الحدود البولندية البيلاروسية… غابات تبتلع عشرات اللاجئين
- تصف بولندا الوضع بأنه "حرب هجينة"، حيث تستخدم الهجرة كوسيلة ضغط، مع بناء سياج فولاذي متقدم تقنياً، بينما توثق منظمات حقوقية انتهاكات تشمل الضرب والاحتجاز دون طعام أو ماء.
- منذ انتخابات بيلاروسيا 2020، زادت تدفقات المهاجرين، مما أدى إلى أزمة سياسية في الاتحاد الأوروبي، وسط انتقادات لبولندا التي علقت طلبات اللجوء رغم استقبالها لأكثر من مليون لاجئ أوكراني.
في الغابات الكثيفة على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا، لا تبدو الأزمة مجرد مسألة هجرة، بل تعكس مشهداً إنسانياً قاسياً يتكرر، إذ يتحول اللاجئون إلى كرة تتقاذفها الدولتان، فتدفعهم بيلاروسيا نحو الأسلاك الشائكة، وتعيدهم بولندا قسراً، في دوامة بلا نهاية واضحة.
يصف مهاجرون فلسطينيون ويمنيون وعراقيون عالقون في تلك المنطقة، ما يجري بأنه يشبه لعبة "بينغ بونغ" بلا قواعد ولا رحمة. يقول الفلسطيني محمد المنسي: "يجبر رجال ونساء وأطفال على عبور الغابات تحت التهديد، من دون أي فرصة حقيقية لطلب اللجوء. تتلاشى القوانين، ويصبح البقاء على قيد الحياة هو الهدف الوحيد. يعيش الآلاف في هذا الفراغ القاتل بعدما تبخرت آمالهم بالوصول إلى أوروبا، وسط تشدد الطرفين، ومنع شبه كامل لوصول الإعلام أو المنظمات الإنسانية".
وخلال سنوات قليلة، تغيّرت طبيعة الحدود جذرياً، وتحولت إلى سياج فولاذي بطول 186 كيلومتراً، وارتفاع يتجاوز خمسة أمتار، مغطى بالأسلاك الشائكة، ومدعوم بكاميرات حرارية وتراقبه طائرات مسيّرة، ما حوّل الغابة إلى خط مواجهة دائم. تصف السلطات البولندية ما يحدث بأنه "حرب هجينة" من قبل روسيا وبيلاروسيا، تُستخدم فيها الهجرة أداةَ ضغط سياسي. لكن على الأرض، يدفع المهاجرون الثمن. وتوثق تقارير منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" و"أوكسفام" نمطاً متكرراً من الانتهاكات، يشمل الضرب المبرح، وإطلاق الرصاص المطاطي، وإطلاق كلاب الحراسة، فضلاً عن الاحتجاز من دون طعام أو ماء، كما تُسجَّل حالات ترك أشخاص في العراء في جزء من سياسة "الإعادة القسرية" التي تحرم طالبي اللجوء من حقهم القانوني في تقديم طلبات الحماية.
وظهرت أخيراً تقارير حول مجموعات تقوم بدوريات، ويبلغون عن وجود المهاجرين، بعضهم يتبنى خطاباً معادياً للهجرة، والبعض الآخر يعتبر نفسه "مدافعاً عن الحدود".
ولا يتوقف الخطر عند الأسلاك الشائكة، فغابة بيالوفيزا، إحدى أقدم غابات أوروبا، تحولت إلى مصيدة للمهاجرين ناتجة من المستنقعات الباردة، والتضاريس الوعرة. يقول اللاجئ اليمني غسان، إنه عالق منذ أشهر بعد رحلة هجرة طويلة للوصول إلى ألمانيا، ويوضح: "نعيش في طقس بارد، مع نقص حاد في الغذاء والماء. هناك مرضى بلا علاج، وكثيرون يموتون من البرد أو الإرهاق أو الغرق".
