الأربعاء الأسود... استجابة طبية فاعلة في لبنان وخشية من استمرار المجازر

09 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 20:36 (توقيت القدس)
أمام أحد مستشفيات بيروت، 8 إبريل 2026 (فضل عيتاني/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تصعيد إسرائيلي وضغط على المستشفيات: شهد لبنان غارات إسرائيلية مكثفة على مائة موقع، مما أدى إلى سقوط 303 شهداء و1150 جريحاً، وهو التصعيد الأعنف منذ 1982، مما زاد الضغط على المستشفيات.

- استجابة المستشفيات والطواقم الطبية: تمكنت المستشفيات في بيروت من استيعاب الأعداد الكبيرة من الجرحى بفضل خطة الطوارئ، رغم تحديات تأمين وحدات الدم الكافية.

- دور الصليب الأحمر والمنظمات الإنسانية: لعب الصليب الأحمر دوراً حيوياً في نقل المصابين وتوفير وحدات الدم، بينما نددت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالدمار، مؤكدة الحاجة لوقف العنف.

لم يكن الأربعاء الأسود أول محطة مأساوية في تاريخ مستشفيات لبنان التي باتت أكثر صلابة في مواجهة الكوارث وإغاثة أعداد هائلة من المصابين، عقب تجربة انفجار مرفأ بيروت وتفجيرات البيجر واللاسلكي. غير أن الغارات الوحشية أثارت الذعر من تكرار الإجرام الإسرائيلي بحق المدنيين وتفلّت الوضع الصحي.

في غضون عشر دقائق أمعن الطيران الحربي الإسرائيلي، أمس الأربعاء، في ارتكاب مجازر متنقلة وجرائم حرب موصوفة في مختلف أنحاء لبنان، ما أدى إلى تسجيل مئات الشهداء والجرحى. يوم أسود جديد عاشته مستشفيات لبنان والطواقم الطبية والتمريضية عقب استهداف قوات الاحتلال، وبوقت متزامن، مائة موقع في بيروت وضواحيها ومناطق عدّة في وسط البلاد وجنوبها، زاعمةً ضرب أهداف لحزب الله.

وفي تصعيد غير مسبوق منذ تجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2 مارس/آذار الماضي، شهدت العاصمة اللبنانية الهجوم الأعنف والأوسع منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، في مشهدية أليمة أعادت إلى أذهان اللبنانيين حجم الفوضى والدمار والذعر في الرابع من أغسطس/آب 2020، ذلك اليوم المشؤوم عندما انفجر مرفأ بيروت وتسبّب بكارثة إنسانية مروّعة، بوصفه أحد أكبر الانفجارات غير النووية في العالم، وذكّرتهم كذلك بالرعب الذي رافق تفجيرات أجهزة البيجر واللاسلكي عام 2024.

يومٌ عصيب آخر اختبرته المستشفيات الحكومية والخاصة في بيروت وخارجها، إذ غصّت بأعداد هائلة من الجرحى والمصابين الذين سارعت فرق الإغاثة والإسعاف والإنقاذ إلى انتشالهم من تحت الأنقاض ووسط الركام، في ظل ظروف ميدانية بالغة الخطورة والتعقيد، ونقلهم إلى أقرب مستشفى ضمن نطاق المنطقة المستهدفة، بينما أعلنت الحكومة اللبنانية أمس، الخميس يوم حدادٍ وطني على ضحايا الغارات الإسرائيلية.

وفي حديث خاص لـ"العربي الجديد"، يوضح نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة في لبنان ومدير عام المستشفى اللبناني الجعيتاوي الجامعي في بيروت، الدكتور بيار يارد، أن "الثامن من إبريل/نيسان الجاري كان يوماً صعباً على المستشفيات، إنما الحالات والكوارث المماثلة التي مرّت على لبنان جعلتها معتادة على هذه الظروف، بحيث كانت على جهوزية تامّة، وتمكنت الطواقم الطبية والتمريضية من القيام بواجباتها وتقديم الخدمات العلاجية لجميع الجرحى والمصابين من جراء الغارات الإسرائيلية".

ويضيف: "لم نضطر كثيراً إلى نقل مرضى من مستشفيات بيروت إلى خارج العاصمة، رغم أن مستشفيات بيروت اكتظت بشكل كثيف، غير أنها استوعبت الأعداد الهائلة. ولكن مثلاً جرى تحويل مرضى من مستشفى الزهراء الجامعي في منطقة الجناح في بيروت إلى مستشفى الجعيتاوي في منطقة الأشرفية، بمعنى أنه جرت عمليات النقل من مستشفى إلى آخر ضمن نطاق العاصمة".

