رئاسة الوزراء الفرنسية تحت التحقيق بعد انتحار موظفَين وشكاوى من سوء المعاملة

05 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 10:27 (توقيت القدس)
مقر رئاسة الوزراء الفرنسية في قصر ماتينيون بباريس، 19 مارس 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- فتحت النيابة العامة في باريس تحقيقاً بعد شكوى موظفة في رئاسة الوزراء الفرنسية، زعمت تعرضها للإهانات والتهميش، مما دفعها لمحاولة الانتحار. تأتي هذه القضية في سياق انتحار ومحاولات انتحار أخرى في الأشهر الماضية.

- شهدت دوائر رئاسة الوزراء حالات انتحار متعددة، منها انتحار موظف بعد نقاش حاد مع مديره، ومحاولة موظفة أخرى الانتحار، لكن التحقيقات لم تثبت وجود مخاطر نفسية مرتبطة بالعمل.

- طلبت النقابات لقاء مسؤولي الإدارة للتعبير عن قلقها من ظروف العمل، مما أدى لفتح تحقيقات وتكليف مكتب خارجي لتقييم الأوضاع، مع تأكيد رئاسة الوزراء على تقديم الدعم للموظفين.

فتحت النيابة العامة في باريس تحقيقاً أولياً، بعد شكوى موظفة في إحدى دوائر رئاسة الوزراء الفرنسية قالت إنها تعرّضت لأشهر من الإهانات والعزل والتهميش في عملها قبل أن تحاول الانتحار. وتأتي القضية بعدما شهدت دوائر أخرى تابعة لرئاسة الوزراء، خلال الأشهر السبعة الماضية، انتحار موظفَين، ومحاولة موظفة أخرى إنهاء حياتها، ما أثار مخاوف النقابات وممثلي العاملين، ودفعهم إلى المطالبة بتحقيق أوسع في ظروف العمل داخل المؤسسة.

وكانت الموظفة المعنية قد تقدّمت بشكواها في 25 يونيو/ حزيران الماضي ضد أربعة من مسؤوليها. وبحسب إذاعة "فرانس إنتر"، التي كشفت عن القضية، أول أمس الاثنين، أرسل ممثل عن العاملين في اليوم نفسه بلاغاً إلى النيابة العامة، اتهم فيه الإدارة بالتقصير في حماية الموظفة. ولا تشير المعلومات التي تداولتها الصحافة الفرنسية إلى أن النيابة تحقق في أسباب الانتحارين، فيما تقول رئاسة الوزراء إنها فتحت بشأنهما تحقيقين إداريين منفصلين.

شهدت دوائر تابعة لرئاسة الوزراء الفرنسية خلال الأشهر السبعة الماضية، انتحار موظفَين، ومحاولة موظفة أخرى إنهاء حياتها

وفي 24 مارس/ آذار الماضي، انتحر موظف في الأمانة العامة للاستثمار، التابعة لرئاسة الوزراء الفرنسية، داخل منزله، خلال يوم عمل عن بعد. وبحسب وثيقة اطلعت عليها الإذاعة، جاءت وفاته بعد نقاش حاد مع مديره، في ظل مشكلات تشهدها الإدارة التي كان يعمل فيها. وبعد أيام فقط، ألقى موظف آخر، يعمل في قسم البريد التابع للأمانة العامة للحكومة، نفسه أمام قطار في إقليم فال دواز، شمال باريس. ويشير البلاغ الذي تلقاه القضاء بشأن انتحاره، إلى أن معاناته في العمل كانت معروفة، وأن قسم البريد، حيث يعمل، كان يشهد إعادة تنظيم ترافقت مع خفض عدد الموظفين، وأنه كان يتغيب مراراً لأسباب صحية، فضلاً عن أنه ترك رسالة يعلن فيها نيته الانتحار.

وسبقت حادثتي الانتحار، في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، محاولة موظفة في إدارة المعلومات القانونية والإدارية الانتحار داخل مقرّ عملها. ومارس عدد من زملائها حقهم في التوقف عن العمل بعد الحادثة، لكن الواقعة لم تسجَّل باعتبارها ناجمة عن ظروف العمل. ونقلت "فرانس إنتر" عن إدارة رئاسة الوزراء الفرنسية قولها إنها كانت قد كلّفت جهة خارجية التحقيق في محاولة الانتحار، وإن التحقيق لم يخلص إلى وجود مخاطر نفسية واجتماعية مرتبطة بالعمل داخل القسم.

