المقترح الإيطالي بشأن المهاجرين "يختبر مياه" تونس

07 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 00:18 (توقيت القدس)
مخاوف من ملف المهاجرين غير النظاميين، تونس العاصمة، 2 مارس 2023 (حسن مراد/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تواجه تونس تحديات سياسية واقتصادية مع الاتحاد الأوروبي بسبب اقتراح إيطاليا إنشاء مراكز لإعادة المهاجرين، مما يضعها بين رفض دور "حارس حدود أوروبا" وضغوط التعاون الاقتصادي في ملف الهجرة.

- الاقتراح الإيطالي يمنح بروكسل وروما أدوات ضغط على تونس، حيث يربط الامتيازات التجارية بالتعاون في إعادة المهاجرين، مما يشكل تحدياً لتونس التي تعتمد على السوق الأوروبية.

- يحذر اقتصاديون من تأثير التوتر مع الاتحاد الأوروبي على الاستثمارات والصادرات التونسية، وسط رفض تونس أن تكون منطقة لتوطين المهاجرين، مما يثير جدلاً داخلياً.

يضع المقترح الإيطالي بإنشاء مراكز خارج أراضي الاتحاد الأوروبي لإعادة المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم، جملة تحديات أمام تونس، خصوصاً أنّ الأخيرة أكدت مراراً رفضها أن تكون "حارساً لحدود أوروبا" أو منطقة لتوطين المهاجرين.

تواجه تونس اختباراً سياسياً واقتصادياً جديداً في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، بعدما تقدمت إيطاليا في 4 أغسطس/ آب الجاري خلال انعقاد الاجتماع الطارئ لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، بمقترحٍ يدعو إلى إنشاء مراكز خارج أراضي الاتحاد لإعادة المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم أو إلى دول ثالثة "آمنة"، على غرار الاتفاق الذي أبرمته مع ألبانيا.

وتضمّ القائمة الأولية للدول المرشحة لاستضافة هذه المراكز؛ تونس وليبيا ومصر وموريتانيا والسنغال ورواندا وغانا وأوغندا وأوزبكستان وأرمينيا والجبل الأسود وإثيوبيا. ولا يقتصر المقترح الإيطالي على الجانب الأمني أو الهجرة، بل يتضمن أيضاً دعوة إلى التطبيق الصارم لنظام الأفضليات المعمم المعزز (GSP+) التابع للاتحاد الأوروبي، الذي يربط منح الامتيازات الجمركية والتجارية للدول النامية بمدى تعاونها في إعادة قبول المهاجرين غير النظاميين، وهو ما يثير المخاوف من استخدام أدوات التجارة والاقتصاد ورقة ضغطٍ لتحقيق أهداف تتعلق بسياسات الهجرة.

يأتي ذلك في وقت باتت إيطاليا الشريك الاقتصادي الأوروبي الأهم لتونس، سواء من حيث المبادلات التجارية أو الاستثمارات المباشرة، بما يجعل أي توتر في العلاقة بين البلدين قابلاً للانعكاس على قطاعات حيوية في الاقتصاد التونسي. وشهدت الأعوام الأخيرة انتقال العلاقة الأوروبية مع دول جنوب المتوسط من سياسة الحوافز المالية إلى ربط التعاون الاقتصادي بملفات الهجرة والأمن. فبعد توقيع مذكرة التفاهم بشأن الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين الاتحاد الأوروبي وتونس في يوليو/ تموز 2023، حصلت تونس على دعم مالي وتقني لتعزيز مراقبة الحدود والحد من الهجرة غير النظامية، لكن المقترح الإيطالي الجديد يمثل مرحلة أكثر تقدماً، إذ يربط بصورة مباشرة بين الامتيازات التجارية وبين التعاون في إعادة المهاجرين.

الصورة
خشية من توطين المهاجرين، تونس العاصمة، 16 يونيو 2026 (فتحي بلعيد/ فرانس برس)
خشية من توطين المهاجرين، تونس العاصمة، 16 يونيو 2026 (فتحي بلعيد/ فرانس برس)

يقول النائب التونسي السابق والناشط السياسي المهتم بملف الهجرة، مجدي الكرباعي، إنّ هذا الربط يمنح بروكسل وروما أدوات ضغط إضافية، خصوصاً بالنسبة للدول التي تعتمد بشكل كبير على الأسواق الأوروبية لتصريف صادراتها. ويضيف لـ"العربي الجديد": "لقد طرح وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوسي أمام مجلس الشؤون الداخلية الأوروبي مشروعاً لإنشاء مراكز أوروبية خارج حدود الاتحاد لمعالجة ملفات المرفوضين وإعادة المهاجرين غير النظاميين، على نمط الاتفاقية الإيطالية-الألبانية".

