- إعادة تقييم القوة: التصعيد الأميركي واجه واقعاً مختلفاً، حيث أظهرت إيران تماسكاً داخلياً أعاد توزيع أدوات قوتها، مما يفرض على واشنطن مراجعة جدوى الاعتماد على القوة العسكرية التقليدية.
- تأثيرات على الحلفاء والخصوم: الإعلان يكشف حدود القوة الأميركية، مما يثير تساؤلات حول فاعليتها ويؤثر على صورة الولايات المتحدة في أعين حلفائها وخصومها.
المتابع للساعات الأخيرة لانتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران، لا يبدو له إعلانه التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين مفاجئاً. فمنذ أسابيع كان يتحدث عن مفاوضات غير مباشرة مع طهران، تتسلل بين مفردات خطابه إشارات تحمل اعترافاً متدرجاً بخصم ليس من السهل كسره. لكن الجديد في إعلانه الأخير أنه اقترب أكثر من الإقرار العلني بندية هذا الخصم، حتى وإن كتبه في صيغة المنتصر الذي أخضع الخصم لشروطه، وأنه حقق أهدافه العسكرية، بل وتجاوزها.
ترامب الذي كان يلوح، قبل ساعات من إعلانه، بلغة الإبادة واندثار حضارة بأكملها، انتقل فجأة إلى الحديث ليس عن وقف الحرب بل أكثر من ذلك عن تفاوض مع طهران لإبرام اتفاق نهائي. صحيح أن ترامب كتب إعلانه في بيان مقتضب، لكنه في الحقيقة يختزن مساراً امتد لأكثر من شهر، شهد تراجعاً تدريجياً لصورة القوة لا كما رُسمت في بدايتها. ما لم يقله البيان صراحة، هو أن التصعيد الأميركي الذي تأسس على فكرة الإخضاع السريع اصطدم بواقع مختلف؛ فالضغوط والضربات دفعت الخصم نحو المزيد من التماسك الداخلي، أعاد خلالها توزيع أدوات قوته بدلاً من أن تضعفه، إلى حد أنه لم يعد ممكناً تجاهل قدرته على فرض إيقاعه، حتى وإن كان يتحرك من موقع الدفاع.
وكأنّ البيان الأميركي يقول في غوره البعيد إنه لا يعلن عن هدنة بقدر ما يعلن عن لحظة مراجعة وانكشاف نبرة الاستعلاء مقابل صعود وظهور خطاب أكثر حذراً، حتى وإن ظل مغلفاً بمفردات القوة، ما يفتح الباب أمام قراءة مغايرة: صحيح أن القوة ما زالت قائمة، لكنها لم تعد مطلقة كما قُدمت في البداية؛ فالخصم فرض نفسه لاعباً لا يمكن تجاوزه بدلاً من أن ينكسر سريعاً كما تم التخطيط له. وما يستحق التوقف عنده أيضاً هو كشفه حدود فاعلية القوة العسكرية الأميركية في تحقيق أهدافها السياسية بشكل سريع؛ فتجربة ترامب كشفت عن سوء قراءته استخدام القوة لكسب نتائج سريعة، ما يفرض أسئلة داخل دوائر القرار في واشنطن حول جدوى الاعتماد على الأدوات التقليدية مقابل تحولات في موازين الردع، لم يعد للقوة الصلبة لوحدها مكان مؤثر فيها. ولا تتوقف أبعاد هذا الإعلان عند هذا الحد، فربما تمتد لصورة الولايات المتحدة في أعين حلفائها وخصومها؛ فالحلفاء ينظرون إلى واشنطن اليوم وقد انكشفت أمامهم حدود قوتها الحقيقية، وانفضحت الصورة المعلنة للهيمنة المطلقة، في ما أظهرته سياسات ترامب من إخفاقات وخيبات، والخصوم تنكشف أمامهم إمكانية احتواء القوة بصلابة الإرادة.