حراك حفتر القبلي غربي ليبيا... هندسة حزام ولاء حول طرابلس

26 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:03 (توقيت القدس)
حفتر في بنغازي، 31 مارس 2025 (عبدالله دومة/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- اللواء المتقاعد خليفة حفتر يسعى لإعادة تشكيل التوازنات في ليبيا عبر حراك قبلي في الغرب لتعويض غيابه العسكري، داعيًا لحل داخلي للأزمة السياسية وتحقيق التنمية.
- طرابلس تعلن عن "هيئة الرئاسات العليا" كإطار تنسيقي للسلطات السيادية، في خطوة لمواجهة حراك حفتر، بينما تربط بنغازي رفضها للهيئة بالمطالبة بإنجاز الانتخابات الرئاسية.
- المحللون يرون أن حراك حفتر يهدف لبناء دعم اجتماعي وسياسي، لكن تعقيدات الوضع الداخلي والعقبات الدولية قد تعرقل تحقيق شرعية دون موافقة القوى الدولية.

في مشهد يعيد رسم ملامح التوازنات داخل ليبيا، اتجه اللواء المتقاعد خليفة حفتر نحو غرب البلاد بحراك قبلي متسارع، محاولاً تعويض غيابه العسكري فيها، بفتح ممرات اجتماعية في مناطق ظلت لسنوات خارج حدود نفوذه، في مسعى لبناء شرعية خارج القنوات المؤسسية التقليدية، خصوصاً مع تعثر مسار خريطة الطريق التي أعلنتها البعثة الأممية في أغسطس/آب الماضي. وبعد أن افتتح خليفة حفتر سلسلة لقاءاته في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مع ممثلي قبائل الشرق والوسط والجنوب، انتقل في نوفمبر/تشرين الثاني الحالي نحو مرحلة أكثر كثافة في الغرب، فاستضاف في المدينة العسكرية ببنغازي عدداً من الشخصيات القبلية من ترهونة وبني وليد في شرق طرابلس، ومن الزنتان وغريان وككلة غربها، في لقاءات منفصلة ومتتابعة. وألقى خلال جميع اللقاءات خطابات موحدة حملت عنواناً واحداً: دعوة الليبيين إلى المبادرة من الداخل لصياغة حل لأزمتهم السياسية.

خطاب خليفة حفتر

وبدأ خطاب خليفة حفتر يتطور مع تسارع المستجدات، فبينما حملت لقاءاته مع قبائل الشرق والوسط والجنوب رسائل عامة تدعو إلى رسم خريطة طريق داخلية ورفض الخرائط التي "تنسج خيوطها وراء الحدود"، في إشارة إلى رفض خريطة الطريق الأممية، انتقل في لقاءاته مع ممثلي الغرب إلى لغة أكثر مباشرة وتحفيزاً، داعياً إلى "التحرك لتقرير المصير وانتزاع الحقوق"، ومتعهداً بأن قواته "حاضرة لحماية هذا الحراك". كما بدا حراك خليفة حفتر في الغرب أكثر اتساعاً من تحركاته في الشرق والجنوب التي اقتصر فيها على لقاء مع وفود قبلية عامة، إذ استهدف في الغرب شخصيات مناطقية ذات حضور اجتماعي معتبر. ورغم الطابع القبلي للقاءات، فقد حرص حفتر على إرفاقها بوعود بالإعمار والتنمية، مشيراً إلى رغبته في محاكاة ما تشهده مناطق الشرق من مشاريع عمرانية، في رسالة بدت موجهة لاستمالة شرائح تبحث عن تحسن معيشي يتقدم على الاستقطابات السياسية.


عبد المجيد قنود: حفتر يسعى إلى خلق انطباع بوجود حزام يمكن أن يتحرك لصالحه

وفي خضم هذا الزخم، أعلنت طرابلس على نحو مفاجئ، الخميس الماضي، تأسيس "هيئة الرئاسات العليا"، وهي صيغة وصفت بأنها "إطار تنسيقي" يضم المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة وحكومة الوحدة الوطنية بوصفها "السلطة السيادية العليا للدولة". وكان لافتاً أن هذا الإعلان جاء متزامناً مع تزايد لقاءات خليفة حفتر في الغرب، ما وضع الخطوتين في سياق واحد لدى مراقبين رأوا أن العاصمة تريد تثبيت مرجعيتها في مواجهة حراك حفتر. وجاء الرد من بنغازي سريعاً، إذ أصدرت حكومة مجلس النواب بياناً ربطت فيه بين رفض "هيئة الرئاسات" والمطالبة بـ"سرعة إنجاز الانتخابات الرئاسية، وإلا فإن خيار المطالبة بالحكم الذاتي، سيكون خياراً مطروحاً بشكل واضح وعاجل". ربط أثار انتباه مراقبين حيال الرسائل العميقة لدعوة حفتر للشعب الليبي إلى المبادرة بخريطة حل سياسي داخلي، وعلاقتها بمساعيه للحصول على تفويض للحكم، الذي لطالما تعثر سعيه إليه، وخصوصاً أن الانتخابات التي كان يفترض أن تُجرى نهاية عام 2021 فشلت أساساً، بسبب الخلاف حول شروط ترشح العسكريين وحاملي الجنسيات الأجنبية، وهي قضايا تمس موقع خليفة حفتر نفسه.

