عودة المعارضين الجزائريين من الخارج... مسعى إيجابي وترقب خطوات سياسية

16 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 17 يوليو 2026 - 02:01 (توقيت القدس)
تبون في برلين، 16 يوليو 2026 (جون ماكدوغال/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يدعو المعارضين في الخارج للعودة وتسوية أوضاعهم القانونية، مع ضمان حرية النقد ضمن "التقاليد المحلية" دون القذف، بهدف احتواء المعارضين وتقديم فرصة للانفتاح الرسمي.
- الدعوة لاقت ردود فعل متباينة؛ بعض النشطاء يرونها إيجابية وتحتاج لتعزيز مصداقيتها بخطوات عملية، بينما يخشى آخرون أن تكون مشروطة بالصمت. هناك مطالبات بإصلاحات سياسية وحقوقية حقيقية.
- لم تتضح جدية السلطة في فتح الأبواب للمعارضين، وهناك قلق من استغلالهم لإثارة القلاقل، مما يتطلب إجراءات ملموسة لتعزيز الثقة وضمان حقوقهم.

اختار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

 ألمانيا لتوجيه رسالة سياسية جديدة إلى النشطاء المعارضين الموجودين في الخارج للعودة إلى البلاد، وتسوية أوضاعهم تجاه الدولة بشأن قضايا قد تكون متعلقة بهم لدى القضاء، وتمكينهم من حق النقد من داخل الجزائر بحرية، في إطار ما وصفها تبون "بالتقاليد المحلية"، دون استخدام أساليب القذف. لكن المواقف وردات الفعل إزاء هذه الدعوة الجديدة بدت متباينة، إلا أنها تجمع على مطالبة السلطات الجزائرية بخطوات فعلية في هذا الاتجاه، تكرس فعلياً وجود نيات جدّية لدى السلطة بشأن هذا الانفتاح.

سلطات الجزائر والتسوية الممكنة

وعلى الرغم من أن ألمانيا ليست من الدول التي تؤوي أبرز النشطاء والمعارضين الجزائريين المقيمين في الخارج مقارنة مع دول مثل فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، إلا أن الرئيس الجزائري اختار أن يعلن خلال زيارته التي بدأها أمس الأربعاء إلى برلين عن دعوة جديدة للمعارضين للعودة إلى البلاد. وقال تبون خلال لقائه الجالية الجزائرية في العاصمة الألمانية إن "المعارضين مرحب بهم بالجزائر"، وأضاف: "قلت مرات عدة في مداخلاتي بالتلفزيون وأكررها اليوم أمامكم، إن كل جزائري لديه الحق في الانتقاد، لكن يجب أن يأخذ بعين الاعتبار تقاليدنا وحرمتنا. السب والشتم لا يأتيان إلا بالكراهية والعنف"، مشيراً إلى أن "من لا يوافق (على سياسات) يمكن له أن يقول إنه غير موافق، ويقدم وجهة نظره، وهذه أمور تثري المسيرة الوطنية، وبالعكس من لا يتقبلها فهو لا يفهم شيئاً".

تزعج أنشطة بعض الناشطين والمعارضين في الخارج، على مواقع التواصل الاجتماعي خصوصاً، السلطة وأجهزتها، بسبب التسريبات التي ينشرونها

 

كان واضحاً أن الرئيس الجزائري بصدد توجيه رسالة سياسية جديدة إلى النشطاء والمعارضين في الخارج، الذين تزعج أنشطتهم على مواقع التواصل الاجتماعي خصوصاً السلطة وأجهزتها، بسبب التسريبات التي ينشرونها، والتي تثير في الغالب الكثير من التشويش والجدل في البلاد. وتتضمن الرسالة إمكانية إيجاد تسوية مع هؤلاء في إطار الدولة وتوفر فرصة انفتاح رسمي وقدرة أكيدة للسلطة لتجاوز القضايا والمشكلات السابقة المتصلة بهم، خصوصاً بالنسبة للنشطاء والمعارضين الذين لم يتورطوا في قضايا تخابر أو تآمر على الأمن الوطني، وظلّت مواقفهم وانتقاداتهم في مستوى سياسي وإعلامي. ومن بين هؤلاء على سبيل المثال، الصحافي السعيد بن سديرة الذي كان كشف قبل أيام أنه تلقى فعلاً دعوة للدخول إلى البلاد، وأكد أن السلطات الجزائرية بأمر مباشر من تبون سمحت بتجديد جوازات سفر أبنائه، وهي خطوة أخرى ضمن سعي السلطة السياسية إلى احتواء ظاهرة المعارضين والنشطاء في الخارج، والذين تضطر السلطات في بعض المواقف للرد على ما ينشرونه بطرق مختلفة، لطمأنة الرأي العام. 