الصورة
مهام إنقاذ بعد غارة إسرائيلية في بيروت، 8 إبريل 2026 (يارا ناردي/رويترز)
مهام إنقاذ بعد غارة إسرائيلية في بيروت، 8 إبريل 2026 (يارا ناردي/رويترز)

ويتحدث يارد عن وجود نحو 20 مستشفى خاصاً ضمن نطاق بيروت الكبرى، استنفرت بشكل كامل لاستقبال المصابين، إلى جانب مستشفى رفيق الحريري الجامعي الحكومي الذي استقبل أعداداً كبيرة من الجرحى. ويتابع: "فور بدء الغارات الإسرائيلية فعّلت وزارة الصحة العامة خطة الطوارئ التي اعتمدتها في الحرب السابقة عام 2024 وخلال انفجار مرفأ بيروت. أما مستشفيات جبل لبنان فقد قامت كذلك بواجباتها الطبية من دون أي إشكاليات".

وإذ يؤكد نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة أن "المستلزمات الطبية مؤمنة، ولا نواقص حتى الساعة"، يقول: "لكن التحديات التي واجهتنا الأربعاء تمثلت في كيفية تأمين وحدات كافية من الدم للأعداد الهائلة من المصابين، لأن الاحتياطي الاعتيادي في بنك الدم لدى كل مستشفى يكون عادةً محدوداً، ويكفي فقط مريضين أو ثلاثة مرضى. أما الأطباء فقد كانوا في حالة استنفار بالمئات، وصادفت أن الغارات الإسرائيلية وقعت نحو الساعة الثانية بعد الظهر، أي في ذروة الأعمال الطبية في المستشفيات، بحيث كان الأطباء بمعظمهم موجودين في الأقسام الطبية والعيادات، يمارسون أعمالهم الروتينية، وعندما فُعّلت خطة الطوارئ توجه أغلب الأطباء إلى أقسام الطوارئ، وكان كل منهم يدرك مهامه ودوره".

ويشيد يارد بجهود الطواقم الطبية والتمريضية والدور الحيوي لمستشفيات لبنان، مشدداً على ضرورة تحييد المستشفيات والمؤسسات الطبية عن أي اعتداء أو قصف. ويلفت إلى أن مستشفى الجعيتاوي المتخصص في علاج إصابات الحروق لم يستقبل حالات حروق، إذ لم تُسجّل حالات من هذا النوع، لكنه استقبل إصابات بليغة جداً، أسوة بغيره من المستشفيات، خصوصاً أن أبنية بأكملها انهارت فوق رؤوس قاطنيها بفعل الغارات العنيفة.

وقد سجّل يوم الأربعاء الأسود سقوط 303 شهداء و1150 جريحاً من جراء الغارات الإسرائيلية، في حصيلة غير نهائية أعلنتها وزارة الصحة العامة اليوم.

وكان نقيب الأطباء في بيروت الدكتور الياس شلالا ناشد الأربعاء جميع الأطباء، كل ضمن اختصاصه، التوجه إلى المستشفيات، لأداء واجبهم الطبي والإنساني وتقديم المساعدة بعد العدد الكبير من الإصابات. يقول شلالا لـ"العربي الجديد": "استنفر القطاع الصحي وجميع الأطباء، خصوصاً في المناطق التي شهدت ضغطاً على المستشفيات، مع العلم أن المؤسسات الصحية، ولا سيّما المستشفيات الجامعية الكبرى تحركت فوراً بناء على خطة طوارئ وزارة الصحة العامة التي وُضعت منذ انفجار مرفأ بيروت، ما ساهم بضبط الوضع الصحي في كل المستشفيات، وكانت الأمور تحت السيطرة، غير أن بعض المستشفيات شهدت ضغطاً أكبر، فجرى تحويل مرضى نحو مستشفيات جامعية ضمن نطاق بيروت الكبرى".

وإذ يطمئن شلالا إلى أن "الأوضاع ما زالت تحت السيطرة حتى الآن، إن كان في المستشفيات أو لجهة عدد الأطباء"، يوضح أنه أطلق النداء للأطباء خشية تطور الوضع الأمني وتدهوره، لافتاً إلى أنه "في حال تكررت الغارات الإسرائيلية ليومين أو ثلاثة أيام، بهذا الشكل، سنواجه حينها تحديات أكبر في تنظيم الأمور". ويقول: "لا نعاني نقصاً بعدد الأطباء في الوقت الراهن، لكن النداء جاء تحسباً لأي تطور أمني خطير، كي يساهم جميع الأطباء من مختلف محافظات لبنان في تقديم الدعم الطبي".

ويشير النقيب إلى أن "عدد الأطباء المسجلين في نقابة بيروت (بيروت الكبرى ومحافظات جبل لبنان والجنوب والبقاع)، يبلغ نحو 13 ألف طبيب، لكن عدد الذين يزاولون المهنة على أرض الواقع لا يتجاوز 8 آلاف تقريباً، كون بعضهم مغتربين أو شارفوا على التقاعد أو يعانون مشاكل صحية تعيق عملهم، بينما يقارب عدد أطباء نقابة الشمال (طرابلس وعكار) نحو 2000 طبيب".

