قانون "قيصر" للعقوبات في سورية... من الولادة إلى الوفاة

18 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:24 (توقيت القدس)
احتفال في دمشق بإسقاط نظام بشار الأسد، 27 ديسمبر 2025 (أمين صنصار/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- إلغاء قانون "قيصر" يتيح تعافي الاقتصاد السوري عبر تسهيل الاستثمارات والمساعدات ودمج سورية في النظام المصرفي العالمي، مما يعزز الاستقرار وإعادة الإعمار.
- قانون "قيصر" فرض عقوبات مشددة منذ 2014 على النظام السوري، مما قيد الاقتصاد بشكل كبير حتى سقوطه في 2024، مستهدفًا شخصيات وكيانات داعمة للنظام.
- إلغاء القانون يتوقع أن يعزز الاقتصاد السوري عبر تدفق الاستثمارات وزيادة التحويلات الخارجية، مع استفادة قطاعات الزراعة والصناعة والنفط من التقنيات الحديثة.

يفتح إلغاء قانون "قيصر" للعقوبات الأميركية باب التعافي الاقتصادي في سورية، حيث باتت الطريق معبدة أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية والمساعدات وأمام دمج سورية في النظام المصرفي العالمي، وهي الخطوة الأوسع لتحقيق الاستقرار وتحصين السلم الأهلي. وبحسب المنظمة السورية للطوارئ، فإن إلغاء قانون قيصر "سيكون إلغاءً كاملاً، من دون شروط إضافية أو آليات "عودة تلقائية" لإعادة فرض العقوبات".

أقرّ مجلس الشيوخ الأميركي، اليوم الأربعاء، النسخة النهائية من مشروع قانون التفويض الدفاعي الوطني للعام المالي 2026، متضمناً مادة تنص على الإلغاء الكامل وغير المشروط لقانون "قيصر" الذي فرضت بموجبه عقوبات قاسية على سورية. من المقرر رفع مشروع القانون إلى مكتب الرئيس دونالد ترامب للتوقيع بعد التصويت لتمريره في مجلسي النواب والشيوخ، حيث يدخل الإلغاء حيز التنفيذ فور المصادقة الرسمية.

وجثم هذا القانون الذي يتضمن عقوبات مشددة، سنوات على صدر الاقتصاد السوري، وكبّله بالعديد من الأزمات التي أدت إلى انفراط عقد نظام بشار الأسد وسقوطه بشكل مدوٍّ في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول من العام الفائت. رحلة هذا القانون بدأت عملياً في عام 2014 مع انشقاق المصور في الشرطة العسكرية التي كانت تابعة لنظام الأسد، فريد المذهان (ظهر أمام وسائل الإعلام بعد سقوط نظام الأسد)، وتسريبه حوالى 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل سوري قضوا تحت التعذيب، وذلك حتى منتصف 2013، من بينهم أطفال ونساء.

واستطاع المذهان، الذي عُرف في حينه باسم "قيصر"، الخروج من سورية مع عائلته ليبدأ رحلة كشف النظام البائد وممارساته الوحشية بحق السوريين أمام المحافل القانونية والسياسية والبرلمانية العالمية. شكلت الصور المسربة صدمة كبرى للعالم بأسره الذي وقف مذهولاً أمام هول الكارثة التي ظلت مستمرة حتى سقوط نظام الأسد.

بدأ الكونغرس الأميركي، بدفع من منظمات سورية ودولية ناشطة في أوروبا والولايات المتحدة، تحركاً من أجل فرض عقوبات مشددة على نظام الأسد، رداً على هذه الوحشية. وفي يوليو/ تموز 2014، تمكن "قيصر" بمساعدة بعض الناشطين من الوصول إلى الكونغرس، ليدلي بشهادته ويعرض جزءاً من الصور التي بحوزته، والتي كانت كفيلة بفرض عقوبات هي الأشد على نظام الأسد.

