فصل أوكرانيا عن البحر الأسود: رغبات الكرملين وحدودها 

10 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:15 (توقيت القدس)
جندي أوكراني على شواطئ أوديسا، 29 إبريل 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تصاعدت التوترات بين روسيا وأوكرانيا مع تهديد بوتين بمنع أوكرانيا من الوصول إلى البحر الأسود، واصفاً الهجمات الأوكرانية على ناقلات النفط الروسية بالقرصنة، ومهدداً بتكثيف الضربات على المنشآت الأوكرانية.

- تركز روسيا على السيطرة على السواحل الأوكرانية، معتبرة مدينتي ميكولايف وأوديسا جزءاً من "نوفوروسيا"، مع احتمالية استخدام وسائل عسكرية أو طوعية لتحقيق ذلك.

- تواجه روسيا تحديات في تحقيق أهدافها العسكرية بسبب ضعف أسطولها في البحر الأسود، وتسعى لفرض حصار على الموانئ الأوكرانية، مما يهدد الأمن الغذائي العالمي.

لوّح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

، في الثاني من ديسمبر/كانون الأول الحالي، بمنع وصول أوكرانيا إلى البحر رداً على الهجمات الأوكرانية على ناقلات "أسطول الظل" الروسي في البحر الأسود. وتوعد بوتين بتكثيف الضربات على المنشآت والسفن الأوكرانية، وتبنّي إجراءات ضد ناقلات الدول التي تساعد أوكرانيا. ووصف الرئيس الروسي الهجمات الأخيرة على ناقلات النفط في البحر الأسود بـ"القرصنة"، وخلص، قبيل لقائه مع مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الثاني من ديسمبر الحالي أيضاً، للتوصل إلى تسوية لانهاء الحرب في أوكرانيا، إلى أن "الحل الأكثر جذرية هو منع أوكرانيا من الوصول إلى البحر، وعندها ستكون هذه القرصنة مستحيلة من حيث المبدأ". وتبنّت أوكرانيا المسؤولية عن هجومين، نهاية الشهر الماضي على ناقلتي نفط روسيتين خاضعتين للعقوبات في البحر الأسود بينما كانتا في طريقهما إلى ميناء روسي للتحميل بالنفط المتجه إلى أسواق خارجية، وذلك في 28 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. وفي إطار حربها المعلنة على قطاع النفط الروسي لحرمان الكرملين من موارد الطاقة الضرورية لاستمرار تمويل الحرب، شنت أوكرانيا أيضاً هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الأسود مما أدى إلى تعطيل شحنات النفط.

في المقابل، نفت أوكرانيا استهداف سفينة لنقل زيت دوار الشمس من روسيا إلى جورجيا، قالت السلطات التركية، في الثاني من ديسمبر الحالي، إنها تعرضت لهجوم بالمسيرات قبالة سواحلها. وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأوكرانية هيورهي تيخي بأن بلاده ليست متورطة في الحادث. ولم يستبعد أن "روسيا ربما تكون قد دبرته (الهجوم)"، متسائلاً عن سبب إبحار السفينة من روسيا إلى جورجيا عبر المنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا.

البحر الأسود في البروباغاندا الروسية

ورغم أن بوتين لم يذكر أي تفاصيل توضح طريقة تنفيذ تهديده بمنع أوكرانيا من الوصول إلى البحر، فإن صفاً واسعاً من المحللين والسياسيين المقرّبين من الكرملين، والبروباغاندا الروسية سلطت الضوء على أن الحل الجذري يكمن في السيطرة على كامل السواحل الأوكرانية. وفي برنامج "حصاد الأسبوع" أعاد رئيس تحرير "روسيا سيفودنيا" دميتري كيسليوف التذكير بأن روسيا سيطرت على بحر آزوف، المتفرع عن البحر الأسود في الحرب الحالية، وعرض خرائط لمنطقتي ميكولايف وأوديسا الأوكرانيتين. وفي تقرير عرض في برنامجه الأسبوعي، لمح محللون إلى ضرورة السيطرة على باقي السواحل الأوكرانية لإنهاء التهديد الأوكراني.


