"الحارس الشرقي"... امتحان لقدرات رد الناتو بعد صدمة التوغّل الروسي
استمع إلى الملخص
- وصف رئيس الوزراء البولندي التوغل بأنه تجاوز خطير، مما أدى لتفعيل المادة الرابعة من ميثاق الناتو، بينما يعكس الحدث تحدياً استراتيجياً في كيفية الرد على تهديدات غير مباشرة.
- دعت رئيسة المفوضية الأوروبية لإنشاء "جدار أوروبي مضاد للمسيّرات"، واتخذت دول أوروبية خطوات عسكرية عاجلة، بينما نفت روسيا نيتها استهداف بولندا.
في تحرك يعكس تصاعد القلق داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أُطلقت عملية "الحارس الشرقي" رداً مباشراً على توغّل 19 طائرة مسيّرة روسية في الأجواء البولندية، في خرق غير مسبوق لأراضي دولة عضو منذ الحرب العالمية الثانية. التوغّل، الذي بلغ عمقاً تجاوز 400 كيلومتر، فجّر استنفاراً أمنياً واسعاً في وارسو ودفع الناتو إلى إعادة رسم خطوط ردعه على جناحه الشرقي.
تمثل العملية تحولاً في عقلية الحلف الدفاعية، إذ تهدف إلى احتواء التهديدات الرمادية، وعلى رأسها المسيّرات منخفضة الكلفة، عبر تعزيز الرصد الجوي، وتفعيل منظومات الإنذار المبكر، وتكثيف الجاهزية ضد أيّ اختراقات تختبر مرونة الرد الغربي وصبره في تلك الجبهة الحساسة.
الحارس الشرقي: اختبار إرادة الغرب
وصف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك التوغّل الروسي بأنه تجاوز خطير لـ"خط أحمر"، محذراً من أن خطر اندلاع صراع عسكري مفتوح في أوروبا لم يكن يوماً أقرب مما هو عليه الآن. ورأى أن ما حدث ليس حادثاً عشوائياً، بل استفزاز محسوب دفع وارسو لتفعيل المادة الرابعة من ميثاق الناتو كإجراء إنذار مبكر يسبق التصعيد. ومع أن الحلف لم يفعّل المادة الخامسة، الخاصة باعتبار أي هجوم على عضو واحد هجوماً على الجميع، فإنّ الامتناع لا يقلل من خطورة الحدث، بل يعكس مأزقاً استراتيجياً: كيف يرد الناتو على تهديد لا يُصنّف "عدواناً مباشراً" لكنه يضرب في عمق مفهوم الردع الجماعي؟ قرار الحلف بعدم اعتبار التوغّل "عملاً عدائياً" رسمياً، رغم الاعتراف بخطورته، يُظهر هشاشة الفواصل بين الاستفزاز والتصعيد.
في هذا السياق، تأتي عملية "الحارس الشرقي" بوصفها إشارةً إلى أن الناتو لن ينتظر عبور الطائرات فحسب، بل سيتعامل مع ما يُحاك خلفها. فالعملية تهدف إلى تعزيز قدرات الإنذار والدفاع في الجناح الشرقي، خصوصاً مع تنامي التهديدات "غير المتكافئة" التي تمثلها المسيّرات الروسية. هذه الطائرات منخفضة التكلفة وصعبة الرصد باتت أداة فعّالة لاختبار قدرة الغرب على الرد بكلفة مستدامة، في معادلة تصب حتى الآن في صالح موسكو. والسؤال الأعمق: إلى أي مدى لا يزال الردع الغربي قادراً على الصمود في وجه تكتيكات "التآكل البطيء" التي تتبناها روسيا؟
مبادرات أوروبية وتحركات عسكرية عاجلة
لم يقتصر التحرك على مستوى "الأطلسي". فقد دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين إلى إنشاء "جدار أوروبي مضاد للمسيّرات" على مستوى الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع أوكرانيا، ليكون بمثابة مظلة دفاعية موحدة لصد التهديدات الجوية. وعلى الأرض، أعلنت الدنمارك إرسال مقاتلتين وفرقاطة إلى بولندا، إلى جانب إطلاقها أكبر برنامج دعم دفاعي لأوكرانيا، كما نشرت ألمانيا بطاريات "باتريوت" داخل بولندا، فيما شاركت هولندا بمقاتلات "إف-35" في المهام الجوية. في حين دعت الولايات المتحدة إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن الدولي، وسط غياب يقين أوروبي بسقف التضامن الأميركي العملي مع قارتهم.
