تجدد المواجهات في إقليم تيغراي الإثيوبي: أسبابها وتداعياتها
- التوترات تعود إلى عدم استثمار الجبهة لمكاسب اتفاق بريتوريا 2022 والانقسامات الداخلية، بينما تعتمد الحكومة الفيدرالية على استراتيجية "المعالجة الموضعية" لاحتواء التحركات المسلحة.
- تجدد المواجهات قد يؤدي إلى تداعيات كبيرة على إثيوبيا والحدود السودانية، ويتطلب احتواء التوترات دوراً فاعلاً من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.
بعد أشهرٍ من الحشد والتعبئة العسكرية وتبادل الاتهامات بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، تجددت المواجهات العسكرية العنيفة في إقليم تيغراي (شمال شرقي إثيوبيا) وتحديداً في منطقة شيرينا قرب الحدود مع السودان، يوم السبت الماضي. وعلى الفور، اتهمت الجبهة الحكومة الإثيوبية بشنّ الهجوم على مواقع تمركزها في الإقليم، وذلك على لسان أمانويل أسيفا، نائب رئيس جبهة تحرير شعب تيغراي (دبرصيون جبرميكائيل)، الذي قال في تصريح لوكالة فرانس برس، "إن القوات الاتحادية شنّت هجوماً برّياً على مواقع الجبهة في منطقة شيرينا قرب الحدود مع السودان"، مؤكداً أن "الاشتباكات استُخدمت فيها المدفعية الثقيلة واستمرت لساعات".
حكومة تيغراي تتهم "الدعم السريع"
ويوم أمس الاثنين، أكدت حكومة إقليم تيغراي أن الجيش الإثيوبي شنّ هجوماً عسكرياً واسعاً على قوات أمن الإقليم في محيط منطقة شيرينا، متهمة قوات "الدعم السريع" السودانية، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى جانب مجموعات مسلحة أخرى، بالمشاركة في العملية. وأضافت الحكومة، في بيان، أن الهجوم بدأ منذ فجر أمس، واستمر ساعات طويلة، مشيرة إلى أن الجيش الإثيوبي اعتمد على هجمات برّية متكررة مدعومة بالقوة الجوية. وأكد البيان أن قوات أمن تيغراي تمكنت من صدّ الهجوم وإفشال أهدافه العسكرية، مشيداً بما وصفه بـ"شجاعة وانضباط" القوات التي قال إنها قاتلت "دفاعاً عن الإقليم". واتهمت حكومة تيغراي الحكومة الفيدرالية بالاعتماد على ما وصفته بـ"هجمات الموجات البشرية"، معتبرة أن هذه الاستراتيجية أسفرت عن خسائر كبيرة في صفوف القوات المهاجمة وحلفائها. وأضاف البيان أن مستشفيات ومراكز طبية تمتد من غرب تيغراي إلى مدينة غوندار استقبلت أعداداً كبيرة من الجرحى، مدعياً أن السلطات الإثيوبية نقلت عدداً من المصابين جواً إلى مناطق أخرى داخل البلاد في محاولة لإخفاء حجم خسائرها.
تتهم حكومة تيغراي "الدعم السريع" السودانية، بالمشاركة في عملية الجيش
وفي السياق، عبَر مئات الإثيوبيين من إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا إلى الأراضي السودانية خلال اليومين الماضيين، فراراً من موجة جديدة من الاشتباكات المسلحة التي اندلعت قرب الحدود بين البلدين، بحسب ما أفادت به مصادر أمنية وطبية سودانية. وأفاد مصدر أمني سوداني لوكالة فرانس برس، في بلدة حمدايت الحدودية، أول من أمس، بأن من بين الوافدين إلى السودان مقاتلين مصابين جرّاء الاشتباكات، فيما أكد مصدر طبي في مركز صحي حدودي، أن الجرحى تلقوا الإسعافات الأولية قبل نقلهم إلى منطقة الهشابة، التي تبعد نحو 15 كيلومتراً داخل الأراضي السودانية، التي تستضيف آلاف النازحين الذين فرّوا من حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022. كما أفاد سكّان في الجانب السوداني من الحدود، بسماع دوي انفجارات وإطلاق نار كثيف طوال فترة المواجهات، في مؤشر على شدة الاشتباكات التي شهدتها المنطقة. وتثير عودة القتال في تيغراي مخاوف من موجة نزوح جديدة قد تزيد من تعقيد الأوضاع الإنسانية على الحدود الإثيوبية السودانية، في ظلّ الأزمات الأمنية المتزامنة التي تواجهها الدولتان.
