استمع إلى الملخص
- تسريبات مكالمات بين وزيري الخارجية الروسي والمجري أظهرت مساعدة المجر لروسيا في رفع العقوبات، مما أربك حملة "فيدس"، بينما يركز حزب "تيسا" المعارض على قضايا الفساد والاقتصاد وتعهد بتطبيع العلاقات الأوروبية.
- تعتمد حملة "فيدس" على الشؤون الدولية، مدعية أن أوكرانيا تهدد أمن المجر، بينما تتهم المعارضة بالتواطؤ مع أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، مع توقعات بتغيير السياسات حال فوز المعارضة.
على خلفية استطلاعات تشير إلى هزيمة قاسية مرجحة لرئيس الحكومة المجرية فيكتور أوربان وحزبه "فيدس" في الانتخابات البرلمانية المقررة الأحد المقبل، تأمل أوكرانيا في أن تؤدي التغييرات المتوقعة في هرم السلطة في المجر إلى تغيير جذري في سياسات بودابست، والتخلص من أهم عثرة أمام التوافق الأوروبي على منحها مزيداً من المساعدات العسكرية والاقتصادية، وتشديد العقوبات على روسيا. وأظهر استطلاع معهد إيرانيتو الذي نُشر أمس الأربعاء في صحيفة نيبسافا المحلية، أن حزب تيسا اليميني الوسطي في المجر، يتصدر الانتخابات بنسبة 51% من نيات الناخبين، في مقابل 40% لحزب فيدس. في المقابل، تنظر موسكو بقلق إلى احتمال فقدان واحد من أهم حلفائها والقائد اليميني الشعبوي الذي قاد مع وزرائه حملة للدفاع عن روسيا وزار موسكو عدة مرات، وعطل فرض حزم عقوبات كثيرة، وعملت حكومته بجد على رفع العقوبات عن عدد من الشخصيات والشركات الروسية. كما رفض فيكتور أوربان انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي "ناتو" والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن أنه يتشارك مع الكرملين نظرته إلى أوكرانيا دولةً لا تحترم حقوق الأقليات.
تزايد احتمال خسارة فيكتور أوربان
وعلى الرغم من أن التوقعات ترجح عدم حدوث انقلاب جذري فوري في سياسات المجر، في حال فوز المعارضة، فإن هزيمة فيكتور أوربان في الانتخابات للمرة الأولى منذ عام 2010 تفتح في غضون أشهر نافذة أمل لكييف، وتغلق بوابة مهمة كانت تعتمد عليها موسكو للاطلاع على النقاشات داخل الاتحاد الأوروبي، وتعطيل الإجماع الأوروبي بشأن دعم أوكرانيا وفرض عقوبات قاسية على روسيا، إضافة إلى خسارة شريك وصوت شعبوي بارز تناغمت سياساته وتصريحاته مع سياسات الكرملين والبيت الأبيض.
سيارتو ساعد روسيا في رفع عقوبات عن عدة شخصيات روسية
وأربكت سلسلة تسريبات حول مكالمات هاتفية وتنسيق بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره المجري بيتر سيارتو الحملة الانتخابية للحزب الحاكم. وحسب تسريبات نشرتها عدة مواقع غربية فإن سيارتو ساعد روسيا في رفع عقوبات عن عدة شخصيات روسية، وأشار في مكالمات هاتفية إلى أن المجر عطلت إقرار عقوبات على روسيا، وقدم عروضاً حول أجواء النقاشات أثناء جلسات لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي. وفي ضربة إضافية وشخصية لأوربان، نشرت وكالة "بلومبيرغ" مقتطفات مما قالت إنه محضر لمكالمة هاتفية بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أثار فيها أوربان ضحكات بوتين بعدما شبّه نفسه بشخصية الفأر الذي أنقذ الأسد في قصة شعبية للأطفال. وفي المكالمة أكد أوربان أنه "مستعد للذهاب بعيداً" لمساعدة الكرملين، مضيفاً أن علاقتهما وصلت إلى مستوى يتيح له تقديم أي نوع من الدعم.في المقابل، انتهز فيكتور أوربان تقارير صربية عن احباط محاولة لتفجير خط لنقل الغاز إلى المجر، وحمّلت مواطنين أوكرانيين المسؤولية عن المحاولة، وقصد الحدود مع صربيا والتقى جنوداً هناك، مشدداً على أهمية خط الغاز المتفرع عن "ترك ستريم" لنقل الغاز الروسي لاقتصاد بلاده.
وعلى عكس حزب " فيدس" الحاكم، ركز حزب "تيسا" المعارض بقيادة بيتر ماغيار في حملته الانتخابية بشكل أساسي على الشؤون الداخلية، متناولًا قضايا الفساد، وعدم كفاءة حكومة أوربان، والركود الاقتصادي، والحالة المزرية لقطاعات الرعاية الصحية والتعليم والنقل العام. في السياسة الخارجية، أعلن "تيسا" أنه سيعمل على تطبيع العلاقات مع حلفاء المجر الرئيسيين في أوروبا وحلف شمال الأطلسي، والتخلي عن سياسة الفيتو التي انتهجها "فيدس"، واستعادة مكانة المجر لاعبا موثوقا به وبناء على الساحة الدولية. وسيولي "تيسا" الأولوية للانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وضمان الإفراج عن أموال الاتحاد الأوروبي المجمدة بسبب قصور سيادة القانون الناجم عن الفساد المستشري في المجر في عهد أوربان.