القراءات السياسية تذهب في اتجاه وجود قلق جدّي لدى السلطة في الجزائر إزاء مستويات تأثير هؤلاء المعارضين في الجبهة الداخلية، ومحاذير من محاولات استغلال واضحة لهم من قبل أطراف كثيرة في المحيط القريب من الجزائر، وتوظيفهم في إثارة القلاقل والمشكلات، ما دفع تبون إلى إطلاق الدعوة السياسية الجديدة لصالح النشطاء والمعارضين سعياً لاحتوائهم مجدداً ضمن النسيج الوطني. وتعدّ هذه الخطوة لاحقة لنداء سابق كان وجهه الرئيس الجزائري إلى النشطاء في الخارج، تمّ تحويله إلى آلية إطار باعتباره مشروعَ تسوية وعفو تضمن قراراً "بتسوية وضعية هؤلاء النشطاء المقيمين في الخارج الذين هم محل إجراءات قضائية أو إدارية"، والذي كان أعلن عنه مجلس الوزراء الجزائري في 11 يناير/كانون الأول الماضي، "بالتوافق التام بين كل مؤسسات الجمهورية". وشمل القرار أيضاً الشباب ممن لديهم بعض المشكلات القضائية ذات العلاقة بالحق العام، واستثني منه المتورطين في قضايا جرائم إراقة الدماء، والمخدرات، وتجارة الأسلحة، وكل من تعاون مع الأجهزة الأمنية الأجنبية بغرض المساس بأمن البلاد. وحتى شهر مايو/أيار الماضي، كان قد تمكن أكثر من 320 شخصاً، بينهم ناشطون سياسيون، من العودة إلى الجزائر في إطار هذه الخطوة، أبرزهم القيادي في الجبهة الإسلامية للإنقاذ (محظورة) أنور هدام، إضافة إلى عدد من القيادات البارزة في حركة "الماك" التي تدعو إلى انفصال منطقة القبائل (مصنفة إرهابية)، والناشط أحمد سقلاب الذي عاد إلى الجزائر بعد 11 عاماً من خروجه منها.

وضع استثنائي واختبار للنيّات

بالنسبة للناشط المعارض سمير بلعربي الذي كان قد برز بشكل لافت في النشاط السياسي المعارض منذ عام 2014 وفي فترة الحراك الشعبي عام 2019 وما بعدها وتعرض لسلسلة توقيفات وملاحقات بسبب مواقفه، فإن تصريحات تبون حول عودة المعارضين إيجابية، متوقعاً أن تتبعها خطوات في الداخل من شأنها أن تمنح مصداقية لكلامه. 

سمير بلعربي: دعوة تبون سترافقها خطوات عملية مع معارضي النظام في الداخل

وقال بلعربي لـ"العربي الجديد" إن "دعوة رئيس الجمهورية من ألمانيا المعارضين الجزائريين في الخارج إلى العودة إلى أرض الوطن تعد تصريحاً فاجأ الجميع، لكنني اعتبره أمراً إيجابياً حقيقياً، وأنا متأكد من أنه ستكون له تبعات ومخرجات وقرارات تبين النيّة الحسنة للسلطة في التعامل مع المعارضين في الخارج". ورأى بلعربي في حديثه أنه "على الصعيد السياسي، هذا تصريح شجاع من قبل الرئيس الذي أكد أكثر من مرة أنه ليس ضد النقد الإيجابي، بل هو أمر مرحب به بعيداً عن أسلوب السب والشتم الذي انتشر كثيراً في وسائل التواصل الاجتماعي منذ الحراك الشعبي"، معرباً عن اعتقاده أن دعوة تبون "سترافقها خطوات عملية مع معارضي النظام في الداخل". وقال حول ذلك: "هذه ضرورة في اعتقادي، لأن الجزائر في عهد الرئيس تبون عرفت وضعاً استثنائياً من حيث التضييق على معارضة الداخل، أحزاباً وشخصيات ونقابات، تمثل في المنع من الظهور الإعلامي، والمتابعات القضائية، والمنع من السفر والتضييق على العمل السياسي، لذلك ينتظر أن تتغير هذه الممارسات وتفتح الأبواب للمعارضين في الداخل أولاً".