ويرى نور الدين عبده، رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية ومبادرات التكامل الإقليمي في إثيوبيا (مستقل)، أن جذور التوترات المتجددة في إقليم تيغراي تعود في جانب كبير منها، إلى عدم نجاح التيار القيادي داخل الجبهة في استثمار المكاسب التي أتاحها اتفاق بريتوريا (2022)، وعدم التكيف مع التحولات السياسية التي شهدتها إثيوبيا عقب خروج الجبهة من السلطة (2018). ويقول عبده في حديث لـ"العربي الجديد"، إن بعض قيادات الجبهة سعت إلى استعادة نفوذها السياسي والعسكري، حتى وإن تطلب ذلك، بحسب تقديره، التقاطع مع أجندات إقليمية ترى في استمرار حالة عدم الاستقرار في القرن الأفريقي وسيلة لتحقيق مصالحها، وهو ما أسهم في تعميق الانقسامات داخل الجبهة نفسها.
نور الدين عبده: جبهة تيغراي تشهد اليوم انقساماً بين تيارين
ويضيف عبده أن جبهة تيغراي تشهد اليوم انقساماً بين تيارين؛ أحدهما يدعو إلى التأقلم مع المتغيرات التي فرضها الواقع الإثيوبي والإقليمي والدولي بعد اتفاق السلام، فيما يتمسك الآخر بخيار استعادة زمام المبادرة عبر التصعيد السياسي والعسكري. في المقابل، يلفت عبده إلى أن الحكومة الفيدرالية تتعامل مع التطورات من خلال ما يصفه باستراتيجية "المعالجة الموضعية"، التي تقوم على احتواء التحركات المسلحة واستهداف بؤر التوتر دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق. هذا بالإضافة إلى أن حكومة أديس أبابا تراهن، وفق رأيه، على عامل الزمن، انطلاقاً من قناعة مفادها أن المجموعات التي تعتمد على استمرار الاضطرابات ستفقد تدريجياً قدرتها على المناورة سياسياً وعسكرياً، مع تراجع الدعم المحلي والإقليمي لها. ويلمح عبده إلى أن احتمالات اندلاع حرب شاملة في تيغراي لا تبدو مرجحة في المرحلة الراهنة، متوقعاً استمرار سياسة الاحتواء المحدود، ما لم تطرأ متغيرات جوهرية على المشهدين الداخلي والإقليمي.
تراجع الثقة
أما الصحافي الإريتري المقيم في أديس أبابا، جابر منصور، فيرى أن تجدد المواجهات في إقليم تيغراي، جاء نتيجة مباشرة لتفاقم الخلافات حول تنفيذ اتفاق بريتوريا وترتيبات السلطة ونزع السلاح. ويأتي التوقيت في ظلّ تصاعد التوترات الداخلية داخل الجبهة وتراجع الثقة مع الحكومة الفيدرالية، وقد تسعى الأطراف إلى تحسين مواقعها التفاوضية وفرض وقائع ميدانية جديدة.
ويشير جابر منصور في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن تجدد مواجهات عسكرية شرسة في إقليم تيغراي سيترك بلا شك تداعيات قد تتجاوز حدود إقليم تيغراي ليؤثر في استقرار إثيوبيا والعلاقات مع إريتريا وأمن الحدود ومسار السلام الإقليمي. ومن الصعب الحديث، وفق رأيه، عن منتصر عسكري واضح، فالحرب ستستنزف جميع الأطراف، لكن الحكومة الفيدرالية تملك تفوقاً في الموارد العسكرية، بينما تمتلك جبهة تيغراي خبرة ميدانية وقدرة على التعبئة، ولذلك قد يكون الحسم السياسي أكثر احتمالاً من الانتصار العسكري في الوضع الراهن.
جابر منصور: الحرب ستستنزف جميع الأطراف، لكن الحكومة الفيدرالية تملك تفوقاً في الموارد العسكرية
وفي السياق، يقول الباحث السوداني إبراهيم ناصر، مدير منصة الدراسات الأمنية (مستقلة)، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن اندلاع المواجهات في إقليم تيغراي كان متوقعاً منذ فترة، إلا أن الظروف الإقليمية، إلى جانب انخراط بعض الأطراف الخارجية، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، في تهدئة الأوضاع بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، أسهمت في تأجيل اندلاع العمليات القتالية بين الطرفين. وأضاف أن الحكومة الإثيوبية، بحسب تقديره، تقاعست عن تنفيذ بنود اتفاق بريتوريا للسلام، رغم وضوحها، وسعت في الوقت ذاته إلى استغلال حالة الانقسام داخل جبهة تحرير شعب تيغراي لتعزيز موقعها داخل الإقليم، من خلال دعم عدد من القيادات السياسية والعسكرية، في محاولة لإحداث شرخ داخل قيادة الجبهة.
