الفلسطيني براء معالي… قصة شهيد مُسجّى أمام شقيقه الممرّض
استمع إلى الملخص
- اندلعت المواجهات بعد محاولة مستوطنين التقدم نحو منطقة "الدوار"، مما دفع الشباب الفلسطينيين، ومن بينهم براء، للتصدي لهم، حيث كان براء دائمًا في مقدمة المواجهات.
- أشار رئيس مجلس قروي دير جرير إلى أن استشهاد براء يأتي ضمن سلسلة اعتداءات متكررة من المستوطنين، حيث تشكل البؤرة الاستيطانية تهديدًا حقيقيًا لحياة الفلسطينيين.
لم يكن الممرّض الفلسطيني باسل خيري معالي (35 عاماً) يتوقع أن تتحوّل ليلته خلال دوام عمله في مجمع فلسطين الطبي بمدينة رام الله، إلى واحدة من أقسى اللحظات في حياته، فبعد أن استُدعي، مساء أمس الأحد، لمتابعة حالة شقيقه براء (24 عاماً) الذي أُصيب برصاص الاحتلال الإسرائيلي، كانت الصدمة بأنّ براء فاقد للوعي، حالته حرجة جداً، قبل أن يُعلن استشهاده بعد دقائق.
وكان براء قد أصيب بالرصاص الحيّ الذي أطلقته القوات الإسرائيلية في مسقط رأسه بقرية دير جرير، شرق رام الله، وسط الضفة الغربية، وذلك خلال مواجهات مع جيش الاحتلال والمستوطنين، ما تسبّب بجروح خطيرة في صدره، نُقل على أثرها إلى مركز طبي في بلدة سلواد المجاورة، ثم إلى مجمع فلسطين الطبي، حيث واجه شقيقه باسل لحظات قاسية لا تُنسى.
يقول عمّ الشهيد، أحمد علي معالي (أبو علي)، في حديث خاص لـ"العربي الجديد": "انهارت العائلة بأكملها لحظة معرفة الخبر، لكنّ ما مرّ به باسل كان الأصعب. كانت لحظات صادمة على باسل الذي كان الأشدّ انهياراً، إذ من الصعب تخيّل ممرض يحاول إسعاف شقيقه وهو بين الموت والحياة".
ويوضح أبو علي أنّ براء نُقل بداية إلى مركز طبي في بلدة سلواد، إثر إصابته الخطيرة، ثم حُوّل إلى مستشفى رام الله بحالة حرجة جدّاً. وعلى الرغم من محاولة البعض تخفيف معاناة باسل بإبلاغه أنّ إصابة شقيقه كانت في الكتف فقط، غير أنّ الحقيقة الموجعة ظهرت فور وصول براء إلى الطوارئ، حيث وجده باسل شبه فاقد للحياة، فهرع لعلاجه لكن من دون جدوى، بينما كانت شقيقته تحاول إنعاش قلبه، قبل أن يستشهد.
ووفق رواية عمّه، أُصيب براء خلال مواجهات اندلعت بعدما حاول مستوطنون من البؤرة الاستيطانية الجديدة، المُقامة على جبل "تل العاصور" من أراضي بلدة سلواد وقرية دير جرير، التقدّم نحو منطقة "الدوار" في المنطقة الغربية من دير جرير، وهو موقع يشهد توتراً مستمراً منذ إقامة البؤرة وفتح الطرق المؤدية إليها.
ويضيف أبو علي: "هاجم المستوطنون المنطقة الغربية من القرية، وحينما سمع الشبّان الخبر خرجوا للتصدّي لهم، وكان براء مثل عادته معهم. فهو كان يشارك في كل شيء، من غِيرته على أرضه ووطنه. وعندما وصل المستوطنون إلى جانب منزله قبل استشهاده بيوم، كان براء يردّد بأنّ الموت خارج منزله أشرف من أن يقتحمه المستوطنون".
وبشهادة أهل بلدته ومحبّيه، كان براء طالباً في تخصص إدارة الأعمال بجامعة بيرزيت، معروفاً بنشاطه وحبّه لقريته وأرضه، لم يتردّد يوماً في الذهاب إلى نقاط المواجهة كلما شعر بأي تهديد يخيّم على بلدته أو منازل أهلها. وقد ترك استشهاده وجعاً كبيراً لدى العائلة وكل من عرفه.
وكانت العائلة قد أرجأت موعد تشييع براء حتى يوم غد الثلاثاء، بانتظار وصول عدد من إخوته وأخواته من الولايات المتحدة الأميركية، الذين أصرّوا على إلقاء النظرة الأخيرة وتحية الوداع على شقيقهم الشهيد قبل أن يُوارى الثرى. وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإنّ عدد الشهداء في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحتى 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، بلغ 1,080 شهيداً.
ويرى رئيس مجلس قروي دير جرير، فتحي حمدان، أنّ استشهاد براء يندرج ضمن "مسلسل مستمر"، حيث تتكرر اعتداءات المستوطنين على الأهالي يومياً تقريباً. ويقول لـ"العربي الجديد": "بدأ المستوطنون يقتربون مؤخراً من منازل الأهالي، وينفّذون اعتداءاتهم، ما يشكل تهديداً مباشراً على حياة الفلسطينيين".
ووفقاً لحمدان، تقع هذه البؤرة الاستيطانية على تلّة مرتفعة تُعرف بـ"تل العاصور"، بين سلواد ودير جرير، ما يمنح المستوطنين قدرة على تنفيذ هجمات على المنطقة، حيث يرمون الحجارة على المنازل، ما يضطرّ الشبان الفلسطينيين إلى الدفاع عن أنفسهم، بينما يتدخل جيش الاحتلال لحماية المستوطنين، لتندلع مواجهات بين الجيش والمستوطنين من جهة والشباب من جهة أخرى، كما حدث مع براء الذي أُصيب برصاصة قنص من أحد جنود الاحتلال، واستُشهد لاحقاً.
ويؤكد حمدان أن هذه البؤرة الاستيطانية صارت تشكل تهديداً حقيقياً لحياة الفلسطينيين في المنطقة، إذ أسفرت عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين في الموقع ذاته خلال الأشهر الماضية، وهم؛ براء معالي، وجهاد عجاج، ومحمد علوي. ويوضح أنّ تلك البؤرة الاستيطانية مكوّنة من مبنى واحد فقط إلى جانب مقطورتين (كرفان) تُستخدم "مدرسة دينية"، مؤكداً أن ما يحدث عملية منظّمة للسيطرة على مساحة واسعة تصل إلى نحو ألف دونم من أراضي المنطقة.