قضية أركانج... حين خرجت أسرار الإليزيه إلى شركة خاصة

06 مايو 2026   |  آخر تحديث: 14:45 (توقيت القدس)
مقر الإليزيه، 21 إبريل 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تورطت شركة "أركانج سولوشنز أوسينت" في تسريب وثائق سرية ودفاعية، حيث كانت بعض الوثائق من مديرية الاستخبارات العسكرية، وارتبطت بأشخاص خدموا في مواقع حساسة.
- تأسست الشركة على يد دافيد ب.، عسكري سابق، وعُثر في منزله على معدات تقنية متقدمة، مما أثار الشكوك حول نشاطات الشركة.
- أثارت القضية تساؤلات حول الحدود بين المصادر المفتوحة والمواد السرية، وكشفت عن ثغرات في انتقال العسكريين للقطاع الخاص، مما يعكس مخاوف من التسلل الروسي.

لم يكن اسم شركة "أركانج سولوشنز أوسينت" Archange Solutions Osint متداولاً، إلا في أوساط ضيّقة مهتمة بالاستخبارات المفتوحة، قبل أن تكشف تقارير لوسائل إعلام فرنسية مثل "لو باريزيان" ووكالة الأنباء الفرنسية، في يونيو/حزيران 2025، عن ارتباط الشركة بتحقيق يتناول تسريب وثائق سرّية ودفاعية خارج المؤسسات الفرنسية الرسمية. ومع ما نشرته صحيفة "لوموند" في 4 مايو/أيار الحالي، استناداً إلى تقدّم التحقيق، تبيّن أن من بين هذه الوثائق ما هو صادر عن مديرية الاستخبارات العسكرية، وأن أشخاصاً خدموا في مواقع حسّاسة داخل الدولة، من بينها وحدة الاتصالات الخاصة بالإليزيه، كانوا على صلة بالشركة أو بنشاطها.

في قلب ملف "أركانج"

وتبرز في قلب الملف شخصية دافيد ب.، وهو عسكري سابق من أصل طاجيكي، أسّس الشركة المذكورة عام 2024، بعد مغادرته الجيش بعام. خدم دافيد ب.، في وحدة الاتصالات الخاصة بالإليزيه، وهي وحدة تعمل على مدار الساعة لتأمين الخطوط المشفّرة للرئيس الفرنسي. وتنقل عنه "لوموند" قوله في إفادته أمام المحققين: "كانت سكرتيرة الرئيس (إيمانويل ماكرون) تتصل بنا حين يريد التواصل مع زعيم أجنبي. كانت الاتصالات تمرّ عبرنا عندما يكون هناك حاجة لتدخل تقني". وعند تفتيش منزله في إطار التحقيق في مايو 2025، عُثر على معدات مثل نظّارات ذكية مزوّدة بكاميرا، وجهاز تتبّع، ومسيّرة (درون).

من الوثائق المكتشفة، تقرير استشرافي حول "سيناريوهات الأزمة في لبنان" قُيّمت خطورته بالمستوى الخامس، أي أعلى درجات الخطورة

ومع توسّع التحقيق، بدأت تتكشف شبكة صغيرة تضم عسكريين في الخدمة وعسكريين سابقين ومدنيين. وبحسب ما نشرته "لوموند"، فقد شملت البيانات التي عُثر عليها على الخادم الإلكتروني الخاص بالشركة، ثلاث وثائق مصنفة على أنها "سرّية" ووثيقة "محدودة التداول"، جميعها صادرة عن مديرية الاستخبارات العسكرية عام 2021. ومن هذه الوثائق، تقرير استشرافي حول "سيناريوهات الأزمة في لبنان" قُيّمت خطورته بالمستوى الخامس، أي أعلى درجات الخطورة، لما فيه من معلومات عن الوضع العسكري والسياسي في البلد. أما الوثائق الأخرى، فتتعلق بالقوات الليبية، وبجنرال من تشاد، إضافة إلى مذكرة عن تحديث سفينة حربية روسية. وتعكس هذه المجموعة من الوثائق جزءاً من خريطة الاهتمامات الفرنسية، تمتد من شرق المتوسط إلى الساحل الأفريقي، وصولاً إلى روسيا التي عادت المواجهة معها إلى الواجهة منذ شنّها الحرب على أوكرانيا.