وأشار ناصر إلى أن التيار الأقوى داخل إقليم تيغراي، بقيادة رئيس الجبهة، ظلّ صاحب النفوذ الأكبر، معتبراً أن الاستراتيجية التي انتهجتها الحكومة الإثيوبية اعتمدت على شخصيات من داخل الإقليم وأخرى من خارجه، بينها شخصيات مرتبطة بالولايات المتحدة. كما أن الحكومة حاولت أيضاً الدفع نحو إنشاء كيان موازٍ لجبهة تحرير شعب تيغراي، يحمل اسم "جبهة السلام في تيغراي"، ويضم عدداً من القيادات العسكرية داخل الإقليم، إلا أن هذه المحاولة، بحسب قوله، لم تحقق النجاح.
وحول تداعيات تجدد المواجهات، يقول إبراهيم ناصر إن عودة الحرب في إقليم تيغراي ستكون لها تداعيات كبيرة على إثيوبيا بالدرجة الأولى، كما ستنعكس على الأوضاع الأمنية على الحدود السودانية الإثيوبية، لا سيما منطقة "الفشقة الكبرى" التي قد تكون من بين المناطق الأكثر تأثراً، مرجحاً أن تشهد تصاعداً في العمليات العسكرية، وأن تصبح إحدى المناطق التي قد تستهدفها الطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة التابعة للجيش الإثيوبي. كما أن اتساع رقعة الصراع قد يتزامن مع تدخل عوامل خارجية، وفي ظل استمرار المواجهات قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من التمردات في أقاليم إثيوبية أخرى، ما يعكس حالة التخبط التي تعيشها البلاد.
وفي ما يتعلق بالسودان، يرى إبراهيم ناصر أن أبرز التداعيات ستكون إنسانية وأمنية، من خلال تدفق موجات جديدة من اللاجئين، إلى جانب تنامي حالة عدم الاستقرار على طول الحدود السودانية الإثيوبية، وهو ما قد تحاول جبهة تحرير تيغراي استثماره لتحقيق اختراقات في مناطق مختلفة. وفي حال واصلت الحكومة الإثيوبية، بحسب قوله، دعم قوات الدعم السريع وتبني نهج الاعتماد على المليشيات، فإن ذلك قد يجعل الأراضي السودانية ساحة تنطلق منها تحركات للمعارضة الإثيوبية، موضحاً أنه لا يقصد بذلك المعارضة التابعة لتيغراي فقط، وإنما أيضاً قوى المعارضة الإثيوبية الأخرى المتحالفة مع جبهة تحرير تيغراي، إضافة إلى بعض الحركات المسلحة.
ووفق إبراهيم ناصر، فإن مخاوف اتساع المواجهات العسكرية في إثيوبيا والمهددات الأمنية في كل من السودان والصومال، قد تدفع واشنطن إلى ممارسة ضغوط على الحكومة الإثيوبية من أجل التعامل مع الأزمة بصورة أكثر عقلانية، وفي الوقت ذاته الضغط على جبهة تحرير تيغراي لوقف القتال، في ظلّ أوضاع إقليمية وصفها بأنها غير مؤاتية، في إشارة إلى استمرار الأزمة في السودان، والأوضاع المعقدة في الصومال، وتصاعد نشاط التنظيمات المسلحة في المنطقة.
ويرى خبراء أن احتواء التوترات بين جبهة تحرير تيغراي والحكومة الإثيوبية يتطلب دوراً فاعلاً من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، إذ تمتلك هذه الأطراف القدرة على الإسهام في منع اتساع رقعة الصراع، كما تمثل الولايات المتحدة طرفاً أساسياً ومكملاً في جهود دعم عملية السلام في إثيوبيا، وبإمكانها وضع شروط للتعامل مع أي أزمة أمنية قد تندلع في البلاد، في ظل مخاوفها من انعكاسات ذلك على أمن البحر الأحمر، الذي يشهد راهناً توترات أمنية نتيجة تهديدات الحوثيين من جهة وعودة نشاط القراصنة الصوماليين إلى سواحل اليمن والصومال وبشكل ملحوظ منذ العام الحالي.