بداية متعثرة لقانون قيصر

وجرت محاولات لتمرير القانون خلال عامي 2017 و2018، إلا أنها فشلت، بسبب كثرة التعديلات التي جرت عليه، إلى أن رُبط بميزانية وزارة الدفاع الأميركية. وفي 11 ديسمبر/ كانون الأول من عام 2019، مرّر الكونغرس مشروع القانون، ثم أقرّه مجلس الشيوخ في الـ17 من الشهر ذاته، إلى أن وقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب (في ولايته الأولى)، في العشرين من الشهر نفسه، تحت عنوان "قانون قيصر لحماية المدنيين في سورية لعام 2019". ودخل القانون حيز التنفيذ منتصف عام 2020 مع صدور أول حزمة عقوبات، دشّنت مرحلة جديدة من التعاطي السياسي والقانوني الأميركي مع نظام الأسد عنوانها الضغط الاقتصادي المشدد من أجل إجباره على تغيير سلوكه، وهو ما لم يتحقق حتى إسقاطه في ديسمبر 2024.

ونص قانون "قيصر" على فرض عقوبات مشددة على الأجانب المتورطين ببعض المعاملات المالية أو التقنية لمصلحة مؤسسات النظام البائد، والمتعاقدين العسكريين والمرتزقة الذين يحاربون بالنيابة عنه أو روسيا أو إيران أو أي شخص فُرضت عليه العقوبات الخاصة بسورية قبلاً. كذلك نص على فرض عقوبات على كل من يقدّم الدعم المالي أو التقني أو المعلومات التي تساعد على إصلاح أو توسعة الإنتاج المحلي للنظام البائد من الغاز والنفط أو مشتقاته، ومن يقدّم الطائرات أو قطعها أو الخدمات المرتبطة بالطيران لأهداف عسكرية في سورية. كذلك فرض عقوبات على بشار الأسد وعائلته، وأركان نظامه من سياسيين وعسكريين وأمنيين، والمسؤولين عن السجون، ورؤساء الفروع الأمنية.

وصدرت في عام 2020 حزمة ثانية من العقوبات شملت 10 كيانات داعمة للأسد، من بينها فرق في جيشه وكيانات اقتصادية وعدة أشخاص، من بينهم ابنه الأكبر (حافظ) "بسبب تصاعد أهميته في عائلة الأسد". وأشارت وزارة الخارجية الأميركية في حينه إلى أن أطفالاً بالغين "يواصلون قيادة الأعمال باسم آبائهم الخاضعين للعقوبات".

في ذكرى مجزرة الكيماوي التي ارتكبها نظام الأسد في عام 2013، صدرت في أغسطس/ آب 2020 حزمة ثالثة من عقوبات "قيصر"، شملت ستة من المسؤولين العسكريين والحكوميين كانوا مقربين من بشار الأسد. والحزمة الرابعة جاءت في سبتمبر/ أيلول من العام نفسه استهدفت 13 كياناً وعدداً من الأشخاص الذين كانوا من أركان النظام البائد ويعملون بصفة واجهة لبشار الأسد وزوجته أسماء الأسد للتحكم في الاقتصاد السوري. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 صدرت الحزمة الخامسة من عقوبات قانون قيصر وشملت مسؤولين عسكريين سوريين وأعضاءً في البرلمان وكيانات تابعة للنظام السوري، وأفراداً سوريين ولبنانيين اتهمتهم وزارة الخزانة الأميركية بدعم إنتاج النفط السوري لتمويل نظام الأسد.

وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو آنذاك إن قرار فرض هذه العقوبات اتخذ تحية لضحايا القصف الذي تعرضت له مدينة دوما السورية في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2015 من جانب "قوات بشار الأسد التي تدعمها إيران وروسيا"، و"أدى إلى مقتل أكثر من 70 مدنياً سورياً". وفي ديسمبر/كانون الأول 2020 صدرت حزمة سادسة من العقوبات ضيقت الخناق أكثر على النظام البائد وشملت البنك المركزي السوري و20 شخصية وكياناً اقتصادياً جديداً.

