سورية وإسرائيل والحرب على إيران

09 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 03:03 (توقيت القدس)
صاروخ إيراني قرب مطار القامشلي الدولي، 4 مارس2026 (أمجد كوردو/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تبنت سوريا سياسة النأي بالنفس تجاه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتجنب الانخراط المباشر في الصراع، رغم الضغوط الإسرائيلية المستمرة.
- كثفت إسرائيل من عمليات القصف في الجنوب السوري وتهديداتها، بهدف دفع دمشق لتوقيع اتفاق أمني وفق الشروط الإسرائيلية ونزع سلاح حزب الله، وهو ما ترفضه سوريا.
- تواجه سوريا مخاطر طويلة الأمد نتيجة الحرب على إيران، مما قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتُستخدم كساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، مما يتطلب تعزيز الأمن الداخلي.

واجهت سياسة النأي بالنفس التي اتبعتها السلطة السورية تجاه الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران سلسلة امتحانات متواصلة، ولم تكد تتجاوز أحدها، حتى وجدت أمامها امتحاناً آخر أكثر صعوبة وتعقيداً. أتت هذه الامتحانات في مجملها من الطرفين الإسرائيلي والإيراني، لكن أكثرها تخطيطاً وإحكاماً تلك التي كانت تفرضها تل أبيب. ومن الملاحظ يوماً بعد آخر أن سورية لا تستطيع أن تكون محايدةً بالكامل، لكنها تحاول أن تكون أقل الأطراف تضرراً، وبالتالي من شأن هذا الموقف أن يُخفّف المخاطر، لكنه لا يحمي البلد من الضربات أو الانجرار غير المباشر للحرب فيما لو تجددت بعد التوصل لوقف إطلاق نار مؤقت. وفي الأحوال كافة تبقى سورية ساحة مفتوحة، بوجود قوات أجنبية منتشرة على أرضها، لكل من الولايات المتحدة وروسيا وتركيا.

سورية ليست خارج الصراع فعلياً، لكنها تجنبت الانخراط المباشر في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران واستخدام أراضيها منصةً للهجوم، مع إبقاء خطابها السياسي منخفض الوتيرة. وهي في كل هذا تتبع سلوكاً احترازياً وليس حياداً كاملاً، وهو موقف مفهوم لأن البلد في وضع هش سياسياً، واقتصاده ضعيف، وبنيته العسكرية مستنزفة، في ظل وجود قوى أجنبية على الأرض. لذلك فإن أي دخول في الحرب كانت ستكون كلفته على دمشق عالية جداً.

استفزاز إسرائيلي

في هذه الأثناء، لم تتوقف إسرائيل عن محاولات استفزاز سورية، وهناك جملة من المؤشرات إلى أن إعلان البيت الأبيض الثلاثي الأميركي السوري الإسرائيلي، في السادس من يناير/كانون الثاني الماضي، "حول احترام سيادة سورية واستقرارها، وأمن إسرائيل، وتحقيق الازدهار لكلا البلدين"، حبر على ورق. ورغم أنه حصل بضغط مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، فإن تل أبيب لم تتخل عن أطماعها التوسعية في سورية، وقد لاحظ ذلك المبعوث الأميركي إلى سورية، توم برّاك حينما لمح إلى أن إسرائيل قد جمدت مشاريعها في سورية.

كثفت إسرائيل التوغلات وعادت إلى قصف الجنوب السوري والحديث عن تهريب السلاح إلى حزب الله

كثفت إسرائيل في الآونة الأخيرة من ضغوطها على سورية في اتجاهات عدة. الأول عودة التوغلات، وعمليات القصف في الجنوب السوري بذرائع مختلفة منها حماية سكان السويداء. والثاني عودة الحديث عن تهريب حزب الله اللبناني أسلحة من سورية، ولهذا هددت، قبل أيام، بقصف معبر المصنع بين البلدين.