وتشير التقديرات إلى أنّ نحو 130 لاجئاً لقوا حتفهم على الحدود منذ 2021، مع ترجيحات بأن العدد الحقيقي أكبر بسبب المفقودين والجثث غير المكتشفة في الغابات. وتناول تقرير لمنظمة "هيومان رايتس ووتش"، في 2024، تزايد الوفيات على الحدود نتيجة الكسور والجروح، وحالات انخفاض الحرارة، كما أن هناك إصابات تنتهي ببتر الأطراف.
يقول محمد المنسي: "مات البعض ودُفنوا من دون أن تعرف عنهم عائلاتهم شيئاً. هذه الغابات أصبحت مرادفاً للموت".
وإلى جانب عشرات الوفيات الموثقة، تتحدث منظمات حقوقية عن مئات المفقودين في الغابات الحدودية، بالتزامن مع غياب الوصول الإنساني، وصعوبة التوثيق، ما يجعل العدد الحقيقي للضحايا غير محدد. وتشير تقارير ميدانية إلى أن عمليات البحث عن المفقودين غالباً ما تقوم بها مجموعات من المتطوعين، مع غياب الجهود الرسمية تماماً.
ويؤكد العالقون أن المعاناة لا تنحصر في قسوة الطبيعة، بل تشمل العنف الرسمي من سلطات البلدين. يقول غسان: "كأنما اتفقا على إيذاء اللاجئين الضعفاء، رغم أنهما على طرفي نقيض في الشأن السياسي".
في بيلاروسيا، يمر اللاجئون عبر منطقة عسكرية تُعرف بـ"سيستيما" وهي متاهة من الغابات والتحصينات، حيث يقضون أسابيع من دون طعام كافٍ، وسط تقارير عن وقائع تعذيب واعتداءات، وإجبارهم مراراً على محاولة عبور السياج الحدودي.
وتعود جذور الأزمة إلى ما بعد انتخابات بيلاروسيا في عام 2020، والعقوبات الأوروبية على روسيا، حين لوّحت مينسك بفتح الطريق أمام اللاجئين. منذ ذلك الحين، تدفقت أعداد كبيرة من المهاجرين من الشرق الأوسط ودول أفريقيا نحو الحدود.
ورغم أن الأرقام لا تقارن بأزمة عام 2015، حين تدفق أكثر من مليون طالب لجوء على أوروبا، فإن تأثيرها السياسي كبير، إذ تحولت الهجرة إلى أداة ضغط جيوسياسي تكشف هشاشة الاتحاد الأوروبي، وتفاقم الانقسامات داخله.
وشددت بولندا أخيراً إجراءاتها إلى حد تعليق طلبات اللجوء مؤقتاً، في خطوة أثارت انتقادات قانونية واسعة، واعتبرت منظمات دولية القرار انتهاكاً للقانون، الأوروبي والدولي، لكن بروكسل أبدت تفهماً، في ظل تصاعد الضغوط السياسية وصعود اليمين المتطرف.
وتبرز المفارقة بوضوح عند مقارنة هذا التشدد مع استقبال بولندا أكثر من مليون لاجئ أوكراني منذ 2022، ما يطرح تساؤلات عميقة حول معايير الحماية ومن يستحقها.
تحولت الحدود البولندية - البيلاروسية إلى مرآة لأزمة أعمق سببها هو الصراع بين القيم والمصالح، وبين القانون والواقع. لا يُترك اللاجئون فقط خلف الأسلاك، بل داخل منظومة تنتج الخطر، وتشمل العزلة، والجوع، والبرد، والخوف. ولم يعد السؤال ما إذا كان اللاجئون يُستخدمون ورقةَ ضغط، بل ما إذا كانت أوروبا نفسها تنزلق نحو قبول هذا النموذج. فحين تتحول "الاستثناءات" إلى سياسة، ويُبرر العنف بأنه ضرورة، يصبح الخطر وجودياً على القيم الأوروبية ذاتها.