وخلال ولاية الرئيس الأميركي السابق جو بايدن تراجع زخم فرض عقوبات جديدة في إطار قانون "قيصر"، بعدما فرض في منتصف 2021 عقوبات على ثمانية سجون وخمسة مسؤولين أمنيين سوريين لـ"تعزيز مساءلة الكيانات والأفراد الذين ساهموا في استمرار معاناة الشعب السوري"، وفق تعبير وزير الخارجية الأميركي آنذاك، أنتوني بلينكن. كذلك صدرت عقوبات أخرى شملت قياديين في فصائل المعارضة في حينه، إلا أنه لم يتضح ما إذا كانت في إطار "قيصر"، أو من خارجه.

مسار الإلغاء

القانون الذي أخذ سنوات حتى أُقر وظل مثلها ساري المفعول احتاج إلى نحو عام حتى يتصدع ويتلاشى. عملياً، بدأ مسار إلغاء هذا القانون مع توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منتصف العام الجاري أمراً تنفيذياً لإنهاء العقوبات على سورية لـ"إزالة عقبة من أمام التعافي الاقتصادي"، وتعزيز ودعم مسارها نحو الاستقرار والسلام. كذلك أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً عاماً لتخفيف بعض العقوبات المفروضة على سورية وسمح الترخيص بالمعاملات المالية المحظورة، ورفع بشكل فعّال العقوبات، وأتاح تمكين الاستثمار ونشاط القطاع الخاص في سورية.

وللكونغرس وحده سلطة إلغاء القوانين في الولايات المتحدة، لذا احتاج رفع "قيصر" إلى عدة أشهر من المداولات ما بين المشرعين الأميركيين الذين اقتنعوا أخيراً بأن مساعدة سورية بما يتساوق مع رؤية الإدارة الأميركية في منحها فرصة للاستقرار والازدهار وبناء شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، لا تتأتى إلا برفع قانون "قيصر".

تعليقاً على إلغاء "قيصر"، يرى السفير والدبلوماسي السوري السابق بسام العمادي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن هذه الخطوة "تعني اكتمال الانفتاح الأميركي على السلطة الجديدة في سورية لإعطائها الفرصة لتقوم بما هو متوقع ومطلوب منها". وبرأيه، فإن إلغاء قانون العقوبات يمكن أن يلعب دوراً في حلحلة ملفات داخلية "إذا استطاعت السلطة الجديدة الاستفادة من الانفتاح الغربي وإنهاء العقوبات بالعمل على إصدار منظومة من القوانين تحمي الاستثمار وتشجعه ليعود ذلك بالفائدة على الاقتصاد ويأتي بالخير على الشعب السوري". واعتبر أن "الاعتماد على الكفاءات لإعادة بناء الدولة بدلاً من التركيز على عناصر الهيئة (هيئة تحرير الشام)، فقط، سيكون عاملاً فاعلاً في إعادة الثقة للمستثمرين السوريين والعرب والأجانب، ويعطيهم الثقة بأن السلطة تسير قدماً في إعادة بناء الدولة".

من جانب آخر، يُتوقع ألا تتأخر النتائج الإيجابية على الاقتصاد السوري نتيجة إلغاء هذا القانون، بما أن ذلك يعني فتح الباب أمام تدفق الاستثمارات وبدء مرحلة إعادة الاعمار. وفي هذا الصدد، يرى الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل، في حديث مع "العربي الجديد"، أن إلغاء قانون "قيصر" سيؤدي إلى تغيّر بصيغة "تدريجية" في الاقتصاد السوري"، مضيفاً: "يؤدي رفع العقوبات بشكل كامل إلى تحوّل جذري في سلوك الفاعلين الاقتصاديين من حالة الترقب السلبي إلى الانخراط الإيجابي". ورجح المغربل ارتفاع التحويلات الخارجية "نتيجة لخفض درجة المخاطر المرتبطة بإرسال الأموال إلى سورية وتحسّن القدرة على استخدام القنوات المصرفية النظامية". وأشار إلى أن الآثار الإيجابية لهذا الإلغاء تطاول كل القطاعات في سورية، وبخاصة الزراعة والصناعة والنفط، حيث يصبح الوصول إلى "تقنيات حديثة متاحاً" أمام الحكومة السورية والمستثمرين السوريين.

المساهمون