البابا فرنسيس... سجالات واسعة صاحبت شعبية النيات الطيبة

كوبنهاغن
5698EA23-7F4D-47FA-B256-09D7BCA82E5A
ناصر السهلي
صحافي فلسطيني، مراسل موقع وصحيفة "العربي الجديد" في أوروبا.
21 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 22 أبريل 2025 - 08:42 (توقيت القدس)
وفاة البابا فرنسيس.. كيف كانت حقبته في الكنيسة؟
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تحديات وإصلاحات البابا فرانسيس: تولى البابا فرانسيس منصبه في 2013 كأول بابا من أمريكا اللاتينية، وواجه تحديات مثل الاعتداءات الجنسية ومحاولات إصلاح الفاتيكان والانفتاح على قضايا الفقر والتغير المناخي، رغم اعتبار بعض مواقفه براغماتية.

- مواقف مثيرة للجدل: عُرف بمواقفه المحافظة في قضايا مثل الإجهاض وزواج المثليين، مما أثار جدلاً بين الإصلاحيين والمحافظين، وحاول التوازن في قضايا مثل المثلية الجنسية.

- الحوار والسلام: ركز على تعزيز الحوار بين الأديان، خاصة مع المسلمين، وأدان الإسلاموفوبيا، ودعا لإنهاء الصراعات المسلحة، واهتم بالقضايا البيئية والاجتماعية.

كان البابا فرنسيس الأول، الراحل عن 88 عاماً، وتصريحاته وتصرفاته، مثار سجال كبير لن ينتهي بانتهاء حقبته التي شهدت اشتداد الجدل حول عدد من الأزمات التي تحاصر الكنيسة الكاثوليكية، والتي لم تبدأ معه ولا يتوقع أن تنتهي في عهد خليفته الذي يتوقع انتخابه في الفاتيكان بعد مدّة تتراوح ما بين 15 و20 يوماً.

أعلن الفاتيكان في بيان، اليوم الاثنين، وفاة البابا فرنسيس بعد معاناة من أمراض مختلفة خلال فترة بابويته التي استمرت 12 عاماً، وبعدما شهدت الأشهر الأخيرة وجوده لفترات متكررة في المستشفى للعلاج. وأتت وفاته غداة مشاركته، أمس الأحد، في احتفالية عيد الفصح بكاتيدرائية القديس بطرس وساحتها.

وفي آخر ما صدر عنه من تصريحات، شدد البابا فرنسيس في رسالة بمناسبة عيد الفصح، أمس الأول الأحد، على أهمية السلام، داعياً إلى إنهاء الصراعات المسلحة في مناطق عدة على رأسها غزة وأوكرانيا. وقال البابا في رسالته التي نشرها المكتب الصحافي للكرسي الرسولي: "أود أن نجدد أملنا في أن يكون السلام ممكناً. من كنيسة القيامة، حيث يحتفل الكاثوليك والأرثوذكس بعيد الفصح هذا العام في اليوم نفسه، قد يشع نور السلام في جميع أنحاء الأرض المقدسة والعالم بأسره".

عند استقالة بابا الفاتيكان الراحل بنديكتوس السادس عشر، في فبراير/شباط 2013، وهي الأولى منذ 600 سنة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، كان اسم الكاردينال الأرجنتيني خورخي ماريو بيرخوليو؛ بالكاد معروفاً في أوساط رعية الفاتيكان خارج بلده الأرجنتين وبعض مناطق إيطاليا، حيث مسقط رأس والده.

بعد رؤية الدخان الأبيض يتصاعد من مداخن الفاتيكان في مارس/آذار 2013، صار اسمه الجديد "فرنسيس" ليصبح البابا رقم 266 في تاريخ الفاتيكان، والبابا الأول القادم من أميركا اللاتينية.

وُلد البابا فرنسيس في 17 ديسمبر/كانون الأول 1936، في الأرجنتين، وكان والده عامل سكك حديد إيطاليا، هاجر إلى هناك وتزوج أرجنتينية. أنهى دراسة اللاهوت في "فيلا ديفوتو" شمال العاصمة بوينس آيرس، وانخرط مبكراً في عمله الديني، فأصبح في عام 1958 عضواً في "جمعية يسوع"، وهي منظمة كاثوليكية تأسست في عام 1534، وفي عام 1969 أصبح كاهناً، وبين 2001 و2013، كان يشغل منصب الكاردينال في الأرجنتين.

بعد أقل من عشر سنوات من تولي منصب البابا، وتحديداً في صيف 2022، تصاعدت التكهنات التي تعتبر أن فترته قد شارفت على الانتهاء، رغم نفيه نيته ترك منصبه، كما فعل البابا بنديكتوس، نتيجة مشاكل صحية تؤثر على حركته.

