في مرحلة متقدمة، وأن إدارة السجن رفضت نقله بشكل منتظم لتلقي العلاج الكيماوي، مكتفية بإجراءات شكلية رغم خطورة المرض، قبل أن تزداد حالته سوءًا ويتم نقله لفترة قصيرة إلى القصر العيني، ثم إعادته إلى محبسه حيث توفي في 8 نوفمبر/ تشرين الثاني.
وأكدت منظمات حقوقية، أنّ استمرار حبسه رغم حالته الصحية يشكل مخالفة صريحة لقانون الإجراءات الجنائية والدستور المصري، وأن رفض الإفراج الصحي أو نقله إلى مركز متخصص ساهم مباشرة في وفاته. كما أشارت إلى أن تغييب الرقابة القضائية وتجديد الحبس تلقائياً رغم التقارير الطبية "يعكس خللاً أعمق في التعامل مع السجناء المرضى" في مصر.
وقبل أيام من تلك الوقائع، رُصدت وفاة ثالثة داخل سجن ليمان المنيا، حيث توفي حمدي محمد محمد (63 عاماً) نهاية أكتوبر/ تشرين الأول، بعد تدهور حالته الصحية من دون أن يتلقى الرعاية اللازمة. وكان الراحل قد خضع لعملية قلب مفتوح قبل حبسه، وكان يحتاج إلى متابعة طبية مستمرة لم تتوفر له داخل السجن، بحسب الروايات الحقوقية التي تحدثت عن تكرار حالته داخل السجن ذاته خلال شهرين مع وفاة معتقلين آخرين، في نمط يشير إلى إهمال طبي متكرر.
هذه السلسلة من الوفيات، الممتدة عبر سجون مختلفة وأقسام شرطة متعددة، تُبرز صورة متشابهة: تكدس خانق، غياب للرعاية الصحية، تأخير في نقل المرضى، اتهامات بممارسة ضغوط على الأسر لإخفاء الأسباب الحقيقية للوفاة. كما تكشف عن فجوة واسعة في مصر بين النصوص القانونية التي تضمن كرامة السجين وحقه في العلاج، وبين الممارسات التي ترصدها المنظمات الحقوقية.
ومع استمرار هذه الحالات، تتصاعد المطالب بفتح تحقيقات مستقلة، وتفعيل الرقابة القضائية على السجون ومقار الاحتجاز، والإفراج عن المرضى وكبار السن ومنع تكرار سياسة التدوير، باعتبار أن استمرار الوضع على حاله قد يقود إلى مزيد من الضحايا في ظل ظروف وصفت بأنها "تمس الحق في الحياة ذاته" وتلقي بظلال قاتمة على واقع الاحتجاز في البلاد.