بريطانيا: عدالة منقوصة بحق ضحايا الإدانة الخاطئة

19 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 00:42 (توقيت القدس)
مسيرة تذكارية لضحايا السجون في لندن، 25 أكتوبر 2025 (مارك كيريسون/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- أمضى جاستن بلومر 28 عامًا في السجن بسبب إدانة خاطئة ولم يحصل على تعويض مالي بعد إطلاق سراحه، حيث يتطلب القانون إثبات البراءة للحصول على تعويض. يعاني بلومر من اضطرابات نفسية ويطالب بعلاج ضروري.

- يشير سام دوليو إلى أن معيار التعويض عن الإدانة الخاطئة يحتاج إلى تغيير، حيث أن اشتراط إثبات البراءة يقوض مبدأ افتراض البراءة، مما أدى إلى انخفاض في عدد الحاصلين على تعويض.

- تؤكد لويز هيويت أن المادة 133(1ZA) من قانون العدالة الجنائية تفرض معيارًا غير متناسب للتعويض، مما يعقد حصول المفرج عنهم على تعويض. دعت كيم جونسون إلى إصلاح عاجل للنظام الحالي.

قضى البريطاني جاستن بلومر 28 عاماً في السجن عن جريمة لم يرتكبها، بعد أن أُدين خطأً بجريمة قتل في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تُبطَل إدانته لاحقاً، ثم خرج ليُقال له رسمياً إنّ الدولة لا تدين له بشيء. فبعد أن أبطلت محكمة الاستئناف إدانته وأُطلق سراحه العام الماضي، رُفض منحه أي تعويض مالي عن سنوات سُلبت من عمره، لأن القانون في إنكلترا وويلز يشترط على المُفرج عنهم بعد الإدانة الخاطئة أن يُثبتوا براءتهم حتى بعد إسقاط الحكم.
يقول بلومر الذي يعاني من اضطرابات نفسية عميقة نتيجة سنوات السجن إنه لا يطلب تعويضاً عن حياة ضاعت ولا عن أحلام لا تُستعاد، بل عن علاجٍ يرى أنه ضرورة لا رفاهية، غير أن البراءة القضائية لم تكن كافية لإقناع الدولة بتحمّل مسؤولية الخطأ.
بدوره، يقول سام دوليو من مؤسسة "فيوتشر جاستس" التي تتولى أمانة سر المجموعة البرلمانية المعنية بالأخطاء القضائية، لـ"العربي الجديد"، إنّ معيار التعويض عن الإدانة الخاطئة يحتاج إلى تغيير عاجل، معتبراً أنّ اشتراط إثبات البراءة "بما لا يدع مجالاً للشك" بعد إسقاط الحكم القضائي "يقوّض مبدأ افتراض البراءة حتى تثبت الإدانة". ويوضح أن هذا المعيار الذي أُدخل عام 2014 أدّى إلى انهيار شبه كامل في أعداد الحاصلين على تعويض، نظراً لاستحالة اجتيازه قانونياً، مشيراً إلى أنه لا يُطلب من المتّهم في أي مرحلة أخرى من الإجراءات الجنائية أن يُثبت براءته، فضلاً عن إثباتها بهذا المستوى العالي.
ويرى دوليو أنّ فداحة هذا الخلل تتّضح تاريخياً، إذ إنّ العديد من أخطر الأخطاء القضائية في تاريخ بريطانيا ما كانت لتؤدي إلى تعويض ضحاياها لو طُبِّق هذا المعيار، وعلى رأسها قضية "برمنغهام سيكس"، وهي قضية ستة مواطنين بريطانيين من أيرلندا الشمالية أُدينوا خطأً في سبعينيات القرن الماضي بتفجيرات نفذها الجيش الجمهوري الأيرلندي، قبل أن تُبطَل إدانتهم بعد سنوات طويلة من السجن، وساهمت طريقة التعامل معها لاحقاً في إنشاء لجنة مراجعة القضايا الجنائية البريطانية.
ويستشهد دوليو بحالة البريطاني بيتر سوليفان الذي أمضى 28 عاماً في السجن قبل أن تُبطَل إدانته العام الماضي في جريمتَي اغتصاب وقتل لم يرتكبهما، لافتاً إلى أن الحد الأقصى للتعويض، حتى لو مُنح، لا يتجاوز 26 ألف جنيه إسترليني (نحو 35 ألف دولار) عن كل سنة سجن، وهو مبلغ لا يكاد يعادل الحد الأدنى للأجور، فضلاً عن أن سوليفان لم يحصل على أي تعويض رغم مرور قرابة عام على الإفراج عنه. وخلص إلى أن سقف التعويض يجب أن يُرفع بشكل كبير ليعكس الأثر المدمّر للإدانة الخاطئة على حياة الأفراد، مؤكداً أن تعويض من ظُلموا على يد الدولة "لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتحقيق وفورات مالية لأي حكومة".