وقد أدى الضغط على المستشفيات الحكومية إلى تحويل عدد من المرضى والمصابين إلى المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت، والمركز الطبي للجامعة اللبنانية - الأميركية (مستشفى رزق) ومستشفى أوتيل ديو دو فرانس في العاصمة اللبنانية، ولكن بأعداد مضبوطة تحت السيطرة، بحسب شلالا. ويضيف: "المهم ألا تتكرر الغارات ذاتها تباعاً، عندها ستبرز إشكالية توزيع الجرحى والمصابين، تماماً كما حصل عقب انفجار مرفأ بيروت وتفجيرات أجهزة البيجر، إذ سنضطرّ حينها إلى تحويل المصابين والمرضى إلى مستشفيات خارج العاصمة في محافظتَي جبل لبنان والشمال.

وإذ يشير نقيب الأطباء في بيروت إلى أن الأوضاع في مستشفيات جبل لبنان كانت كذلك تحت السيطرة، رغم الضغط الكبير في بعض منها نتيجة استهداف عدد من مناطق المحافظة، يلفت إلى أن مستشفى بعبدا الحكومي (جبل لبنان) استقبل كذلك الجرحى والمصابين. ويتابع: "لا يمكن الاعتماد على ما تبقى من مستشفيات عاملة في الضاحية الجنوبية لبيروت، كونها منطقة شديدة الاستهداف، وبالكاد تكافح تلك المستشفيات من أجل تلبية الحاجات الطبية الطارئة. بالعكس المطلوب نقل الجرحى منها إلى خارج نطاق الضاحية الجنوبية".

وخلال مارس الماضي، وصلت إنذارات بالإخلاء إلى مستشفى الساحل ومستشفى بهمن مع تصاعد الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، وسط تهديد محدق بمستشفيات إضافية تقع ضمن نطاق الضاحية، وهي مستشفى السان جورج، ومستشفى الرسول الأعظم، ومستشفى الزهراء.

وفيما يؤكد شلالا "عدم وجود نقص في المستلزمات الطبية حتى الآن"، يكشف أنها "تكفي فقط مدة شهرين أو ثلاثة أشهر، لكن في حال استمر الوضع الأمني المتدهور، فما من مستشفى في لبنان يملك المستلزمات الطبية التي تكفيه لأكثر من شهرين أو ثلاثة أشهر، حتى المستشفيات الجامعية"، وفق قوله.

وكان الصليب الأحمر اللبناني قد خصّص 100 سيارة إسعاف لنقل المصابين من جراء الغارات الإسرائيلية الأربعاء، إلى المستشفيات. وفي حديث خاص لـ"العربي الجديد"، يقول الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني ​جورج كتانة​: "منذ بدء الحرب الإسرائيلية تعمل فرقنا على الأرض في كل أنحاء لبنان، نواصل العمل والقيام بمهامنا في الضاحية الجنوبية لبيروت وفي محافظات الجنوب والبقاع (شرق) وبيروت وجبل لبنان (وسط)، وفي كل منطقة تُستهدف. هناك ضغط كبير، وما زلنا في حالة استنفار، تنتشر عناصرنا وسياراتنا في كل النقاط والمواقع التي تتطلب عمليات بحث وإنقاذ، من أجل تلبية النداءات الإنسانية والإغاثية".

وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر ندّدت الأربعاء بـ"الموت والدمار" في مناطق ذات كثافة سكانية في لبنان، بعد ضربات عنيفة شنّتها إسرائيل. وأفادت في بيان بأنّ أسلحة متفجرة ثقيلة ذات آثار واسعة النطاق أصابت أحياء سكنية مكتظة، بما فيها العاصمة، من دون إنذارات مسبقة، لافتةً إلى أن الناس يحتاجون "بإلحاح إلى متنفّس من العنف بعد أكثر من خمسة أسابيع من الأعمال القتالية".

من جهته، يصف أحد موظفي قسم الطوارئ في مستشفى رفيق الحريري الجامعي الحكومي، طلب عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مصرّح له بالتحدث، مشهد يوم الأربعاء، بـ"المأساوي". يقول الموظف: "هرعنا لإغاثة الأعداد الضخمة من المصابين وسط ضغط كبير على الطاقم الطبي والتمريضي، وفي ظل الإمكانات المتواضعة والأضرار السابقة التي لحقت بالمستشفى نتيجة غارات إسرائيلية استهدفت مناطق قريبة.

ويضيف لـ"العربي الجديد": "كنا نعمل على وقع صراخ الجرحى وأنينهم وخوف عائلاتهم، وسط أجواء من الذعر والرعب بين صفوف الأهالي الذين جمعتهم المصيبة واكتظت بهم غرف المستشفى وممراته. شاهدنا إصابات بليغة في الرأس والوجه والبطن والساقين، وإصابات بشظايا ونزيف حاد، وسارعنا إلى نقل الحالات الحرجة إلى غرف العمليات الجراحية، فيما واصلت الفرق الصحية سحب المرضى من سيارات الإسعاف ومواصلة عمليات الإغاثة العاجلة".

وقد أعلنت "منظمة أطباء بلا حدود" أنّ فرقها استجابت لتدفق جماعي للمصابين، من بينهم أطفال، في مستشفى رفيق الحريري الجامعي الحكومي.