أما محاولة الانتحار الثانية، فهي التي أقدمت عليها الموظفة التي رفعت الشكوى إلى القضاء. وتعمل الموظفة منذ عام 2022 في دائرة مراسلات رئيس الوزراء، بعدما أمضت أكثر من ثلاثين عاماً في إدارات الدولة. وقالت محاميتها، كريستل مازا، إن أوضاعها بدأت تتدهور أواخر عام 2023، بعد تغييرات في إدارة القسم، إذ سُحبت منها بعض المسؤوليات تدريجياً، وجرى إبعادها عن الاجتماعات، وحُذف اسمها من الهيكل التنظيمي في الدائرة، كما تعرّضت للسخرية والإهانات أمام زملائها، قبل أن تُنقَل إلى مكتب منفصل في طابق تحت الأرض.

وأبلغت الموظفة نقابتها ومسؤولين في إدارتها بالقضية، وقدّمت طلباً مكتوباً للحصول على الحماية، كما راجعت طبيب العمل، ولجأت إلى جهاز "فيجي سوفرانس" المعني بتلقي شكاوى العنف والتمييز والمضايقات والمعاناة في العمل داخل دوائر رئاسة الوزراء. وقد أكّد تقييم داخلي أن سوء وضعها في العمل بلغ مستوى خطيراً، لكن الحل الذي عرضته عليها الإدارة اقتصر على مغادرة القسم.

وفي إبريل/ نيسان الماضي، توجهت الموظفة إلى محطة قطارات وحاولت إلقاء نفسها على السكة، قبل أن يمنعها أحد الموجودين، ثم أُدخلت إلى المستشفى خشية من محاولتها الانتحار مجدداً. وكانت تواجه في ذلك الوقت إجراءً تأديبياً بسبب إساءتها إلى أحد زملائها عبر الإنترنت، وهي أفعال اعتذرت عنها، فيما اعتبر طبيب العمل أنها جاءت في ظل التدهور الشديد لحالتها النفسية.

وقالت إدارة الخدمات الإدارية والمالية التابعة لرئاسة الوزراء، في ردها على "فرانس إنتر"، إنها لم تطلع على الاتهامات التي توجهها الموظفة إلى مسؤوليها إلا عند مثولها أمام اللجنة التأديبية، وإنها فتحت بعد ذلك تحقيقاً للتأكد من الوقائع، وتحديد ما إذا كانت تستدعي إجراءات أخرى. وتضم دوائر رئاسة الوزراء الفرنسية نحو خمسين أمانة عامة وإدارة وبعثة وهيئة، تتولى تنسيق عمل الوزارات والمساهمة في إعداد القوانين وضمان استمرارية العمل الحكومي. ولا يعمل الأشخاص المعنيون مباشرة في مكتب رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، لكن الجهات التي يعملون فيها تتبع لرئاسة الوزراء.

قالت رئاسة الوزراء الفرنسية إنها فتحت تحقيقاً للتأكد من الوقائع، وتحديد ما إذا كانت تستدعي إجراءات أخرى

ونقلت الإذاعة عن ممثلين للعاملين وموظفين في هذه الدوائر قولهم إن الأوضاع ازدادت اضطراباً منذ حل الجمعية الوطنية، إحدى غرفتي البرلمان الفرنسي، في يونيو/ حزيران 2024، وتعاقُب أربع حكومات خلال عامين. فمع كل تغيير، يصل فريق جديد ويعيد توزيع المسؤوليات وتغيير طرق العمل. كما تحدث ممثلو الموظفين عن خفض أعداد العاملين ودمج أقسام وزيادة الاعتماد على المتعاقدين، إلى جانب انتقادهم مسؤولين قادمين من القطاع الخاص يعتمد بعضهم أساليب إدارة تقوم على المنافسة الشديدة.

وطلبت المنظمات النقابية، مطلع يونيو الماضي، لقاء مسؤولي الإدارة في رئاسة الوزراء، للتعبير عن قلقها من بطء التعامل مع حالات المعاناة الناشئة عن ظروف العمل. وأسفرت الاجتماعات عن فتح تحقيق في انتحار موظف قسم البريد، ومواصلة التحقيق في وفاة موظف الأمانة العامة للاستثمار، إضافة إلى الاتفاق على تكليف مكتب خارجي تقييم ظروف العمل في جميع دوائر رئاسة الوزراء.

وترفض رئاسة الوزراء الفرنسية اعتبار جميع الحالات ناتجة عن سبب واحد، وتؤكد أن ظروف كل منها مختلفة، وأنها عملت على تقديم الدعم للموظفين بعد كل واقعة. غير أن جهاز "فيجي سوفرانس" تلقى 66 بلاغاً خلال عام 2025، مقابل 44 في عام 2024، ما يوحي أن المعاناة في العمل كانت آخذة في الاتساع داخل المؤسسة.