السويداء السورية... توترات أمنية وانسداد في المسار السياسي

08 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 17:09 (توقيت القدس)
عناصر من قوات الأمن السورية، السويداء 15 يوليو 2025 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تعيش السويداء حالة من التعقيد بسبب الأزمات الإدارية والتوترات الأمنية، مع غياب مرجعية واضحة وانسداد المسار السياسي مع دمشق، مما أدى إلى انهيار الخدمات.
- قرار الزعيم الدرزي حكمت الهجري بحل "اللجنة القانونية العليا" وتشكيل مجلس إدارة جديد يعكس الأزمة، بينما يثير تكليف القاضي شادي مرشد الجدل بسبب خلفيته الأمنية.
- الوضع يتجه إما لإعادة التنظيم الداخلي أو استمرار الفوضى، مع الحاجة لحوار داخلي شامل لتحييد القطاعات التعليمية والخدمية عن الصراعات السياسية.

بعد نحو ثمانية أشهر على الأحداث الدامية التي شهدتها في يوليو/تموز الماضي، تعيش محافظة السويداء جنوب سورية مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات الإدارية مع التوترات الأمنية والانهيار الخدمي، في ظل غياب مرجعية واضحة لإدارة المحافظة، وانسداد في المسار السياسي مع الحكومة في دمشق. وجاء قرار الزعيم الديني الدرزي حكمت الهجري بحل "اللجنة القانونية العليا" وتشكيل مجلس إدارة جديد، ليعكس الأزمة القائمة ويفتح باب التساؤلات حول جدوى كل ذلك، وإلى أين تتجه الأمور في المحافظة.

ويبدو أن قرار حل "اللجنة القانونية العليا"، التي كانت تمثل السلطة الفعلية في السويداء منذ أغسطس/آب العام الماضي، يشير إلى اعتراف ضمني بفشل نموذج الإدارة السابق أو على الأقل عجزه عن احتواء الأزمات المتراكمة. ورغم تبرير القرار بأنه خطوة نحو "إدارة أكثر مهنية"، إلا أن عدم توضيح الأساس القانوني لهذه الخطوة، يعمق حالة الضبابية، خصوصا في ظل استمرار القطيعة مع الحكومة في دمشق، ووجود قوى مسلحة محلية تفرض نفوذها على الأرض، وتداخل الصلاحيات بين الرئاسة الروحية التي يمثلها الهجري، والجهات التنفيذية على الأرض. 

وجاء تكليف القاضي شادي مرشد بتشكيل مجلس الإدارة الجديد محاولة لإعادة ضبط المشهد، إلا أن خلفيته المرتبطة بالأجهزة الأمنية للنظام السابق، تثير جدلا في الشارع المحلي، بين من يراها خطوة نحو ضبط الأمن، ومن يعتبرها إعادة إنتاج لوجوه السلطة السابقة. وفي هذه الأجواء، تحولت الأوضاع المضطربة في مديرية التربية بالمحافظة إلى عنوان للأزمة الجديدة حيث تداخلت السياسة بالأمن بالإدارة، داخل مؤسسة يفترض أن تكون محايدة.

وبدأت الحكاية قبل يومين مع اقتحام مجموعة من المسلحين مبنى مديرية التربية وإجبار المدير الجديد صفوان بلان على الاستقالة، ليتبع ذلك إضراب واسع للكوادر التعليمية، وتعليق الدوام في بعض المدارس وصولا إلى شلل إداري كامل في المديرية. وتعود جذور الأزمة إلى ما بعد أحداث يوليو 2025، حين جرت امتحانات الثانوية بشكل محلي دون اعتراف وزارة التربية في دمشق، ما أدى إلى ضياع مستقبل آلاف الطلاب، بما يشمل تهديد أكثر من 14 ألف طالب بعدم القدرة على تقديم امتحانات معترف بها، وحرمان نحو 17 ألف معلم وموظف من الرواتب، وتوقفا شبه كامل للعملية التعليمية، ما يعني في المحصلة فقدان أية مرجعية تعليمية معترف بها، سواء محلية في السويداء أم مركزية في دمشق.

