استمع إلى الملخص
- تعتمد السلطة في ليبيا على ثلاثية المال والسلاح والقبيلة، مما يضعف المؤسسات ويغيب العدالة، حيث تبحث الجماعات عن زعيم قوي بدلاً من دولة، وتتحول القبيلة إلى أداة نفوذ سياسي.
- ليبيا بحاجة إلى استعادة فكرة الدولة التي يكون الولاء فيها للوطن، وليس إلى مزيد من المبايعات التي تعيد إنتاج النموذج القديم.
تعود إلى المشهد الليبي بقوة ظاهرة "المبايعات" في طقوس سياسية ظن الليبيون أنهم طووها مع سقوط الحكم الفردي، لكن بعض القادة اليوم يلجأون إلى الأسلوب نفسه لخلق قاعدة شعبية لأنفسهم، في مشهد يعيد البلاد إلى زمن كانت تُفصّل فيه الشرعية بعدد الوفود والبيانات لا بمدى احترام القانون والمؤسسات ومبادئ بناء الدولة. في الأسابيع الأخيرة كثّف اللواء المتقاعد خليفة حفتر لقاءاته، في مقره العسكري ببنغازي، مع وفود شكلتها شخصيات من قبائل الشرق والجنوب والوسط، تلتها زيارات من شخصيات قبلية من الغرب، من ترهونة والزنتان وبني وليد، أعلن جميعها "بيعة" قبائلهم ودعمهم له باعتباره خيار الأمن والاستقرار وبوابة بناء الدولة. وفي الضفة الأخرى، لم ينفك رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة عن استقبال ممثلي القبائل والمناطق في الغرب، وكذلك رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، في لقاءات لم تخل من عبارات تدندن على وتر الدعم والالتفاف والتأييد، تصدّر فيها كل شخصية على أنها المنفذ الذي ينبغي الاصطفاف خلفه، وسط صور تظهر الولاء والدعم لهذا أو ذاك، غير عابئة بتزايد صور تفاقم أزمات الخدمات والفساد والإنفاق بلا رقابة.
في الحقيقة فإن هذه المشاهد ليست طارئة، بل تقف وراءها معادلة السلطة العميقة في تشابكها، فالمبايعات تعكس في جوهرها بنية حكم يستند إلى ثلاثية المال والسلاح والقبيلة، وهي ثلاثية لا تزدهر إلا حين تضعف المؤسسات وتغيب أبرز مظاهر الدولة: العدالة المستقلة والقضاء القادر على المحاسبة. وعندما تفقد الجماعات شعورها بالحماية تبحث عن زعيم قوي لا عن دولة، وتتحول القبيلة من رابطة اجتماعية إلى أداة نفوذ ووسيط للاستثمار السياسي.
إن ما يحدث، وهو الأوضح في جانب حفتر، ليس سوى عودة مقنعة لأسلوب السيطرة القديمة، لتذكّر الليبيين بأن "خيمة" معمّر القذافي لم تغب وإن تغير موقعها وشكلها في "معسكر". حفتر يرفع خطاباً يظهره حارساً للبلاد من الفوضى، لكنه مسعاه في الحقيقة هو إعادة ترتيب المشهد على قاعدة الطاعة لا المشاركة، وبناء سلطته على مزيج من الترهيب والرمزية العسكرية وذاكرة الحرب، بعد أن حول الحاجة إلى الأمن إلى أداة للهيمنة بسلطة ميدانية تقوم على الولاء.
والمفارقة أن كل مشهد لمنح الولاء وتقديم الغطاء الاجتماعي بتفويض مفتوح، يعيد إنتاج النموذج الذي أطاحه الليبيون قبل أكثر من عقد، لكن ما تحتاجه ليبيا اليوم ليس مزيداً من المبايعات، بل استعادة فكرة الدولة التي يكون الولاء فيها للوطن وحده لا لأصحاب الخيام الجديدة.