ملحق سورية الجديدة
التحديثات الحية

وتتوخى تل أبيب من وراء ذلك عدة أهداف، الأول دفع دمشق للرضوخ وتوقيع الاتفاق الأمني وسط هذه المعمعة، حسب الشروط الإسرائيلية، والثاني أن تشارك في عملية نزع سلاح حزب الله في لبنان، وهذا طلب قديم تجدد في الآونة الأخيرة، وسبق لواشنطن أن طرحته على الرئيس السوري أحمد الشرع خلال زيارته لواشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. لكن الشرع لم يستجب له رغم أن السلطة السورية لا تحمل وداً تجاه الحزب، الذي تدخل في الشأن السوري ووقف إلى جانب نظام بشار الأسد في الحرب ضد الشعب السوري، ولا يزال يستقبل العديد من رموزه الأمنية والعسكرية، الذين لم يتوقفوا عن محاولات التخريب داخل سورية.

وحسب مصادر سورية رسمية، فإن الرفض السوري للطلب الأميركي الإسرائيلي بالدخول إلى منطقة البقاع اللبناني لضرب حزب الله، يستند إلى موقف يتجنب الانخراط في النزاعات اللبنانية الداخلية. يأتي ذلك لأن تدخلا كهذا من شأنه أن يزيد الوضع اللبناني استقطاباً، ويشجع الفرز والاقتتال الطائفي، وقد يقود إلى موقف أكثر خطورة، وبالتالي لا تريد سورية التورط في ذلك، تاركة للبنانيين تسوية خلافاتهم في ما بينهم.

ورغم أن دمشق أوقفت العمل على معبر المصنع بعد الإنذار الإسرائيلي، فإنها لم تستجب لتشديد الخناق على لبنان، لأن نتائج ذلك يتجاوز ضرره حزب الله، بل هدفه عزل لبنان عن سورية، وبداية فرض حصار برّي هدفه ليس قطع طريق السلاح، لأنه لا يدخل عبر هذا المعبر بالتأكيد، بل خنق لبنان اقتصادياً وغذائياً. كما هدفه الضغط على سورية، وفصل لبنان عن سورية في مرحلة لاحقة، لتمهيد الطريق لاحقاً للقوات الإسرائيلية التقدم عن طريق جبل الشيخ نحو البقاع الغربي في لبنان.

قواعد اشتباك جديدة بين سورية وإسرائيل

مصادر دبلوماسية غربية ذكرت لـ"العربي الجديد"، أن أذربيجان استقبلت في الآونة الأخيرة اجتماعاً تركياً إسرائيلياً تركز حول سورية، وناقش بصورة أساسية وضعها في الحرب على إيران وموقفها القائم على تجنب الانخراط فيها. وأفادت المصادر بأن الطرفين بحثا إمكانية وضع قواعد اشتباك جديدة، وقد ثمّن الطرف التركي عدم تمكن إيران خلال هذه الحرب من اختراق سورية، واستخدام أراضيها في الهجوم على إسرائيل، وهذا عنصر مهم في هذه الحرب على إسرائيل أن تأخذه في عين الاعتبار، وتسجله في رصيد السلطات السورية الجديدة.

لكن استمرار الضغوط ورسائل التهديد التي تواصل تل أبيب إرسالها لدمشق تؤكد أن نتائج لقاء باكو متواضعة، لكن هناك من يراهن على أنها قد تقود إلى جولة مفاوضات جديدة في باريس بين المفاوضين السوريين والإسرائيليين، بعد أن توقفت إثر البيان الثلاثي الذي صدر من واشنطن، بداية العام الحالي.

على دمشق ألا تفوت فرصة وجود ترامب في رئاسة الولايات المتحدة من أجل توقيع اتفاق أمني مع إسرائيل بغض النظر عن نتائج الحرب

إلى ذلك هناك أصوات سورية داخل السلطة وخارجها، ترى أن سياسة النأي بالنفس غير كافية لحماية سورية من ضغوط إسرائيل التي تهدف إلى تهديد استقرار البلاد. لذلك يبدو حبل النأي بالنفس قصيراً لكون إمكانات سورية في مواجهة الضغوط الإسرائيلية والإيرانية محدودة، خصوصاً أنها تعاني من وضع اقتصادي صعب جداً. وبعد مرور أقل من عام ونصف العام على سقوط نظام الأسد لم يتحقق الاستقرار الكامل، وبقيت مساحات خارج الوحدة الجغرافية، وبالتالي ليس من مصلحتها الانخراط في أي نشاطات تدخلها في مواجهة مع إسرائيل. كما على دمشق ألا تفوت فرصة وجود ترامب في رئاسة الولايات المتحدة من أجل توقيع اتفاق أمني مع إسرائيل بغض النظر عن نتائج الحرب، وذلك على أساس أن سورية بلد منهك وعليه واجب تحييد نفسه وحماية مصالحه.