بين أتباع المذهب الكاثوليكي المقدرين بنحو 1.2 مليار إنسان حول العالم، كان الكاردينال خورخي يثير جدلاً بسبب مواقفه "المحافظة" في نظر الإصلاحيين، في ما يتعلق بالسجال حول رفضه المبكر للإجهاض، أو القتل الرحيم، فضلاً عن رفض زواج المثليين جنسياً. في 2010، أصدرت الحكومة الأرجنتينية قانوناً يسمح بزواج المثليين، فرفض القرار وشكل موقفه بذرة عداء بينه وبين الرئيسة كريستينا فرنانديز دي كيرشنر. في رسالة وجهها إلى الأديرة الكاثوليكية في ذلك العام، قال الكاردينال: "دعونا لا نكون ساذجين، نحن لا نتحدث عن معركة سياسية بسيطة، إنه ادعاء هدام ضد خطة الرب. نحن لا نتحدث فقط عن قانون، بل عن مؤامرة من والد الكذب الذي يسعى إلى إرباك وخداع أولاد الرب". وردت حكومة بوينس آيرس على تلك الرسالة بالقول إن "موقف الكنيسة يذكرنا بالعصور الوسطى، ومحاكم التفتيش".

صلاة ودعوات للبابا فرنسيس خارج مستشفى جيميلي، 21 فبراير 2025 (Getty)
صلوات على نيّة البابا فرنسيس أمام المستشفى حيث كان يرقد في مدينة روما الإيطالية، فبراير 2025 (Getty)

مع إعلانه البابا الجديد في 2013، نبش خصومه مواقفه السابقة من الطغمة الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين بين 1976 و1983، وأكد منتقدوه أن تلك الفترة التي شهدت مقتل واختفاء نحو 33 ألف شخص مرت دونما أي موقف من الرجل الذي كان رئيساً للرهبانية اليسوعية.

في روما، كانت الأسئلة في أروقة الفاتيكان تتزايد حول الحمل الكبير الذي تركه البابا بنديكتوس لخلفه، وللمؤسسة كلها، خصوصاً ما يتعلق بالإصلاح والانفتاح في الفاتيكان، وفي عموم الكنيسة الكاثوليكية، والتي تواجه عواصف عاتية بسبب صراعات السلطة، وملف الاعتداءات الجنسية، إضافة إلى اتهامات بالفساد، وربط بعض رجال الفاتيكان بالمافيا، وبجرائم غسيل أموال، وغيرها من القضايا.

أثار اختيار البابا فرنسيس جدلاً، لكن ذلك الجدل منحه الوقت لإظهار الكيفية التي سيتعامل بها مع ما ورثه من البابا الراحل، فالكنيسة كانت تواجه نقصاً في أعداد الكهنة، ويتوالى الكشف عن فضائح الاعتداءات الجنسية على الأطفال من جانب بعض القساوسة حول العالم. ألبس البعض البابا فرنسيس عباءة "التقدمية" على أمل أن يقوم بالتجديد المطلوب في الفاتيكان، لكن بعد عامين فقط من تولي المنصب، كان الوجه "البراغماتي" للبابا يظهر أكثر من "التقدمي"، ومن ذلك ظهوره بحذاء رياضي، والتعبير عن عشقه لكرة القدم.

شموع تظهر البابا فرنسيس خارج المستشفى، في 22 فبراير 2025 (Getty)
شموع وأزهار تركها مؤمنون أمام مستشفى "أغوستينو جيميلي" حيث كان البابا فرنسيس يتلقّى علاجه في مدينة روما الإيطالية، فبراير 2025 (Getty)

في البداية، شعر البعض بأن فترة البابا فرنسيس ستكون شبيهة بـ"بيروسترويكا" (إعادة بناء)، استعارة من شعار عهد آخر رئيس للاتحاد السوفييتي، وأكد البعض الآخر أنها ستكون "براغماتية" أكثر من كونها إصلاحية. في تعامله مع إحدى أكثر القضايا التي أثارت صداعاً في الفاتيكان، وهي قضية الاعتداءات الجنسية على الأطفال، طغى على تصريحات البابا كثير من التواضع، وتكرار طلب الصفح عن آلاف الضحايا، كما عبر الفاتيكان عن تأييده للتحقيقات، وامتنانه لشجاعة الضحايا الذين أدلوا بشهاداتهم، واعتبرها "نتيجة جزئية للأخلاق الجنسية الفضفاضة التي ظهرت في الستينيات، عندما أصبحت الكنيسة أقل دوغماتية"، كما التقى بالضحايا مرات عدة، لكن ذلك لم يقلص حجم الغضب من تغاضي الكنيسة لعقود عن ممارسات الكهنة المعتدين.