يُطالب الضحايا بإعادة إثبات ما حُسم قضائياً، لندن، 1 أكتوبر 2025 (ستيف تايلور/Getty)
يُطالب الضحايا بإثبات ما حُسم قضائياً، لندن، 1 أكتوبر 2025 (ستيف تايلور/Getty)

من جهتها، تقول أستاذة القانون، مديرة مشروع "إنوسنس بروجيكت لندن" لويز هيويت، لـ"العربي الجديد"، إنّ المادة 133(1ZA) من قانون العدالة الجنائية البريطاني "أحدثت انحرافاً جوهرياً عن أصول الإجراءات المدنية"، عبر إلزام المتقدمين بطلب التعويض باستيفاء معيار الإثبات الجنائي القائم على "ما لا يدع مجالاً للشك"، ضمن مسار مدني وإداري، ما يجعل نظام التعويض غير متناسب، لا مع هدف حماية المال العام ولا مع حصر التعويض بمن ثبتت براءتهم فعلياً".
وبحسب خبراء قانونيين، يعني هذا الخلط عملياً أنّ من أُفرج عنه بحكم قضائي نهائي بعد إدانته خطأً يُعامَل في ملف التعويض كما لو كان لا يزال متّهماً، لا متضرّراً من خطأ الدولة. هكذا، لا تنتهي الإدانة الخاطئة بقرار الإفراج، بل تتحوّل إلى مسار إداري طويل من الرفض. فالشخص الذي خرج من السجن بلا مال ولا دعم، يُطالب بإعادة إثبات ما حُسم قضائياً، من دون أدوات التحقيق، ومن دون موارد الدولة، والزمن الذي سُلب منه أصلاً.

وتكشف قصّتا جاستن بلومر وبيتر سوليفان عن نمط أوسع من الأخطاء القضائية التي تنتهي بإسقاط الإدانة من دون جبر الضرر، ففي نظام قانوني يعترف بالخطأ من حيث المبدأ، لا يزال التردد قائماً في تحمّل تبعاته المالية والإنسانية، وهو ما أعاد ملف التعويض عن الإدانة الخاطئة إلى صدارة الجدل البرلماني.
وخلال اجتماع عقدته المجموعة البرلمانية المعنية بالأخطاء القضائية في 9 فبراير/شباط الماضي، استمع النواب إلى شهادات ثلاثة رجال أُبطلت إدانتهم خلال العامين الماضيين، من دون أن يحصل أيٌّ منهم على تعويض مالي. ودعت رئيسة المجموعة البرلمانية المعنية بحالات الإجهاض القضائي كيم جونسون إلى إصلاح عاجل لما وصفته بـ"القسوة غير المعقولة" في نظام التعويض الحالي، معتبرةً أنّ تعديل القانون عام 2014 نقل عبء الخطأ من الدولة إلى الضحايا، عبر إلزامهم بإثبات براءتهم "بما لا يدع مجالاً للشك"، رغم إسقاط إدانتهم بحكم قضائي نهائي. وأضافت جونسون أن هذا المعيار القانوني أدّى عملياً إلى انهيار شبه كامل في عدد المستفيدين من التعويض، تاركاً المُفرج عنهم يواجهون الإفراج بلا دعم مالي أو نفسي، في وقت لا تزال فيه الدولة تتعامل مع الخطأ القضائي بوصفه خللاً إجرائياً، لا مسؤولية تستوجب جبر الضرر.