الحر يتمدد في فرنسا... جفاف قياسي وحرائق غابات مشتعلة
اتسعت موجة الحرارة المرتفعة في فرنسا لتضع 43 إقليماً تحت الإنذار البرتقالي، أمس الثلاثاء، فيما يرتفع العدد إلى 67 إقليماً اليوم الأربعاء، ما يعني أكثر من ثلثي أقاليم البلاد التي تدخل مرحلة جديدة من موجة الحر الشديد الرابعة منذ نهاية فصل الربيع مع توقعات بأن تصل الحرارة إلى 40 درجة مئوية في مناطق واسعة يومي الخميس والجمعة، قبل انخفاض محتمل خلال عطلة نهاية الأسبوع.
ويتزامن اشتداد الحرارة مع استمرار حريق جبال كلابس في إقليم دروم (جنوب شرق)، لليوم التاسع، إلى جانب توسع حدة الجفاف، وزيادة القيود الحكومية على استخدام المياه. وقالت لورين رونو، من هيئة الأرصاد الفرنسية، لـ"العربي الجديد"، إن "موجة الحر التي بدأت في 28 يوليو/ تموز الماضي، متواصلة المستوى الوطني، رغم الانخفاض المؤقت في معظم المناطق خلال الأسبوع الماضي، إذ بقي الجنوب الشرقي تحت تأثير درجات حرارة مرتفعة، ما حال دون تحقق شروط انتهائها".
وأضافت: "عادت الحرارة للارتفاع مجدداً، وستمتد خلال الأيام المقبلة نحو الغرب والشمال، وسجلت الموجة الحالية ذروتها الأولى في 29 يوليو الماضي، حين بلغت الحرارة 42.7 درجة في بليس (جنوب غرب)، وتجاوزت 40 درجة في مدن عدة. الخطر لا يتمثل في الحرارة وحدها، إذ أدى نقص الأمطار إلى جفاف التربة، وتدهور الغطاء النباتي في أنحاء البلاد، ما والغطاء النباتي الجاف أكثر قابلية للاشتعال. ارتفاع الحرارة أو اشتداد الرياح في ظل هذه الظروف يزيد احتمال اندلاع النيران، ويفاقم سرعة انتشارها، حتى في مناطق لم تكن تعرف سابقاً المستوى نفسه من حرائق الصيف".
تتابع رونو: "نقص الأمطار وجفاف التربة بلغا مستويات قياسية على الصعيد الوطني، وشهر يوليو الماضي بات ثالث الأشهر الأكثر جفافاً منذ بدء تسجيل معدلات الجفاف في عام 1959، كما سجل عجزاً في الأمطار بلغ 67% مقارنة مع المعدل السنوي المعتاد، في حين عانى نحو 30 ألف شخص في 80 بلدية من انقطاع مياه الصنابير، ما اضطر السلطات إلى تزويد السكان بالمياه المعبأة بالقناني أو بواسطة الصهاريج".
وأعلنت وزارة الانتقال البيئي، الاثنين، أن قيود استخدام المياه باتت تشمل نحو 70% من مساحة فرنسا، ووصلت مناطق في 67 إقليماً إلى أعلى الدرجات من القيود، حيث أعلنت السلطات تخصيص المياه للشرب واللوازم الصحية ومواجهة الحرائق، فيما تطبق مناطق في 21 إقليماً أخرى قيوداً أقل صرامة تشمل خفض ري المحاصيل ومنع ملء المسابح وغسل السيارات وسقي الحدائق".
في إقليم دروم، تمكن عناصر الإطفاء من تثبيت المساحة المحترقة عند 400 هكتار تقريباً، لكن الحريق بقي نشطاً، ولم تعلن السلطات السيطرة عليه بصورة كاملة، وحسب آخر حصيلة صدرت مساء الاثنين الماضي، ظل أكثر من 570 عنصر إطفاء في الموقع، تدعمهم خمس طائرات "كنداير" ومروحية لإلقاء المياه.
وأوقفت فرق الإطفاء إحدى جهات الحريق قرب بلدة بيلغارد أون ديوا، بينما واصلت إخماد بؤر ساخنة ونيران عادت إلى الظهور في نقاط متفرقة في تضاريس جبلية يصعب الوصول إليها. وأصيب سبعة من رجال الإطفاء بجروح منذ اندلاع الحريق في الثالث من أغسطس/آب الحالي، فيما ترجّح التحقيقات أن يكون أصله متعمداً بعد رصد نقطتَي اشتعال منفصلتين.
في الأثناء، تُواصل فرق الإطفاء مراقبة مواقع الحرائق الكبرى التي شملت مناطق واسعة في إقليمَي جيروند (جنوب غرب) وفار (جنوب شرق)، تحسباً لتجدد اشتعال النيران نتيجة اشتداد الحر. وأعلنت السلطات، الثلاثاء، إغلاق أربع غابات في إقليم فار بسبب ارتفاع خطر الحرائق إلى مستوى "شديد جداً".
وتعود آخر حصيلة حول أضرار الحرائق في فرنسا إلى 24 يوليو/ تموز، حين كشفت وزارة الداخلية بلوغ مجموع المساحات المحترقة منذ بداية العام الحالي 119 ألف هكتار، مع نحو 14 ألفاً و300 حريق. والمؤكد أن هذه الأرقام ارتفعت منذ ذلك الحين، بعد الحرائق العديدة التي اندلعت لاحقاً والتهمت مئات الهكتارات الإضافية.
وامتدت الأضرار إلى قطاع الزراعة، إذ تحدثت وزيرة الزراعة، آني جينفار، عن "انهيار إنتاج الخضروات خلال هذا الصيف"، وخسر المزارعون آلاف الأطنان من الخس والجزر والكراث والبصل والثوم، بينما فقدت مناطقُ عدة محاصيلَ القرنبيط والبروكلي والفاصولياء الخضراء، حتى في بعض الحقول التي استمر المزارعون في ريّها رغم أزمة المياه. ويتوقع أن تصل خسائر المزارعين إلى نحو نصف الإنتاج السنوي، بحسب منظمات المنتجين، في حين يُعرقل جفاف التربة الشديد زراعة محاصيل فصل الخريف في العديد من المناطق.
وبدأت سلسلة موجات الحر مبكراً في فرنسا هذا العام، مع موجة أولى شهدتها البلاد خلال الأيام العشرة الأخيرة من شهر مايو/ أيار، ناهزت الحرارة خلالها 38 درجة مئوية. ثم جاءت موجة النصف الثاني من يونيو/ حزيران، وتلتها موجة استمرت من 4 إلى 19 يوليو، قبل بدء الموجة الحالية في 28 يوليو، ليصبح الشهر الأكثر قيظاً في فرنسا منذ عام 1900، بمتوسط حرارة بلغ 24.9 درجة مئوية بين الليل والنهار.
وأحصت هيئة الصحة العامة الفرنسية 5764 وفاة زائدة خلال موجة يونيو الماضي، من دون أن يعني ذلك أن الحر كان السبب المباشر في وفاتهم جميعاً، فيما لم تصدر بعد حصيلة وفيات موجات الحر اللاحقة.