وبعيداً عن الضغوط الإسرائيلية المباشرة، تبقى سورية عرضة لتداعيات الحرب على المديَين المنظور والبعيد، ذلك أن مليشيات عراقية موالية لإيران، بعضها منضوي في الحشد الشعبي، عمدت خلال الحرب الأخيرة إلى استهداف الأراضي السورية، وقد قصفت بعض القواعد الأميركية في محافظة الحسكة. كما أن وكالة "فارس" الإيرانية، نقلت عن مصادر مطلعة أخيراً، أن السلطات الإيرانية حددت عدداً من المواقع في دمشق بوصفها أهدافاً محتملة، بينها القصر الرئاسي، بسبب ما قالت إنه وجود "عناصر عسكرية وخبراء أجانب من جنسيات مختلفة، بينهم أميركيون وإسرائيليون وبريطانيون"، وفق تعبيرها. وزعمت المصادر أن فندق "فور سيزن" في دمشق يُستخدم مركزاً لإقامة الخبراء والعناصر الأجانب، إضافة إلى فندق "شيراتون دمشق" ومجمع القصر الجمهوري، حيث يوجد مستشارون وخبراء من دول عدة بينها إسرائيل.

وهناك قراءات أن زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إلى دمشق يوم الخامس من إبريل/ نيسان الحالي، كانت في هذا الإطار، كون أوكرانيا صاحبة تجربة رائدة في استخدام الطائرات المسيّرة على نحو دفاعي، وقد نجحت في العام الأخير بإقامة جدار من المسيّرات بوجه الهجمات الروسية. ولا تعني الزيارة تأمين دمشق فقط، بل استباق احتمالات تدخلات إسرائيلية أكبر.

تبعات الحرب

تتركز المخاوف على المدى الطويل من نتائج الحرب على النظام الإيراني، سواء انهار أم لا، وفي الحالتين ليس من المستبعد أن تكون إحدى التبعات المهمة نشوب حرب أهلية داخل إيران، ستنتقل بصورة تلقائية إلى العراق، وستكون لها ارتدادات في لبنان. وفي كل ذلك سورية ليست بعيدة وغير محصنة بسبب الجوار الجغرافي لكل من العراق وإيران والتداخل الديمغرافي والتراكمات الطائفية القابلة للتحريك من أجل جر سورية للتورط.

ومن المؤكد أن إسرائيل ستدخل على الخط وتحاول إحياء مشاريعها في كل من لبنان وسورية من أجل تعويض خسائرها في الحرب على إيران، وهناك من يرجح بأنها ستحرك ورقتي السويداء و"قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) من أجل هز الاستقرار الهش، وبث الفوضى في سورية.

وأخطر ما في وضع سورية ليس دخولها الحرب في ما لو تجددت من عدمه، بل أنها قد تُزَج فيها من دون أن تقرر ذلك بنفسها، ليس بوصفها دولة ذات تأثير، بل بما هي ساحة وأداة، أي تُستَخدم أراضيها وتُستَهدف مواقع داخلها، من دون أن تكون صاحبة القرار الكامل، وأن تتحول إلى منطقة تصفية حسابات كلما تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، ومكاناً للردود غير المباشرة كضرب قواعد كما هو حاصل الآن، أو استهداف قوة حليفة كالأطراف الكردية.

وهناك احتمال أن تصبح ورقة ضغط سياسية بوجود قوى متعددة على أرضها، ما يحولها لورقة تفاوض. لذا يبدو أن من بين أهم المهام على السلطات السورية في هذه المرحلة الحرجة، التركيز على الأمن الداخلي، ومنع الفوضى، وضبط الحدود، وتقليل الاختراقات، لأن كل ذلك يمكن له أن يشكل ذريعة جاهزة لأي تدخل إسرائيلي.