تداعيات النزوح متزايدة ومستمرة في ليبيا

17 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 01:15 (توقيت القدس)
عائلة ليبية نازحة في بنغازي، مارس 2023 (عبد الله دوما/فرانس برس)

كشفت نتائج مسح حكومي حديث أن تداعيات أزمة النزوح تطاول نسبة لافتة من الأسر الليبية، إذ أفادت 10.1% من بين أكثر من 17 ألف أسرة في مختلف أنحاء البلاد شملها المسح بأن فرداً واحداً على الأقل من أفرادها سبق له النزوح، والذي ارتبط بالأساس بموجات الصراع التي أعقبت عام 2011، مع حالات نزوح على نطاق أقل نتيجة توترات أمنية أو كوارث طبيعية.
وحذر التقرير الذي تضمن نتائج المسح من التعامل مع هذه النتائج باعتبارها رصداً شاملاً لأوضاع النازحين، خصوصاً أن البيانات لا تقدم صورة كاملة عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للأسر قبل النزوح وبعده. وأشارت النتائج إلى أن انتهاء موجات القتال لا يعني انتهاء آثار النزوح السلبية على الأفراد والأسر، إذ تظل تجربة النزوح جزءاً من الواقع الاجتماعي والسكاني، بينما تحتاج الصورة الكاملة إلى معرفة ما الذي حدث لهذه الأسر بعد نزوحها، وكيف تغيرت ظروفها المعيشية، وأماكن إقامتها، وما إذا كانت العودة قد أعادت إليها الاستقرار الذي فقدته.
وترى أستاذة العلوم الاجتماعية إنعام بوغالية نتائج المسح مهمة، كونها صدرت عن جهة حكومية متخصصة في رصد النزوح وقياس آثاره، لكنها تستدرك بأن المسح لا يغطي جميع صور النزوح، ومن بينها الهجرة إلى خارج البلاد لأسباب ودوافع مختلفة، والنزوح إلى المدن الكبرى بسبب غياب الخدمات وسبل الحياة في الأرياف والمناطق النائية.
وتقول بوغالية لـ"العربي الجديد" إن "التقرير لم يتناول الآثار المترتبة عن النزوح، ورغم إقراره بأن رصد هذه الآثار يحتاج إلى جهود مضاعفة لرسم الصورة الكلية، إلا أن الدراسات يمكن تقييم نتائجها على العينات، وما مسحه المركز الحكومي كاف للقياس، لكنه لم يرصد الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، رغم مرور سنوات على توقف الحروب. اتخذ النزوح أبعاداً وأشكالاً جديدة، منها النزوح لفترات قد لا تتجاوز يوماً أو يومين، كما يحدث في مدن غرب طرابلس، وطرابلس نفسها، حين تشهد اشتباكات، ما يدفع الأسر إلى مغادرة منازلها مؤقتاً، ثم العودة إليها بعد هدوء الأوضاع".

تصنع الخبز داخل مخيم نزوح، بنغازي، مارس 2023 (عبد الله دوما/فرانس برس)
تصنع الخبز داخل مخيم نزوح في بنغازي، مارس 2023 (عبد الله دوما/فرانس برس)

وترصد الأكاديمية الليبية في هذا السياق اتجاهاً يتنامى لدى المواطنين للتعايش مع الظواهر المستحدثة من خلال متابعة الأحداث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومحاولة استباق أي اشتباك بالخروج من المنزل إلى مكان آمن. وتؤكد أن "بعض عائلات العاصمة طرابلس على وجه التحديد باتت تتجه إلى بناء استراحات على أطراف المدينة، تستخدمها عادة في الاسطصياف هرباً من حرارة الصيف، لكنها في الحقيقة باتت مكاناً احتياطياً تلجأ إليه العائلة في أوقات الأزمات، سواء عند انقطاع الكهرباء، أو الاضطرار إلى النزوح المؤقت خلال الاشتباكات".
وتتابع بوغالية: "هناك الكثير مما يجب رصده، إذ لا نعرف حتى الآن تداعيات الضغط النفسي الذي تسبب فيه النزوح الطويل بين أفراد الأسر، مثل فترة الحرب على طرابلس التي استمرت نحو عام ونصف عام، والحرب في بنغازي التي استمرت أربعة سنوات. لا يمكن تصديق أن ذلك لم يراكم آثاراً نفسية، خصوصاً لدى الأطفال، أو آثاراً اقتصادية على الآباء نتيجة المسؤوليات الملقاة على عاتقهم تجاه أسرهم".
وتوضح أن "أحد تداعيات النزوح تتمثل في تشكلات اجتماعية جديدة، فضغط الهجرة من الجنوب إلى الشمال نتيجة سوء الخدمات أو غيابها، وحالات التهجير بين مدن الشرق والغرب، خلقت وحدات سكانية صارت بمرور الوقت تجمعات اجتماعية تكونت بينها علاقات جديدة، بينما تراجعت علاقات قديمة كانت قائمة في مناطق نزح عنها أهلها".

أسواق ليبيا (Getty)
اقتصاد الناس
التحديثات الحية

ووصل عدد النازحين في ليبيا إلى ذروته خلال عام 2015، بإجمالي نحو 500 ألف شخص، حسب بيانات مركز رصد النزوح (حكومي)، قبل أن ينخفض العدد تدريجاً من جراء تراجع حدة النزاعات. وفي فبراير/شباط 2024، قدرت مصفوفة تتبع النزوح عدد الأشخاص الذين كانوا يعيشون في حالة نزوح داخلي بنحو 147 ألفاً، من بينهم 107 آلاف نزحوا بسبب النزاعات، و40 ألفاً بسبب الكوارث الطبيعية، وعلى رأسها فاجعة العاصفة دانيال بمدينة درنة (شرق).
وأضحت النتائج تركز أعداد كبيرة من النازحين في المدن الرئيسية، إذ بلغ العدد نحو 34 ألف نازح في بنغازي، و21 ألفاً في مصراتة، ونحو عشرة آلاف في العاصمة طرابلس. في حين تجاوز العدد التراكمي للعائدين إلى مناطقهم الأصلية 725 ألف شخص.