تراجع الثقة الأوروبية بواشنطن

12 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 00:27 (توقيت القدس)
تحرك رافض للقواعد الأميركية بآرهوس، الدنمارك، 1 مايو 2026 (ناصر السهلي)
+ الخط -
اظهر الملخص
- أظهر استطلاع حديث تحولاً في نظرة الأوروبيين تجاه الولايات المتحدة كضامن أمني، حيث تراجعت الثقة في استعدادها للدفاع عن حلفائها، مع تسجيل بولندا أعلى مستويات الثقة بنسبة 37% وإسبانيا الأدنى بنسبة 12%.

- تعكس النتائج توجهاً أوروبياً نحو تعزيز الاستقلالية الدفاعية، حيث يفضل 75% من الدنماركيين و72% من الهولنديين شراء أسلحة أوروبية، مما يشير إلى تحول عن سياسات التقشف الدفاعي.

- لا تشير هذه المؤشرات إلى انهيار الشراكة عبر الأطلسي، بل تعكس تصاعد الشكوك الأوروبية وإعادة تقييم العلاقة مع الولايات المتحدة، مع تعزيز النزعة نحو استقلالية استراتيجية أكبر.

تكشف نتائج استطلاع رأي حديث أجراه "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، ونشر الأربعاء الماضي، عن تحوّل لافت في نظرة الأوروبيين إلى الولايات المتحدة ودورها الأمني في القارة. فبعد عقود من اعتبار واشنطن الضامن الرئيسي لأمن أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، باتت قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي أقل ثقة باستعدادها للدفاع عن حلفائها في حال تعرضهم لتهديدات عسكرية.

وشمل الاستطلاع مواطنين في 15 دولة أوروبية، وأظهر أن الأغلبية في معظم هذه الدول لا تتوقع تدخلاً أميركياً مباشراً للدفاع عنها عند وقوع هجوم عليها. وسجلت بولندا أعلى مستويات الثقة، إذ اعتبر 37% من المشاركين أن أميركا ستدافع عن بلادهم، فيما جاءت إسبانيا في أدنى المراتب بنسبة 12% فقط. أما في الدنمارك، التي تُعد تقليدياً من أقرب الحلفاء الأوروبيين لواشنطن، فلم تتجاوز النسبة 20%.

وتعكس النتائج توجهاً أوروبياً متزايداً نحو تعزيز الاستقلالية الدفاعية للقارة. فقد أبدى 75% من الدنماركيين و72% من الهولنديين و70% من السويديين تفضيلهم شراء أسلحة أوروبية بدلاً من الاعتماد على الموردين الأميركيين أو غير الأوروبيين. وفي هذا تحول كبير عن سياسات "التقشف" الدفاعي ورفض الاستدانة الأوروبية الجماعية.

ويبرز التحول الدنماركي، استناداً إلى ما يسمى "لحظة غرينلاند"، بوصفه مؤشراً على عمق التغيير في المزاج الأوروبي. فالدنمارك التي شاركت الولايات المتحدة في حروب العراق وأفغانستان وغيرها، شهدت تراجعاً حاداً في النظرة الإيجابية إليها؛ إذ انخفضت نسبة من يعتبرون أميركا حليفاً يتشارك القيم والمصالح مع بلادهم من نحو 30% عقب الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة إلى 7.4% فقط، بينما بات 31.6% من الدنماركيين ينظرون إليها منافساً أو حتى خصماً، وبات بعضهم يرفع شعارات "لا للإمبريالية الأميركية" ويدعو إلى مقاطعتها.

لا تنذر هذه المؤشرات بانهيار الشراكة عبر الأطلسي بقدر ما تعكس تصاعد الشكوك الأوروبية حيال الاعتماد على الولايات المتحدة، وتكشف عن إعادة تقييم غير مسبوقة للعلاقة بين الجانبين منذ نهاية الحرب الباردة، في ظل تباينات متزايدة حول الأمن والمصالح ومستقبل النظام الدولي، فضلاً عن الانخراط الأميركي المتنامي في السجالات السياسية الأوروبية ومحاولة الدفع بقوى يمينية متشددة نحو السلطة.

وفي المحصلة، تهتزّ مسلّمات راسخة داخل المعسكر الغربي وتتراجع الثقة الأوروبية بواشنطن ضامناً للأمن، بما يعزز النزعة نحو استقلالية استراتيجية أكبر، من دون أن يعني ذلك قطيعة وشيكة وتامة أو ولادة نظام دولي متعدد الأقطاب سريعاً، وإن حمل في طياته دروساً مهمة لدول أخرى خارج القارة.