ورأى الكاتب والناشط المدني أدهم القاق أن حادثة اقتحام مديرية التربية في المحافظة لم تكن معزولة، بل تعكس واقعا أمنيا هشا تتحكم فيه مجموعات مسلحة محلية. وأضاف، في حديث مع "العربي الجديد"، أنه في محافظة السويداء لاسيما ريفها، "يعيش الناس في حالة استياء من الأوضاع الخدمية والأمنية والاقتصادية التي تفرضها سلطة اللجنة القانونية المتعاونة مع الهجري المسيء لمسيرة مشيخة العقل. فمن الوقفة الاحتجاجية في ساحة الكرامة إلى الإضراب الذي ينفذه المعلمون والمعلمات وطلابهم وطالباتها بمواجهة إقالة مدير التربية الذي عينه وزير التربية إلى وجود نزاعات مسلحة بين الفينة والأخرى ما جعل الهجري يهرب إلى الأمام خطوات، ويسترضي حكومة دمشق بحل اللجنة القانونية سيئة السمعة"، وفق تعبيره.

 وأضاف القاق: "نحن ساعون في درب تفعيل المجتمع المدني، ومناشدون الحكومة أن تتخلص من عقلية القرون الوسطى وقيمها بتقديم الولاءات الأولية على الولاء للدولة، وإعادة النشاط المدني والسياسي وفق أسس علمية معاصرة".

من جهته، قال المحامي مازن مالحة إن ما يحدث في مديرية تربية السويداء يهدد مستقبل آلاف الطلاب، وهذا يثير استياء الأهالي بشكل متزايد. وأضاف، في حديث مع "العربي الجديد"، أن هناك أكثر من ستة آلاف طالب تقدموا لامتحان الشهادة الثانوية العام الماضي لم يتمكنوا من استكمال دراستهم وما زالوا في بيوتهم، إضافة إلى عدد أكبر هذا العام، ما يعني أن لدينا آلاف الطلاب مصيرهم الشارع متسائلا لمصلحة من هذه التصرفات؟ وأكد أن جميع أهالي المحافظة "يقفون ضد هذه التصرفات التي تسيء لنا ونحن من يدفع الثمن". 

كما كتب الصحافي رواد بلان على صفحته في فيسبوك قائلا: "ما يحدث اليوم ليس مجرد خلل إداري عابر، بل انهيار خطير يهدد جيلاً كاملاً. فراغ قانوني وإداري في مديري التربية، مديرة لا يُعترف بتوقيعها، ومدير جديد يُمنع بالقوة من ممارسة مهامه. وبين هذا العبث من يدفع الثمن؟ 14 ألف طالب بكالوريا مهددون بمغادرة مدينتهم لتقديم امتحاناتهم في مناطق أخرى، مع ما يحمله ذلك من مخاطر أمنية وضغوط نفسية وأعباء مادية لا تُحتمل". في هذا الوقت، تثار اتهامات لـ"الحرس الوطني" الذي يتولى الأمن الداخلي في المحافظة بفرض إتاوات على التجار، ما زاد من الاحتقان الشعبي، خاصة في الأوساط التجارية بالتزامن مع استياء من "الحصار الاقتصادي وانقطاع الرواتب وتراجع الخدمات"، وفق الصحافي محمد سليمان.

 ويقول سليمان، في حديثه مع "العربي الجديد"، إن الوضع يتجه كما يبدو إما إلى نجاح سلطة الهجري نسبيا في إعادة التنظيم الداخلي عبر مجلس الإدارة الجديد من خلال توحيد المؤسسات وضبط الفصائل المسلحة وإعادة تشغيل القطاعات الحيوية، وهو احتمال يتطلب توافقا محليا غير متوفر حاليا مع تراجع المزاج المعادي للحكومة في دمشق تأثراً بأحداث يوليو الماضي، أو استمرار الفوضى القائمة حاليا مع بقاء وضع تعدد السلطات، ما يعني تفاقم الأزمات الخدمية وتوسع نفوذ الفصائل المسلحة، وهو مسار كما يضيف سليمان في حديثه مع "العربي الجديد"، يصب في اتجاه الانهيار التدريجي للوضع الراهن.

أما الاحتمال الثالث، وفق سليمان، فهو إحياء مسار التفاهم مع دمشق عبر اتصالات ثنائية أم برعاية خارجية، وهو احتمال غير منظور حاليا بسبب انشغالات الإقليم بالحرب مع ايران. وأكد سليمان حاجة المجتمع المحلي في السويداء إلى حوار داخلي شامل بين القوى الاجتماعية والدينية والفصائل لتحييد القطاعات التعليمية والخدمية عن الصراعات السياسية، مع الحاجة إلى تفاهمات ولو جزئية مع دمشق حول ملفات آنية لا تحتمل التأجيل مثل التعليم والرواتب.