ويشير الكرباعي إلى أنّ إيطاليا تطرح آلية لإعادة المهاجرين، لا مشروع "توطين" بالمعنى الذي ترفضه تونس رسمياً، لافتاً إلى تحوّل نوعي في التصدير الثنائي للحدود نحو مأسسته على المستوى الأوروبي الجماعي. ويتحدث الكرباعي عن مصادر أوروبية تصف القائمة بأنّها "إرشادية" وغير نهائية، مشيراً إلى أنّ الاتصالات لا تزال في طور "اختبار المياه"، غير أنّ هذا الملف الأمني يترافق مع أداة اقتصادية ضاغطة تتعلق بالتسهيلات الجمركية ونظام الأفضليات المعمم المعزز الذي يربط تعرفات جمركية مخفّضة بتعاون الدولة الشريكة في استعادة رعاياها المقيمين بصفة غير قانونية في الاتحاد الأوروبي. ويتابع: "هذا الربط ليس افتراضياً في حالة تونس، بل يستند إلى وزن تجاري فعلي، حيث بلغت صادرات تونس نحو الاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 70.4% من إجمالي صادراتها، مقابل واردات تشكل 45% من إجمالي واردات البلاد".

ويرتبط أكثر من ثلثَي الصادرات التونسية بسوق واحد، وهو ما يمنح بروكسل رافعة تفاوضية حقيقية عبر التلويح بمراجعة أو تجميد امتيازات نظام الأفضليات المعمم المعزز الذي يتحوّل إلى أداة ضغطٍ غير معلنة، لدفع تونس نحو التعاون في منظومة مراكز الإعادة، حتى من دون إدراج ذلك شرطاً صريحاً في نص المقترح، بحسب الكرباعي.

ويمنح نظام الأفضليات المعمم المعزز (GSP+) امتيازاتٍ جمركية للدول النامية مقابل احترام جملة من الالتزامات الدولية في مجالات حقوق الإنسان والعمل والبيئة والحوكمة. ويرى الكرباعي أنّ أي ربط بين التعاون في ملف الهجرة والمزايا التجارية قد يضع تونس أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على مصالحها الاقتصادية ورفض تحويل أراضيها إلى منصة لمعالجة أزمة الهجرة الأوروبية. ويعتقد أنّ إدخال ملف الهجرة ضمن شروط الاستفادة من الامتيازات التجارية يمثّل تحوّلاً في السياسة الأوروبية، إذ تصبح التجارة أداة لتحقيق أهداف أمنية وسياسية، وليس وسيلة لتعزيز التنمية فقط.

ويحذّر اقتصاديون من أن أي توتر مع إيطاليا أو الاتحاد الأوروبي قد يؤثر على الاستثمارات الأجنبية وصادرات الصناعات التونسية، خصوصاً أنّ أوروبا تستحوذ على الجزء الأكبر من المبادلات التجارية التونسية. ويحمل المقترح أيضاً أبعاداً سياسية داخلية، إذ سبق للسلطات التونسية أن أكدت في أكثر من مناسبة رفضها أن تكون البلاد "حارساً لحدود أوروبا" أو منطقة لتوطين المهاجرين، مع التشديد على أن التعاون في مكافحة الهجرة يجب أن يحترم السيادة الوطنية. ومن المرجّح أن يثير أي حديث عن استضافة مراكز لإعادة المهاجرين جدلاً واسعاً داخل تونس، بالنظر إلى حساسية ملف الهجرة وارتفاع حدّة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد.

وخلال الأعوام الأخيرة، تحوّلت تونس إلى إحدى أبرز نقاط انطلاق المهاجرين نحو السواحل الإيطالية، سواء بالنسبة للمهاجرين التونسيين أو القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء. ورغم تشديد الإجراءات الأمنية بعد توقيع مذكرة التفاهم مع الاتحاد الأوروبي في صيف 2023، لم تتوقف محاولات العبور، بل تغيّرت مساراتها لتصبح أكثر خطورة، مع لجوء المهرّبين إلى استخدام قوارب أكثر هشاشة، أو الإبحار مسافاتٍ أطول لتجنّب الرقابة.

وتواصل السلطات التونسية بوتيرة متسارعة عمليات جمع المهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، تمهيداً لترحليهم نحو بلدانهم الأصلية. وفي يونيو/ حزيران الماضي، أكد المتحدث باسم الحرس الوطني التونسي، العميد حسام الدين الجبابلي، في تصريحات إعلامية، أنّ 27 ألف مهاجر عادوا طوعاً إلى بلدانهم انطلاقاً من تونس خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة.