العراق: مطالبات بحماية قانونية للفتيات من التحرش

03 يناير 2026   |  آخر تحديث: 13:51 (توقيت القدس)
ضرورة حماية الفتيات من كل أشكال التحرش، بغداد، 15 ديسمبر 2025 (مرتضى السوداني/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أثارت حادثة التحرش بفتاة في كورنيش البصرة غضباً شعبياً واسعاً، مما دفع ناشطين للمطالبة بتشديد العقوبات وسد الثغرات القانونية لحماية الفتيات في الأماكن العامة.
- أعلن محافظ البصرة عن إلقاء القبض على 17 شخصاً متورطين في الحادثة، مشدداً على أهمية إصلاحات قانونية واضحة لتعزيز ثقة الضحايا بجدوى التبليغ.
- يشير الخبراء إلى غياب تعريف واضح للتحرش في القانون العراقي، مما يساهم في تفشي الظاهرة ويحد من مشاركة النساء في الفضاء العام، مع دعوات لتشديد العقوبات.

أعادت حادثة التحرّش بفتاة ليلة رأس السنة الميلادية في منطقة كورنيش البصرة، أقصى جنوبي العراق، ملف حماية الفتيات في الأماكن العامة، إلى واجهة الجدل المجتمعي والقانوني في البلاد. وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوراً يظهر مجموعة من الشبان يتحرشون بالفتاة بينما تصرخ وتستغيث، في مشهد أثار صدمة وغضباً شعبياً واسعاً، ومطالبات متزايدة بتشديد العقوبات وسد الثغرات القانونية التي تسمح بتكرار مثل هذه الحوادث دون رادع فعلي.

وتحوّلت الحادثة خلال ساعات إلى قضية رأي عام، دفعت ناشطين ومدونين ومنظمات مجتمع مدني إلى إطلاق مطالبات واسعة بحماية الفتيات وتشديد القوانين الخاصة بالتحرّش. ورأى هؤلاء أن ما جرى لا يمكن فصله عن سياق أوسع من ضعف الردع القانوني والتراخي تجاه الانتهاكات التي تتعرض لها النساء، ولا سيّما القاصرات، في الفضاءات العامة.

وعلى إثر ذلك، أعلن محافظ البصرة أسعد العيداني، مساء أمس الجمعة، إلقاء القبض على 17 شخصاً على خلفية حادثة التحرش، مؤكداً في بيان أنّ "الأجهزة الأمنية تحركت فور وقوع الحادثة، وتمكنت بعد المتابعة والتحقيق من تحديد المتورطين وإلقاء القبض عليهم، وستتخذ الإجراءات القانونية بحقهم وفقاً للقانون".

وشدّد المتحدث على أن "الحكومة المحلية لن تتهاون مع أي سلوك يمس الآداب العامة أو يخل بالأمن المجتمعي"، مؤكداً "أهمية الحفاظ على سلامة المواطنين، ولا سيّما في الأماكن العامة التي تشهد تجمعات كبيرة خلال المناسبات، وأن القوات الأمنية كثفت من انتشارها في المناطق الترفيهية وأماكن التجمعات بهدف ضمان أمن العوائل والزائرين ومنع تكرار مثل هذه الحوادث".

لا أمان للفتيات من دون حماية قانونية

ورغم الترحيب الشعبي بسرعة التحرك الأمني، يرى مواطنون وخبراء مجتمعيون أن المعالجات الأمنية وحدها لا تكفي ما لم ترافقها إصلاحات قانونية واضحة ورسائل ردع صريحة. وقالت الباحثة المجتمعية، مها المعموري، لـ"العربي الجديد"، إنّ "تكرار حوادث التحرش ولا سيّما تلك التي تطاول قاصرات يعكس خللاً مركباً يتداخل فيه ضعف النصوص القانونية وبطء الإجراءات وثقافة الصمت أو التبرير المجتمعي، وهو ما يخلق بيئة تسمح للجناة بالإفلات من العقاب أو تقليل كلفة الفعل المرتكب".

وأضافت، أن "غياب قانون واضح ومحدّد لتعريف التحرش وأشكاله، يسهم في تشويش الوعي العام، ويضعف ثقة الضحايا بجدوى التبليغ، خاصة في مجتمع قد يحمّل الفتاة أو عائلتها عبئاً اجتماعياً إضافياً"، مؤكدة أن "الحوادث المتكررة تؤثر سلباً على شعور الأمان لدى العائلات، وتحد من مشاركة النساء والفتيات في الفضاء العام، بما ينعكس على النسيج الاجتماعي ككل".

دعوات لتشديد العقوبات القانونية

من جانبه، أكد الخبير القانوني معتز السلامي، أهمية تشديد العقوبات القانونية لمنع ظاهرة التحرش التي بدأت تتفشى في المجتمع على نحوٍ مثير للقلق، وقال لـ"العربي الجديد"، إن "عدم وجود تعريف واضح للتحرش ضمن القانون العراقي يعد مشكلة قانونية، إذ إنّ المادة 402 من قانون العقوبات تعالج بعض السلوكيات المنحرفة التي تخل بالآداب العامة، بعقوبات بسيطة، وهي لا تتناسب مع حجم الضرر والأثر النفسي والمجتمعي الناجم عن التحرش"، مشيراً إلى أن "قانون العقوبات العراقي الصادر منذ العام 1969 بات اليوم بحاجة إلى تعديلات كثيرة وتحديث يتناسب مع التحولات التكنولوجية والاجتماعية التي اختلفت في الوقت الحالي عمّا كانت عليه في القرن الماضي".

ومما يثير القلق أيضاً، تعامل المجتمع العراقي مع التحرش باعتباره سلوكاً أو تصرفات فردية، لكن مع ضعف المساءلة، تحوّل تدريجياً إلى ظاهرة يومية تُمارس على مرأى من الجميع، في الأسواق والجامعات وفي وسائل النقل، وأحياناً في بيئات يُفترض بها أن تكون آمنة.

وتواجه جميع الفتيات والنساء هذا النوع من الأذى يومياً، وكثيرات منهنّ لا يخبرن أحداً لغياب الثقة في أنّ أحداً قد ينصفهنّ، أو حتى يصغي إليهنّ من دون أن يُلقي عليهن باللوم، وأحياناً خشية من ردّة فعل الأهل تجاه المتحرش.

التحرش يحجّم دور الفتيات في المجتمع

وتؤكد الناشطة في مجال حقوق المرأة، ميسم عبد الرزاق، أنّ التحرش بات مصدر قلق للفتيات وعوائلهن، وهو ما انعكس على تحركاتهن ودورهن في الحياة، وقالت لـ"العربي الجديد"، إن "كثيراً من الفتيات لا يخرجن من بيوتهن إلا للضرورة القصوى، بسبب التحرش سواء كان لفظياً أو أبعد من ذلك، وهو ما يتسبب لهن بإحراج وتقييد"، مشيرة إلى أننا "اليوم بحاجة ماسة إلى تحرك حقيقي لتشديد عقوبات رادعة لمنع هذه الظاهرة المخلة التي باتت حاجزاً بين الفتاة ودورها في المجتمع". وحمّلت الحكومة والجهات القضائية، مسؤولية "متابعة الملف وعدم إهماله، ومنع تأثيراته الخطيرة على المجتمع".  

ورغم أنّ العراق صادق على عدد من الاتفاقيات الدولية التي تحمي حقوق المرأة، لكن قانون العقوبات العراقي المعمول به لا يتضمن مصطلح "التحرش" صراحةً، لكنّه يعالج الأفعال المرتبطة به تحت مسمّى "الجرائم المخلة بالحياء" ويشمل عقوبات سجنية بين 3 و6 أشهر، مع غرامات مالية.