أقر البابا عقوبات أشد على الكهنة الذين يعتدون على الأطفال، وجعل من الصعب على الأساقفة التستر على الجريمة، رغم صعوبة تقبل آخرين في الكنيسة هذا الانفتاح على القضية الحساسة التي تسيء إلى هيبة الكنيسة.

كان الأمر مختلفاً في قضية المثلية، إذ حاول بابا الفاتيكان التوازن، وانتقل من اعتبارها "عملاً شيطانياً"، إلى القول إنه "إذا كان الشخص مثلياً ويسعى للرب، فمن أنا لأحكم؟"، فيما تواصل الامتعاض الكنسي من زيادة الضغوط للتسامح مع المثليين، بل و"مباركة زواجهم".

ولا يمكن التقليل من تأثير تصريحات ومواقف البابا على ملايين البشر حول العالم. وقد انخرط في التعبير عن مواقف تعارض الحروب، ولم يتوان عن توبيخ السياسات الغربية حيال مآسي اللاجئين والمهاجرين، وقبل إقرار اتفاق باريس للمناخ، كان يتحدث عن التأثيرات المناخية، وآثارها السلبية على المجتمعات، داعياً الأثرياء لاستثمار الأموال في محاربة الفقر، وفي مؤتمر مناخي في ميلانو، في 2021، التقى الناشطة السويدية غريتا ثونبرغ ونشطاء آخرين، معتبرا أن "الشباب يتحدون عالم الكبار".

منظر عام لكاتدرائية القديس بطرس وصور البابا، 22 فبراير 2025 (Getty)
ساحة القديس بطرس في الفاتيكان، إيطاليا، 22 فبراير 2025 (Getty)

وبرز البابا فرنسيس في مجال الحوار بين الأديان، ومنذ 2019، يكرر البابا أهمية الحوار مع المسلمين، كما أكد شعوره بالغضب من "الإسلاموفوبيا"، وأشار مراراً إلى أخطاء تُرتكب بحق المسلمين، وخصوصا جعل الإرهاب كأنه جزء من الدين الإسلامي، كما أدان "الإرهاب المسيحي" الذي يستهدف ويحرض على المسلمين في المهجر.

لكن بالنسبة لموقفه من رسامة النساء في الكنائس، فالأمر مبهم، وتتأرجح مواقفه بين المعارضة والموافقة، لكنه فتح الباب لإمكانية مناقشة وضع النساء أثناء مؤتمر كنسي في 2021، حين شكلت لجنة لدراسة الأمر، وكرر بعد ذلك موافقته على أن تصبح المرأة كاهناً أو شماساً.

في المقابل، أظهر البابا فرنسيس عودة إلى بعض سياسات البابا الأسبق يوحنا بولس الثاني، فعلى عكس سلفه الألماني بنديكتوس السادس عشر، أظهر فرنسيس اهتماماً بالسياسة الخارجية وبقضايا التغير المناخي، وتحدث عن مخاطر الحروب والتضامن مع المهاجرين واللاجئين، وحاول منع توسيع النزاعات المسلحة، ومن ذلك وقوفه ضد التدخل العسكري في سورية، ولقاؤه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للحديث في هذا الشأن. وفي نهاية 2014، توسط بين كوبا والولايات المتحدة.

اكتسب البابا شعبية متزايدة بسبب تسليطه الضوء على قضايا الفقراء، ومن يعانون من ويلات الحروب والتهجير والكوارث، إضافة إلى التمسك بمظهر تجديدي مهتم بالقضايا الجدلية، ما جعله يعيد في وقت قياسي بعض ما خسره الفاتيكان خلال السنوات العشر السابقة على توليه. لكن ذلك لم ينهِ القضايا المعقدة المتعلقة بجوهر الصراعات الداخلية، والتعاطي معها.

تركيز البابا على القضايا الكبرى، مثل أزمة المناخ، اعتبرها معارضوه محاولة للهروب من مواجهة الإرث الثقيل للفاتيكان، ما اضطره إلى أن يحرك الركود، فتناول قضايا كانت أشبه بالـ"تابوهات"، مثل أعداد أعضاء الكنيسة، وقضايا المثلية الجنسية، والنزاعات الداخلية.

لاحقاً، تراجعت الشكوك حول البابا الذي اعتبر أن مهمته نفض الغبار عن الكنيسة قبل أن تتداعى، كل ذلك وسط عواصف من الفضائح. لكن الغبار الذي يتطاير في أجواء الفاتيكان، ومحاولة اعتبار تعاليم الكنيسة "رجعية وقديمة" من التجديديين والعلمانيين، يبدو من الصعب تجاوزهما، ويجعلان الجالس على رأس الفاتيكان كمن يسير في حقل ألغام، فالكنيسة الكاثوليكية تواجه تحديات علمنة المجتمعات، واستدراج البروتستانت التبشيريين الذين ينشطون في مجتمعات عدة.

The website encountered an unexpected error. Please try again later.