أوديسا هي جزء مما يطلق عليه الكرملين "نوفوروسيا"

وفتحت تصريحات بوتين الباب واسعاً لتكرار الحديث عن أن مدينتي ميكولايف وأوديسا روسيتان، وأن الحسم العسكري مطلوب لاعادتهما إلى حضن الوطن. ورجح دميتري بيفتسوف نائب مجلس الدوما الروسي في تصريحات صحافية، الأربعاء الماضي، أن تنهي روسيا الحرب مع أوكرانيا، التي وصفها بـ"شبه الدولة"، عبر الوسائل العسكرية، حتى يتمكن الروس من الذهاب إلى "أرض الأجداد" في أوديسا. وفي نهاية الشهر الماضي، قال رئيس الوزراء الروسي الأسبق سيرغي ستيباشين إنه يود أن تكون مدينتا أوديسا وميكولايف جزءاً من روسيا من خلال وسائل "طوعية" وليس الوسائل العسكرية.

وأوديسا هي جزء مما يطلق عليه الكرملين "نوفوروسيا"، وهي من المدن التي توجد فيها أغلبية ناطقة باللغة الروسية. وتأسست مدينة أوديسا بمرسوم من الإمبراطورة الروسية يكاترينا العظيمة سنة 1794، بعد هزيمة الدولة العثمانية في حربها مع روسيا سنة 1792، وأثناء الحقبة السوفييتية كانت أوديسا أهم ميناء للتجارة، وقاعدة للبحرية السوفييتية. ولا تعد المطالبات والتهديدات الروسية الأخيرة ضد السواحل الأوكرانية جديدة أو معزولة ولكنها تتبع تصريحات متكررة في الماضي، بما في ذلك من بوتين ذاته الذي قال نهاية 2023 إن روسيا سيطرت تاريخياً على منطقة البحر الأسود وأن أوديسا هي مدينة "روسية".

ومنذ بداية الحرب الروسية على أوكرانيا في 2022، أطلق العديد من المسؤولين الروس تصريحات حول ضرورة السيطرة على أوكرانيا. ورغم فشل الهجوم على جزيرة زيميني (الأفعى)، قال رستم مينيكاييف، نائب قائد المنطقة العسكرية المركزية في روسيا، في 22 إبريل/ نيسان 2022 إن المرحلة الثانية من الحرب تتضمن السيطرة الكاملة على جنوب أوكرانيا، مشيراً إلى أن هذه السيطرة ستمهد سبيلا للوصول إلى ترانسنستيريا الانفصالي في مولدوفا، الذي يتمركز فيه مئات من الجنود الروس. في نهاية يوليو/ تموز 2022 نشر الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف، الذي يتبوأ حالياً منصب نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، في قناته على "تليغرام" خريطتين مختلفتين لأوكرانيا. أظهرت الصورة المنشورة الأولى خريطة أوكرانيا كاملة في حدود ما قبل ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا في عام 2014. وعلق بالقول: "الصورة التالية للمستقبل المشرق لبلاده ظهرت في دماغ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي المصاب باضطرابات عقلية". أما الخريطة الثانية فهي حسب ميدفيديف خريطة أوكرانيا كما يراها "محللون غربيون"، وتنتقل فيها سبع مقاطعات أوكرانية إلى بولندا، ومقاطعة واحدة إلى المجر، ومقاطعتان إلى رومانيا، و13 مقاطعة، بما فيها القرم وأوديسا وميكولايف وخاركيف، إلى روسيا، بينما تقتصر جغرافية أوكرانيا على مقاطعة كييف. وكتب ميدفيديف: "يعتبر المحللون الغربيون أنّ الوضع سيكون هكذا".