وبعد أن وُجهت اتهامات أولية إلى خمسة مشتبه بهم في هذا الملف في مايو 2025، توسعت القضية في إبريل/نيسان الماضي مع توقيف لودوفيك ب.، وهو عسكري كان يعمل حتى 2025 خبيراً باللغة الروسية في الإليزيه. وقد عُثر في أجهزته على وثائق سرّية دفاعية، تتعلق بروسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، إضافة إلى صور له يرتدي فيها زيّاً عسكرياً روسياً.

اتساع المنطقة الرمادية

وإن كان حضور روسيا في خلفية الملف، عبر اللغة التي يتقنها بعض المتهمين، أو اهتمامهم بالشأن الروسي، أو طبيعة المهام التي تولّوها، لا يثبت حتى الآن، في نظر القضاة، وجود تجسس لصالح موسكو، فإنه يعكس مناخاً فرنسياً وأوروبياً يتزايد فيه الشعور بالريبة والخشية من تسلّل العنصر الروسي إلى قلب مؤسسات الدولة.

وتلفت محاضر التحقيق، وفق ما نقلته "لوموند"، إلى أن بعض الوثائق الرسمية قد أُعيدَ استخدامها في تقارير تحمل شعار شركة "أركانج"، بصياغة تحاكي شكل تقارير الاستخبارات الفرنسية، ما أثار أسئلة حول حدود الفصل بين ما هو "مصادر مفتوحة" وما هو مستمد من مواد دفاعية مصنّفة سرّية. كما كشفت المراسلات الداخلية عن اهتمام المتهمين بقضايا تتعلق بمعدات عسكرية، من مروحيات إلى قذائف وألغام مضادة للدبّابات، وعن بحث في إمكانية التوسط في صفقات تخص "دولاً في الجنوب" أو مليشيات. وقد دفع هذا الجانب من التحقيق القضاء إلى توجيه تهم إضافية تتعلق بممارسة غير مرخّصة للوساطة في العتاد الحربي.

أثارت القضية أسئلة حول حدود الفصل بين ما هو "مصادر مفتوحة" وما هو مستمد من مواد دفاعية مصنّفة سرّية

ولا تشير المعلومات المتاحة، وفق النيابة، إلى وجود تهديد مباشر لعمليات عسكرية فرنسية، كما لم يثبت القضاء حتى الآن وجود تخابر مع قوة أجنبية، رغم طلب النيابة ذلك. لكنّ التحقيق كشف ثغرات في انتقال العسكريين من مواقع حسّاسة إلى القطاع الخاص. وحين سألت "لوموند" الإليزيه عن القضية، جاء الجواب بأن الأشخاص المتهمين، وإن خدموا في القصر الرئاسي، فإنهم يتبعون إدارياً للأمانة العامة للدفاع والأمن القومي، وأن المسؤولية تعود إليها في كل ما يخصّهم، بدءاً من اختيارهم وتأهيلهم، وانتهاءً بمعاقبتهم.

وتكشف قضية شركة أركانج اتساع "المنطقة الرمادية" التي تعمل فيها شركات خاصة تستفيد من خبرات عسكرية سابقة ومن صلات داخل أجهزة الدولة، من دون أن تُعامل بصفتها أجهزة رسمية. كما تعيد هذه القضية إلى الواجهة ملفاً أوسع كانت قد أثارته قضية "أتانور"، والتي يحاكَم فيها اثنان وعشرون شخصاً أمام محكمة جنايات باريس منذ نهاية مارس/آذار الماضي، والتي كشفت عن مجموعة ضمّت عناصر من الاستخبارات عملت لتنفيذ عقود اغتيال لصالح جهات خاصة. ورغم اختلاف السياقين، فإن القاسم المشترك بينهما هو هشاشة الحدود بين ما يحصّله العسكريون من معرفة ومعلومات داخل مؤسسات الدولة وما يمكن أن ينتقل معهم إلى أنشطة خاصة بعد مغادرتهم الخدمة.