في المقابل، ركزت الحملة الانتخابية لحزب فيدس بشكل شبه حصري على الشؤون الدولية. وتستند الحملة إلى ادعاء أن أوكرانيا تشكل تهديداً واضحاً لسيادة المجر وأمنها، لا سيما في مجال أمن إمدادات الطاقة. كما يروج الحزب الحاكم رواية مفادها أن أوكرانيا ومؤسسات الاتحاد الأوروبي المختلفة والمعارضة المجرية، تتواطأ في خطة للتلاعب بنتائج الانتخابات بهدف إيصال حكومة موالية لأوكرانيا إلى السلطة في بودابست. منذ عام 2014، دأب حزب فيدس على ترويج فكرة أن المجر تواجه تهديداً خارجياً. وفي مواجهة تحد داخلي لم تشهده المجر منذ عام 2006، عاد حزب فيدس إلى استراتيجيته الناجحة الأخيرة: بث الخوف من الحرب واتهام المعارضين بجر المجر إليها. وتضمنت الحملة ادعاءات بأنه في حال فوز المعارضة في الانتخابات المقبلة، ستكون مستعدة لإرسال جنود مجريين إلى الجبهة للدفاع عن أوكرانيا. وبقراءة نتائج الاستطلاعات، بدا أن الحملة التي تركز بشكل شبه حصري على أوكرانيا لا تلقى صدى لدى الناخبين المجريين، ومن الصعب فهم سبب إصرار فيدس على استراتيجية فاشلة.
ودأبت حكومة فيكتور أوربان على تقويض الأمن القومي الأوكراني وعرقلته منذ عام 2017، حين بدأت بودابست بعرقلة اجتماعات مفوضية "ناتو" ـ أوكرانيا. ومنذ الغزو الروسي الشامل عام 2022، دأبت المجر على تأخير حزم المساعدات المالية من الاتحاد الأوروبي ومنعها، وكذلك سداد مستحقات الدول الأعضاء بموجب آلية السلام الأوروبية، كما خففت العقوبات المفروضة على روسيا، وزادت اعتمادها على مصادر الطاقة الروسية، ما ساهم في تمويل المجهود الحربي الروسي. وتعرقل الحكومة المجرية حالياً حزمة مساعدات مالية بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا، بالإضافة إلى حزمة العشرين للعقوبات التي ينوي الاتحاد فرضها على روسيا. وبينما ينظر إلى تحركات بودابست على نطاق واسع على أنها تهدف إلى الحفاظ على نفوذها على كييف في إطار مسعى لإعادة إطلاق نقل النفط عبر خط أنابيب دروجبا، فإن سياسات حكومة فيكتور أوربان في الواقع تخدم أيضاً المصالح الاستراتيجية للكرملين.
دأبت حكومة فيكتور أوربان على تقويض الأمن القومي الأوكراني وعرقلته منذ عام 2017
روسيا في صلب الانتخابات المجرية
ونظراً لأن مصلحة روسيا الكبرى تكمن في عرقلة حزمة القروض لأوكرانيا، فلن يكون أمام فيكتور أوربان خيار يذكر سوى الاستمرار في الامتثال لمطالب موسكو. وفي حال استطاع أوربان قلب التوقعات، فإنه سيحافظ على سياساته المعادية لأوكرانيا. ومن المؤكد أنه لا يمكن توقع إعادة ضبط معقولة وخفض للتصعيد في العلاقات الثنائية بين المجر وأوكرانيا إلا في حال فوز المعارضة. ورغم أن حزب "تيسا" ليس قوة سياسية موالية لأوكرانيا، وسيمتنع حتماً عن تقديم أي مساعدات عسكرية لها، لكن تطبيع العلاقات يصب بوضوح في مصلحته، لا سيما إذا اقترن ذلك باستئناف عبور النفط عبر دروجبا، ووضع خطة تنويع طاقة مقبولة وواقعية تمكن بودابست من التخلص التدريجي من واردات الطاقة الروسية على المدى البعيد دون خطر حدوث صدمات في العرض أو الأسعار.
ومن المؤكد أن حكومة "تيسا" في حال فوز الحزب في الانتخابات، ستكون شريكاً أقل جاذبية للكرملين، فالحزب تعهد بترميم العلاقات مع شركاء الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، والانسحاب من سياسات الحصار والفيتو التي انتهجها أوربان. كما تضمن برنامج "تيسا" الانتخابي بعض الأهداف السياسية الجريئة، مثل مراجعة عقود القروض والإنشاء لمشروع محطة باكس 2 للطاقة النووية التي حصلت "روس أتوم" الروسية على عقد لبنائها. ورغم أن حكومة مجرية بقيادة بيتر ماغيار، زعيم "تيسا"، لن ترغب في قطع مفاجئ لعلاقات الطاقة مع روسيا، لأن ذلك قد يسبب مشاكل في أمن الإمدادات، لا سيما في مجال الغاز الطبيعي، فإن اهتمام بودابست سيبقى منصباً على التخلص التدريجي المنظم من الطاقة الأحفورية الروسية، الأمر الذي يتطلب، بشكل أو بآخر، حداً أدنى من التعاون من جانب روسيا. وسيستمر هذا الواقع في توفير نفوذ معين للكرملين، مما سيؤدي إلى سياسة خارجية براغماتية، بدلاً من معاداة روسيا بشكل صريح، في ظل حكومة جديدة في بودابست.