بوتين لم يتخلَّ عن فكرة السيطرة على أوديسا

وحينها، وجّه نشر الخريطة عدة رسائل، أهمها أن الحرب الروسية مستمرة وأن الأهداف الجغرافية قد تتغير، وأن روسيا لن تتراجع عن قطع أوكرانيا عن البحر الأسود، واحتلال المناطق التي تضمّ أقلية روسية، وتقاسم أوكرانيا مع بلدان أخرى مثل بولندا والمجر ورومانيا. وكان واضحاً أن السيطرة على الشريط الساحلي الواصل بين الأراضي الروسية وشبه جزيرة القرم المحتلة كانت هدف المرحلة الأولى للغزو الروسي. واستغلت روسيا عامل المفاجأة واحتلت مدينة خيرسون في الأيام الأولى لحرب التي بدأت في 24 فبراير/شباط 2022، ومنها انطلقت قواتها واحتلت بيرديانسك على ساحل بحر آزوف، وانطلقت لإحكام السيطرة على ماريوبول التي احتلتها روسيا في مايو/ أيار 2022 بعد حصار طويل، وحرب دمرت معظم أجزاء المدينة الاستراتيجية ومصانعها وميناءها. والمؤكد أن روسيا ترغب في تحويل أوكرانيا إلى دولة حبيسة وتقسيمها على أن تحتفظ بالمناطق التي تعتبرها تابعة لها تاريخياً، وخاضت من أجلها حروباً مع الإمبراطورية العثمانية، خصوصاً أوديسا وميكولايف.

في مارس/ آذار الماضي، ظهرت مقالات في الصحف الإيطالية تشير إلى أن بوتين لم يتخلَّ عن فكرة السيطرة على أوديسا، سواء باستخدام القوة العسكرية أو عبر الحصول على تنازلات إقليمية من نظيره الأميركي دونالد ترامب، في إطار "وقف إطلاق النار" الذي ينطوي على تسليم المدينة لروسيا. وحينها نشرت "كورييري ديلا سيرا" مقالاً يفيد بأنه إذا رفضت أوكرانيا اتفاقيات السلام، فإن روسيا ستتجه إلى أوديسا. وذهبت صحيفة "لاديبلوماتيكو" الشعبوية إلى القول إن الهدف الرئيسي لـ"العملية العسكرية الخاصة" (الاسم الروسي لغزو أوكرانيا) هو أوديسا، إذا تم تسليمها، سيتم حل كل شيء على الفور. ومن غير المستبعد ان التسخين الإعلامي، وتصريحات المسؤولين الروسي في الأسبوع الماضي، جاءا في إطار الإشارة إلى ان روسيا مستعدة لاطالة أمد الحرب والاستيلاء على مزيد من الأراضي، في حال عدم التوصل إلى تسوية تتضمن معظم المطالب الروسية المتشددة. وأثناء الضغوط الأميركية لإطلاق المفاوضات، في إبريل/ نيسان الماضي صرح أكثر من مسؤول روسي بالإشارة إلى أن "أوديسا مدينة روسية".

وهدف الكرملين باستخدام الروايات المتكررة على مر السنين حول مدينة أوديسا، لتهيئة الظروف من أجل تبرير عدوان جديد على أوكرانيا، بعد أي تسوية سلمية مستقبلية تحت شعار حماية "العالم الروسي" واستعادة أرض الأجداد، وقد لا تكون مقتصرة على أوكرانيا بل قد تطاول مناطق أخرى. والأربعاء الماضي، اتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف السلطات في دول البلطيق (ليتوانيا، إستونيا، لاتفيا) ومولدوفا بإصدار قوانين "عنصرية" وممارسة "التمييز" ضد السكان الروس. ورغم عدم وجود قدرة للجيش الروسي في الوقت الحالي على عبور نهر دنيبر في أوكرانيا والسيطرة على أوديسا وميكولايف، ولا على شنّ هجوم على إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وفنلندا المنضوية في حلف شمال الأطلسي "ناتو"، إلا أن تكرار لافروف الروايات التي استخدمها الكرملين لمحاولة تبرير حربه على أوكرانيا، ربما يهدف إلى إثارة مخاوف أوروبا، عبر تضخيم الضغط النفسي والإعلامي من عواقب أي مواجهة مستقبلية بين روسيا وحلف "ناتو"، والضغط على أوكرانيا لوقف الهجمات.

