دفاعاً عن الأحزاب الجزائرية

08 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 00:39 (توقيت القدس)
من الانتخابات في الجزائر، 2 يوليو 2026 (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تُعتبر نسبة التصويت في الانتخابات الجزائرية مؤشراً مهماً على انخراط المجتمع في المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث يُنظر إليها كعامل احتجاجي صامت يعكس موقف الشعب من الأوضاع الراهنة.

- تُواجه الأحزاب الجزائرية انتقادات حادة بسبب تدني نسبة التصويت، لكن المسؤولية لا تقع عليها وحدها، إذ أن السلطة تتحمل جزءاً من المسؤولية في توفير الظروف المناسبة للعمل السياسي وتعبئة المجتمع.

- يتطلب معالجة الإخفاقات الانتخابية شجاعة وجرأة من السلطة والأحزاب لقراءة المشهد السياسي بواقعية، وفهم المتغيرات الشعبية لتعزيز المشاركة السياسية.

الخصوصية السياسية التي تنفرد بها الانتخابات، خصوصاً النيابية في الجزائر، أن نسبة التصويت تبدو أكثر أهمية واستقطاباً للأسئلة والتقديرات، من النتائج المرتبطة بصعود حزب أو تراجع آخر. في الاستحقاقات الجزائرية ينظر إلى نسبة التصويت، بما هي مؤشر فعلي ومحرار جدي لقياس مدى انخراط المجتمع في المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل إن نسبة التصويت بحد ذاتها تتحوّل إلى عامل مناكفة يثبت، من خلال قطاع واسع من المجتمع السياسي والنخب، صوابية موقفها وتقديرها للأوضاع بوصف تدنّي نسبة التصويت بما هو موقف احتجاجي شعبي صامت، أو تحمّل من خلالها السلطة الأحزاب السياسية مسؤولية الإخفاق في استقطاب الناخبين وتغذية مكاتب التصويت بالناخبين.

بعد انتخابات الخميس الماضي، شنّت الصحف ووسائل الإعلام في الجزائر، حملة موجهة ضد الأحزاب بالمعنى السالف، وهذا جزء من شيطنة سياسية تستهدف المؤسسة الحزبية في الجزائر منذ فترة، رغم أن ذلك يصب في رصيد الإحباط واستزراع اليأس السياسي والمجتمعي. إذا كانت الأحزاب الجزائرية هي المسؤولة عن عزوف الجزائريين عن التصويت، فمن المسؤول عن العزوف الانتخابي في الانتخابات الرئاسية التي جرت في سبتمبر/أيلول 2024، وقد شارك فيها الرئيس عبد المجيد تبون، بوصفه رئيساً ممارساً، وبحصيلة ومنجزات فعلية، ومع ذلك بلغت نسبة التصويت 24%، رغم انخراط قياسي للنسيج الواسع من المجتمع المدني في التعبئة لتلك الانتخابات؟ وهل كان ممكناً إلقاء نفس المسؤولية على الرئيس ومنافسيه (عبد العالي حساني ويوسف أوشيش) في تلك الانتخابات بالإخفاق في إقناع الناخبين بالتصويت، وبالمشاركة في المشهدية السياسية على الأقل؟

هذا يعني أن المسألة لا تخص الأحزاب وحدها بالمطلق، حتى وإن كان أي تقدير موضوعي لمسألة رفض الجزائريين الذهاب إلى التصويت، يلقي بالضرورة جزءاً من المسؤولية في ذلك على الأحزاب. التجربة السياسية أثبتت بوضوح أن استنكار الوقائع وإنكار الحقائق القائمة لا يفيدان في شيء، ومقالا صحافيا لا يمكن له أن يغير من طبيعة الأشياء. ولا يفيد هذا الإنكار السلطة بقدر ما يفاقم التعنّت في رؤية المسائل على حقيقتها لمعالجتها على النحو المطلوب، ولا يفيد العمل والممارسة السياسية بقدر ما يكثف من حالة التعتيم، التي لا تسمح بالنظر إلى النتائج والإخفاقات بشكل صحيح. ما يساعد على معالجة النقائص واستدراكها، امتلاك السلطة - وكذلك الأحزاب والنخب السياسية - الشجاعة والجرأة في قراءة المشهد بتشكلاته الأكيدة، وكلما كانت أكثر تقديراً واحتراماً للعقل السياسي الجمعي، وقدرة على فهم المتغير الشعبي في علاقة بالسياسة والانتخابات والمسألة التمثيلية وغيرها.

لم تكن السلطة بحاجة إلى هذا التسرع بإلقاء الحمل على الأحزاب وحدها بشأن تدني نسبة التصويت، والتنصل من مسؤوليتها في ذلك، وفي المساءلة الذاتية ما إذا كانت قد وفّرت الظروف المناسبة للعمل والممارسة السياسية التي تسمح للأحزاب الجزائرية بالعمل في عمق المجتمع وتخليق النقاشات الضرورية، وتعبئة المجتمع لكل الاستحقاقات الوطنية، إلا إذا كان تحميل الأحزاب، هو بذاته عنواناً سياسياً يرفع المشروعية عن الطبقة السياسية كلها، ويحدّ من تطلعها إلى دور في تشكيل الحكومة وتشكل الخيارات.