الجزائر... تفسير حالة

12 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:36 (توقيت القدس)
تظاهرة في العاصمة الجزائر، 23 إبريل 2021 (رياض كرامدي/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه المجتمع الجزائري تحديات في تحقيق التغيير الديمقراطي والإقلاع الاقتصادي، رغم عدم وجود توترات داخلية تبرر تعطل السياسات العامة، مما يعكس خللاً في الحوكمة الرشيدة بعد الحراك الشعبي السلمي.
- تقييد المجال السياسي والإعلامي أدى إلى تصحير الساحة السياسية، وحرمان المجتمع من وسائل التعبير والنقاش، مما ساهم في بروز خطاب سياسي رديء وغير بنّاء، بعيد عن معالجة المشكلات الأساسية.
- الانتخابات النيابية المقبلة قد تشكل فرصة للمجتمع السياسي لتحرير نفسه، وللسلطة لتقييم الوضع بجدية، لتجنب تفاقم الحواجز بين المجتمع والسلطة.

لا يجد المجتمع النشط والمشتبك مع قضايا البلد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الجزائر، إجابات سياسية جادة ومقنعة بشأن جملة أسئلة عميقة تخصُّ استمرار العوامل الكابحة للمبادرة السياسية، والمعطّلة للإقلاع الاقتصادي وفكّ المعضلات الاجتماعية، رغم أن البلد لا يواجه توترات داخلية أو انقسامات سياسية، يمكن أن تفسر تعطّل السياسات العامة عن إنجاز وعودها، أو تبرر القلق المجتمعي الذي يتغذى من وقائع وأحداث تظهر وجود خلل كبير في الحوكمة الرشيدة. بعد حراك شعبي سلمي، أظهر مستوى كبيراً من قدرة المجتمع الجزائري على الاعتراض السياسي، وأبرز على نحوٍ غير مسبوق، التطلعات العميقة والتاريخية للجزائريين في التغيير الديمقراطي المشروع، حَدَثَ انكفاءٌ كبير في المشهد السياسي، وإخفاق في مأسسة هذا الحراك وتحويل تلك التطلعات إلى مسارات قابلة للتجسيد. ثمة ظروف وأسباب كثيرة، بعضها يتعلق بطبيعة السلطة وقدراتها، وبعضها بسذاجة الطبقة السياسية، يمكن أن تفسر كل ذلك، بل إنّ بعض رموز المرحلة السابقة للحراك، المعبرة عن مرحلة الفساد والمعادية لتطلعات الشارع، عادت عبر مسارات السلطة إلى تصدر المشهد السياسي والمجتمعي.

كان خطأ كبيراً لا يُغتفر للسلطة القائمة، وسيُرسم بوصفه حكماً تاريخياً بشأنها في المستقبل عند قراءة المرحلة بأثر رجعي، تقييدُ المجال السياسي والإعلامي، والتشدّد في الضغط على الحريات الأساسية ذات الصلة بالأنشطة والمواقف والتعبيرات السياسية، وتسليط إكراهات لمنع الديناميات السياسية من التنظم وتنظيم المجتمع على أسس الخيار الديمقراطي والاختلاف السياسي المشروع. أدى ذلك إلى تصحير الساحة السياسية، وإجبار فاعلين على الاستقالة وتحييد نفسها، وحرمان المجتمع من وسائل أساسية لمناقشة قضاياه ومطالبه، ومن أدوات وأطر طبيعية للتعبير عن تطلعاته ومواقفه وانشغالاته، مثلما حرم السلطة من مؤسّسات وسيطة كان يمكن أن تؤدي دوراً نقدياً ومساعداً في تحقيق تقدم في معالجة المشكلات وتركيز الحوكمة الراشدة. وكان تحصيل حاصل، أن يؤدي تغييب النقاش السياسي الجاد، وانغلاق فضاءات الحوار المسؤول، إلى بروز خطاب سياسي رديء ومتواضع، غير مقنع ولا بنّاء، متماهٍ مع الاستعراض الأدبي الفج، ويفتقد كلياً إلى الرؤية النقدية الضرورية، وبعيد عن مناقشة المشكلات الأساسية، ويعيد إنتاج نفس القوالب الصاخبة التي تدور حول الذات الحاكمة وتمجد السياسات على حساب الحقائق. هذا النوع من الخطاب الذي يفرض نفسه على الجزائريين بدعم سلطوي، هو المدخل الأساسي الذي يمكن أن يفسر الإحباطات والتعقيدات المجتمعية في الجزائر.

يظهر المجتمع السياسي في حالة استسلام لهذا الراهن، وهذه بحد ذاتها مشكلة، رغم وجود محاولات مقاومة من القوى الملتزمة بالمطلب الديمقراطي، والطامحة أولاً إلى أن تنتبه السلطة إلى المخاطر المتأتية من هذا الوضع، وإلى عدم جدوى الأدوات والأساليب القائمة في تسيير الشأن السياسي والتعاطي مع قضايا المجتمع، ولأن يجري استدراك هذا الوضع ومنع تفاقم الحواجز بين استحقاقات المجتمع السياسي وبين خيارات السلطة بما قد يقود إلى لحظة عسر شديدة. ربما تشكل الانتخابات النيابية المقبلة فرصة مناسبة لذلك، للمجتمع السياسي لتحرير نفسه، وللسلطة لتقييم المسألة على نحو جاد، ذلك أن الفرص التي تضيع، كلفتها أكبر من كل حساب.

المساهمون