وبعيداً عن المطامع التاريخية بالشواطئ الأوكرانية على البحر الأسود، ربما تهدف روسيا بشكل خاص إلى فرض حصار فعلي على الموانئ الأوكرانية من خلال الانسحاب من مبادرة إسطنبول لتصدير حبوب البحر الأسود في عامي 2022 و2023، والتي سمحت لسفن الشحن بالإبحار بين موانئ منطقة أوديسا ومضيق البوسفور من دون خوف من الضربات الروسية. بيد أن قدرات أسطول البحر الأسود الروسي ليست كافية لفرض الحصار، خصوصاً أن حملة الضربات الصاروخية والمسيرات الجوية والبحرية التي شنتها أوكرانيا منذ صيف 2023 أعاقت إلى حد كبير قدرات روسيا البحرية. وبناء على ضعف قدرات روسيا في الانتقال إلى الهجوم، ربما يسعى الكرملين إلى استخدام التهديد بالضربات لثني السفن الدولية عن نقل الحبوب الأوكرانية بسبب تكاليف التأمين المرتفعة، وفي نهاية المطاف اتهام أوكرانيا بالتسبب في انعدام الأمن الغذائي العالمي.


ليس لدى الجيش الروسي أي حظوظ واقعية لاحتلال أوديسا لافتقاره إلى الموارد اللازمة

أوديسا هدف بوتين الدائم

وأوديسا كانت دائماً هدفاً مغرياً لبوتين، وأهميتها توازي أهمية كييف بالنسبة للروس، ولكن منذ عام 2022، لم تقترب القوات الروسية من تحقيق هذا الهدف، بل تطور الوضع في الاتجاه المعاكس، ومع ذلك، فإن الهجمات الجوية والصاروخية المنتظمة على المدينة باستخدام مسيرات وصواريخ تثير مخاوف من أن بوتين غير المعترف أساساً بوجود كينونة مستقلة لأوكرانيا سيعمل على احتلال المدينة المهمة لأحلامه الإمبراطورية. في المقابل، ليس لدى الجيش الروسي أي حظوظ واقعية لاحتلال أوديسا في ظل الظروف الحالية، نظراً لافتقاره إلى القوات والموارد اللازمة لاحتلال مدينة كبرى.

ومن أجل احتلال أوديسا يجب على روسيا التقدم أولاً نحو احتلال مدينة خيرسون، لكن مجموعة قوات "دنيبر" الروسية، بعد انسحابها من الضفة اليمنى لنهر دنيبر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، لم تقم حتى الآن بعملية هجومية مضادة ناجحة واحدة وهي غير قادرة على عبور النهر بشكل جماعي. وتحتاج روسيا إلى قوات كبيرة للتقدم نحو أوديسا التي تبعد 180 كيلومتراً عن خيرسون في مقاطعة ميكولايف ضمن خط إمدادات طويل يصعب تغطيته نظراً لانفتاحه على عمق أوكرانيا. ومن المستبعد شن هجوم برمائي على ساحل منطقة أوديسا لعدة أسباب؛ فمنذ بداية الحرب في عام 2022، خططت القوات الروسية بالفعل للاستيلاء على أوديسا بهذه الطريقة، ولكن نظام الصواريخ المضادة للسفن من طراز نبتون أوكراني الصنع، أعاق هذه الخطط، وحال الخوف من إرسال سفن الإنزال التي تحمل على متنها آلاف من مشاة البحرية إلى قاع البحر الأسود دون تحقيق هذه الفكرة، وفشلوا في ذلك الحين، وبالتأكيد لن ينجحوا الآن، بالنظر إلى أن نظام نبتون لم يعد الرادع الوحيد الذي كان عليه قبل ثلاث سنوات. كما فقد أسطول البحر الأسود الروسي غطاء دفاعه الجوي المتمثل في الطراد الصاروخي موسكفا الذي أغرقته أوكرانيا في عام 2022، إضافة إلى العديد من سفن الإنزال، مما قلل بشكل كبير من فعالية أي عملية برمائية، والتي ستنتهي بدمار حتمي للمشاركين في أعماق البحر الأسود.

المساهمون