وفي قراءة لهذا المشهد، رأى أستاذ علم الاجتماع السياسي عبد المجيد قنود أن الحراك القبلي الذي يقوده خليفة حفتر "ليس محاولة لملء فراغ وجوده فقط، بل خطوة تهدف إلى إعادة ضبط موازين النفوذ الداخلي ببناء كتلة من الموالين يمكن أن يقدمها لاحقاً مصدراً من مصادر الشرعية السياسية". وأوضح قنود في حديثٍ لـ"العربي الجديد" أن حفتر يتحرك "وفق خطة دقيقة تقوم على توظيف الرمزية التي تختزنها بعض المدن في الذاكرة السياسية لطرابلس، لبناء انطباع بأن الحزام المناطقي المحيط بالعاصمة يمكن أن يتحرك لصالحه". وأشار قنود إلى أن اختيار حفتر مدناً بعينها لم يكن عشوائياً، بل جاء في إطار "استحضار نقاط القلق في محيط العاصمة واستخدامها ورقة ضغط"، موضحاً أن ترهونة وغريان تحملان "رمزية اندفاعه العسكري نحو طرابلس عام 2019"، وأن مجرد ظهور ممثلين عنهما إلى جانبه "كاف لإحياء حساسية داخل العاصمة". أما الزنتان، فثقلها العسكري وموقعها على حدود تونس والجزائر "يمنحانها أثراً يتجاوز حجم انقسامها الداخلي، فيما تفتح بني وليد نافذة على قاعدة اجتماعية من أنصار النظام السابق".

وعن لقاء حفتر بشخصيات من ككلة، رأى قنود أنها "تحمل دلالة رمزية خاصة بالنظر إلى ارتباطها بقائد جهاز دعم الاستقرار" عبد الغني الككلي، الذي قتل أثناء هجوم قوات الحكومة في طرابلس على معاقله في مايو/ أيار الماضي "ما يجعل حضور ممثلين عنها في بنغازي جزءاً من بناء صورة تحالفات محتملة". في المحصلة، اعتبر قنود أن حفتر "يسعى إلى خلق انطباع بوجود حزام اجتماعي وسياسي يمكن أن يتحرك لصالحه حتى في غياب الأدوات العسكرية المباشرة".


حسن عبد المولى: أي تمدد لحفتر غرباً سيصطدم بسقف دولي واضح

في المقابل، قدم أستاذ العلوم السياسية حسن عبد المولى قراءة مختلفة، معتبراً في حديثٍ لـ"العربي الجديد" أن حضور خليفة حفتر في الغرب "ينطوي على قدر من المبالغة"، لافتاً إلى أنه "يعيد إنتاج خطأ 2019 حين اعتقد أن الطريق إلى طرابلس تمر عبر مناطق تبدو قوية لكنها هشة من الداخل". وأشار عبد المولى إلى أن مدناً مثل ترهونة وغريان فقدت وزنها الفعلي بعد تفكك قواها المسلحة، وأن الاعتماد على البعد القبلي فيها لم يعد قادراً على ترجمة نفسه سياسياً. ولفت إلى أن الزنتان "تعيش انقساماً داخلياً عميقاً، خصوصاً أن أحد أجنحتها يرتبط بحكومة الوحدة عبر وزير الداخلية عماد الطرابلسي، ما يضعف قدرة حفتر على توظيفها"، معتبراً أن خليفة حفتر "يتعامل مع الغرب كما لو كانت موازين القوى فيه ثابتة، بينما الواقع يعكس تحالفاته المتبدلة بسرعة، كما أن البنية الأمنية فيه متشابكة عبر نفوذ القوى المسلحة الكبرى في طرابلس التي تتمدد إلى أغلب قطاعات غرب البلاد".

مسار الخريطة الأممية

وذكر عبد المولى أن قوى طرابلس المسلحة "هي التي صدت هجوم حفتر عام 2019 ومنعت دخول حكومة إلى مجلس النواب عام 2022، وما تزال الطرف الأكثر قدرة على تعطيل أي محاولة لتغيير وضع السلطة، وهي القوى التي مارست سابقاً ضغوطاً لمنع تمرير قوانين انتخابية تتيح لحفتر الترشح للرئاسة". وتناول عبد المولى البعدين الإقليمي والدولي، معتبراً أن أي تمدد لحفتر غرباً "سيصطدم بسقف دولي واضح"، فتركيا لن تسمح بخلخلة التوازن الأمني في طرابلس، كما أن واشنطن ولندن وروما "كلها تراقب أي خطوة تمنحه نفوذاً إضافياً، لأنه سينظر إليها كامتداد لحضور موسكو التي تقف وراءه". كما اعتبر أن مسار الخريطة الأممية، رغم ما يعيشه من تعثر، "قد يعاد دفعه بقوة إذا ما استشعرت القوى الدولية محاولة من حفتر تشكيل واقع سياسي جديد، من دون شك أن أي تفويض قبلي أو مسار مواز يسعى إليه حفتر لن يكتسب شرعية دون موافقة دولية وإقليمية".

وشكك عبد المولى في صلابة قاعدة حفتر في الشرق والجنوب، موضحاً أنه "يتحرك في الغرب كما لو أنه يستند إلى قاعدة متماسكة في الشرق الذي شهد تراجع قوة تحالفاته مع القبائل فيه، كما أن الجنوب تتعدد فيه مراكز الفعل القبلية، ومن بينها قبائل لا تؤيد حفتر بالكامل". ويعتبر أن حراك حفتر في الغرب "محدود الأثر، والقادة في طرابلس يدركون ذلك جيداً، لهذا لم يتجهوا إلى مواجهته عبر مسارات التحشيد القبلي ومناكفته اجتماعياً، بل اتجهوا إلى ملء الفراغ الذي يحاول التمدد فيه، والسعي لتفويض اجتماعي للحكم، فأعلنوا عن هيئة الرئاسات لقطع الطريق عليه".

المساهمون