الكرملين ينفي... والأوروبيون يشكّكون
وزارة الدفاع الروسية اكتفت بتصريح مقتضب أكدت فيه أنه "لا نية لاستهداف الأراضي البولندية"، بينما زعمت بيلاروسيا أن الطائرات "ضلّت طريقها عن طريق الخطأ"، لكن صور الحطام وتسجيلات الرادار، إلى جانب تصريحات أوروبية متطابقة، ترفض هذه الرواية وتؤكد أن ما جرى كان خطوة محسوبة لاختبار صبر الناتو.
وسارع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى استثمار الحادث دبلوماسياً، مؤكداً أن العدوان الروسي "لا يهدّد أوكرانيا فقط، بل كل الدول المستقلة في المنطقة". ودعا إلى مضاعفة الدعم الغربي وفرض مزيد من العقوبات على موسكو، فيما حذّر وزير خارجيته من أن روسيا "تزداد عدوانية كلما لم تُواجه برد فعل قوي".
الناتو أمام اختبار الردع الرمادي
التوغّل الروسي في أجواء بولندا لم يكن مجرد خرق جوي عابر، بل تحرّك محسوب بدقة ضمن ما يُعرف بـ"الحرب الرمادية"، إذ تُستخدم أدوات هجينة لا تُشعل حرباً شاملة، لكنها تُضعف الردع تدريجياً وتختبر صلابة التحالفات من دون إطلاق رصاصة واحدة. وهو ما تخشاه الدول الصغيرة التي تعتمد على وحدة الموقف الأطلسي. ويرى مراقبون أن تزامن هذا التوغّل مع أوسع هجوم روسي على أوكرانيا منذ شهور ليس مصادفة، بل مؤشر على أن موسكو تتحرك على مسارين متوازيين: الضغط الميداني، واستكشاف حدود الرد الغربي. ومع تعمّق الغموض في الموقف الأميركي قبيل الانتخابات، يبدو أن الكرملين يختبر ليس جاهزية الدفاعات فحسب، بل أيضاً تماسك القرار السياسي داخل الناتو.
من هنا، تكتسب عملية "الحارس الشرقي" طابعاً يتجاوز الرد العسكري التقليدي؛ فهي اختبار عملي لقدرة الناتو على الانتقال من وضعية رد الفعل إلى استراتيجية ردع وقائية فعّالة. والرهان لم يعد على الأنظمة الدفاعية فحسب، بل على وعي الحلف بحجم التحدي وجرأته في ملء الفراغات التي تتيح لروسيا توسيع هامش المناورة. في هذا السياق، تصبح بولندا اليوم أكثر من مجرد حليف حدودي، بل مقياساً حقيقياً لمصداقية المادة الخامسة من ميثاق الحلف. فكل تأخر أو تردد في الرد، حتى وإن لم يُترجم عسكرياً، يسهم عملياً في تقويض هيبة الردع الغربي، بحسب القلقين على وحدة الصف الأطلسي.
لقد بات الناتو، وباعتراف أوروبي، أمام لحظة استراتيجية حرجة، إذ لم يعد التهديد يُقاس بما يدخل الأجواء، بل بما يثيره من شكوك حول وحدة القرار والإرادة داخل الحلف نفسه، ومدى استعداده للدفاع عن "كل شبر من أراضيه"، كما يردد منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022. والرسالة الروسية كانت واضحة، أما الرد الأطلسي فيبقى في ميزان التاريخ.