لكن بعض النشطاء في الخارج ما زالوا حذرين بشأن هذه الدعوة السياسية الجديدة التي وجهها الرئيس الجزائري للمعارضين من أجل العودة إلى البلاد، معتبرين أن السلطات ما زالت غير قادرة على حسم موقفها بشأن توسيع هوامش النقاش السياسي والسماح للمعارضين بحرية النشاط والتعبير عن الموقف. كما يسود تخوف لديهم من أن تكون دعوة العودة مشروطة بالصمت وعدم العودة إلى مناوئة السلطة ونقد السياسات العامة.

وفي هذا الإطار، قال الناشط السياسي والحقوقي ورئيس منظمة شعاع في لندن رشيد عوين، لـ"العربي الجديد"، إن "تصريحات الرئيس تبون والترحيب بالمعارضة يجب أن تقترن بإصلاحات سياسية وحقوقية حقيقية تعيد فتح المجال العام، وتحتاج بالأساس إلى إرادة سياسية تترجم التصريحات إلى خطوات عملية مشجعة، من قبيل الإفراج عن معتقلي الرأي، ووقف المتابعات ذات الخلفية السياسية، ورفع القيود عن العمل الحزبي والجمعوي والإعلامي، واحترام استقلال القضاء، وإنهاء استخدام الخدمات القنصلية والوثائق الإدارية وسيلةً للضغط أو المساومة، وضمان حق جميع الجزائريين داخل الوطن وخارجه في ممارسة حقوقهم والعودة إلى وطنهم دون تمييز". ورأى عوين في حديثه أن استمرار الملاحقات بحق النشطاء المعارضين في الداخل، والتضييق على معارضة الداخل، لا يمكن أن يشجعا المقيمين في الخارج على التعامل الإيجابي مع خطوة الرئيس الجزائري. 

رشيد عوين: استمرار الملاحقات بحق نشطاء الداخل، لا يمكن أن يشجع المقيمين في الخارج على التعامل الإيجابي مع خطوة تبون

حتى الآن، ليس واضحاً إلى أي حد يمكن أن تفتح السلطة في الجزائر أبوابها للنشطاء والمعارضين المقيمين في الخارج للعودة، خصوصاً أنها ليست في موقف ضعف إزاء ظاهرة المعارضين في الخارج، وعلى وجه التحديد بالنسبة لمن ذهبوا بعيداً في مواقفهم المناوئة للسلطة وسياسات الدولة، كالضابط السابق في الاستخبارات هشام عبود وأمير بوخرص المعروف باسم أمير دي زاد، والذين وردت أسماؤهم في اللائحة الوطنية للإرهاب، وكذلك الصحافي عبدو سمار، حيث يعتقد أنهم لن يكونوا معنيين بأي خطوات تسوية وعفو من قبل السلطات الجزائرية.

تبون يرفض التعليق على قضية الصحافي غليز

إلى ذلك، وبالعودة إلى زيارة تبون في ألمانيا، فقد رفض الرئيس الجزائري التطرق إلى قضية الصحافي الفرنسي كريستوفر غليز المحكوم عليه في الجزائر في قضية تخص الإشادة بالإرهاب. وقال تبون في مؤتمر صحافي مشترك عقده مع المستشار الألماني فريدريش ميرز، رداً على سؤال حول إمكانية إصدراه عفواً رئاسياً عن غليز: "احتراماً للعدالة الجزائرية، لن أجيب عن هذا السؤال إلا في الجزائر، وأنا الآن لست في الجزائر ولن أجيب عنه". ويقضي غليز الذي دخل الجزائر بتأشيرة سياحية (لا تسمح له بالعمل الصحافي) عقوبة بالسجن لسبع سنوات بعد محاكمته على خلفية تهم "الإشادة بالإرهاب"، بسبب إجرائه اتصالات مع أعضاء من حركة "ماك" التي تصنفها السلطات الجزائرية على لائحة الإرهاب.