"الاتفاقيات الإبراهيمية" ممر إجباري لقادة آسيا الوسطى نحو ترامب
استمع إلى الملخص
- أكد جي دي فانس أن زخم الاتفاقيات الإبراهيمية لا يزال قائماً، مشيراً إلى أن انضمام كازاخستان يعزز دور ترامب كـ"صانع للسلام" ويعوض توقف التطبيع بسبب الأحداث في غزة والضفة الغربية.
- تسعى كازاخستان لإلغاء العقوبات الأميركية لتعزيز التعاون الاقتصادي، وتدعم إدارة بايدن إلغاء التعديل لتعزيز التجارة والاستثمار وتقليل الاعتماد على روسيا.
انتهز الرئيس الأميركي دونالد ترامب
حاجة بلدان آسيا الوسطى ذات الغالبية المسلمة إلى تحسين العلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع الولايات المتحدة، إضافة إلى رغبتها بناء علاقات متوازنة مع الأطراف الفاعلة لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، من أجل حثها على الانضمام إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية" للتطبيع مع إسرائيل. وخلال استقباله في واشنطن للمرة الأولى قادة كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، وبعد إشارته إلى موافقة كازاخستان على الانضمام إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية"، وصفها بأنه "دولة عظيمة بقيادة عظيمة"، وأن انضمام أول دولة للاتفاقيات (خلال ولايته الثانية التي بدأت في 20 يناير/كانون الثاني الماضي) "توسع" المبادرة التي أطلقها في إدارته الأولى (2017 2021) للتطبيع ووقّعت عليها الإمارات والبحرين، على الرغم من أن كازاخستان الواقعة في آسيا الوسطى تُحافظ بالفعل على علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. من جهته، أنهى ترامب الحديث عن هذه القضية بالقول "هذه دولٌ مهمة للغاية. لذا؛ نعتبر أنه لشرف عظيم أن نلفت انتباهنا إلى رغبتهم في القيام بذلك، ونعتقد أن هذا أمرٌ رائع، إذاً إنها حقاً توسعة للاتفاقيات الإبراهيمية".الاتفاقيات الإبراهيمية في آسيا الوسطى
واعتبر جي دي فانس نائب ترامب، أن "ما فعله الرئيس هو في الواقع إشارة إلى أن زخم الاتفاقيات الإبراهيمية لا يزال قائماً ويسير على ما يُرام في الإدارة الثانية". من جهته، قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن "الاتفاقيات الإبراهيمية هي شراكة، إنها علاقة مُعززة تتجاوز مجرد العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفارات"، وأضاف: "ليست مع إسرائيل فحسب، بل مع جميع الدول الأخرى المشاركة في الاتفاقيات، أنتم الآن تُنشئون شراكة تُحقق تنمية اقتصادية خاصة وفريدة في جميع أنواع القضايا التي يُمكنهم العمل عليها معاً". ويمثل انضمام كازاخستان في قلب آسيا الوسطى لـ"الاتفاقيات الإبراهيمية" تعويضاً لترامب عن توقف قطار التطبيع على خلفية المجازر التي ارتكبها الإسرائيليون في غزة والضفة الغربية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كما تكرّس دور ترامب بوصفه "صانعاً للسلام"، ففي اللقاء مع قادة آسيا الوسطى بدا أن جميع القادة تعلموا من دروس سابقة، وكانت كلماتهم مختصرة جداً، حتى أن كلمة رئيس تركمانستان سردار بردي موخميدوف كانت أقل من 60 ثانية، والأهم أن ترامب سمع بالإنكليزية والروسية والفارسية والقرغيزية القريبة من التركية عبارة "رئيس السلام" من الرؤساء الخمسة، مع استعداد لنقل العلاقات إلى مستوى أعلى في الذكرى العاشرة لتأسيس إطار التعاون "خمسة زائداً واحداً (الولايات المتحدة، وكازاخستان، وأوزبكستان، وتركمانستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان).
العلاقات الدبلوماسية بين كازاخستان وإسرائيل تعود إلى التسعينيات
وفي المقابل، لم يرتكب ترامب أخطاء في تسمية أرمينيا وأذربيجان كما فعل سابقاً، حين خلط بين ألبانيا وأذربيجان، وأشار ترامب إلى أن آسيا الوسطى "جزء قوي من العالم"، لافتاً إلى "أهميتها المتزايدة". وقال ترامب إن "موقعهم اليوم في قلب أوراسيا يمنحهم أهميةً بالغةً وإمكاناتٍ هائلة"، مضيفاً أن الولايات المتحدة تُعزز علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع المنطقة. وتحدث ترامب عن استثمارات بتريليونات الدولارات وعن رغبة أوزبكستان بعقد صفقات تجارية وضخ استثمارات في الولايات المتحدة بقيمة 100 مليار دولار، رغم أن الناتج المحلي الاجمالي لأوزبكستان لا يتجاوز 115 مليار دولار حسب تقديرات البنك الدولي. وكانت الحكومة الكازاخستانية قد أعلنت، أمس الأول الخميس، أن "انضمامنا المتوقع إلى الاتفاقيات الإبراهيمية يمثل استمراراً طبيعياً ومنطقياً لمسار السياسة الخارجية الكازاخستانية القائم على الحوار والاحترام المتبادل والاستقرار الإقليمي". ومعلوم أن كازاخستان أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي عقب انفصالها عن الاتحاد السوفييتي. ودأبت كازاخستان منذ حكم الرئيس السابق نور سلطان نزارباييف على تنظيم مؤتمرات للحوار بين الأديان وغيرها من النشاطات بمشاركة فاعلة من شخصيات دينية وسياسية إسرائيلية.
واتفقت كازاخستان وإسرائيل على فتح علاقات دبلوماسية في إبريل/ نيسان 1992، وفي أغسطس/ آب 1992 افتتحت دولة الاحتلال سفارتها في ألماتا العاصمة القديمة للبلاد، وفي مايو/أيار 1996 افتتحت كازاخستان سفارة في تل أبيب. ولا تصدر كازاخستان تعليقات ومواقف حادة بشأن الأوضاع في الشرق الاوسط، لكنها شجبت العدوان الإسرائيلي على قطر في سبتمبر/أيلول الماضي. وفي مارس/آذار 2024 شاركت للمرة الأولى منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي في قوات حفظ السلام الدولية "أندوف" على الخط الفاصل بين الجولان السوري المحتل وباقي الأراضي السورية، وتشكلت الوحدة من كتيبة قوامها 139 جندياً وضابطاً. ورغم استضافتها جولات أستانة بين المعارضة والنظام السابق في سورية برعاية روسيا وتركيا وإيران، فإنها لم تتجاوب مع مطالب روسيا لإرسال قوات من الشرطة العسكرية لمراقبة الاتفاقيات بين المعارضة والنظام، أو أي جنود إلى سورية.
وترتبط كازاخستان بعلاقات اقتصادية مع إسرائيل، ووصل التبادل التجاري إلى 1.5 مليار دولار في 2011، لكنه تراجع إلى أقل من مليار دولار في 2022 حسب البيانات الرسمية. وفي 2022 بلغت صادرات كازاخستان إلى إسرائيل 833 مليون دولار أهمها صادرات النفط الخام (عن طريق أذربيجان ولاحقاً تركيا)، وأنابيب الغاز، وتستورد كازاخستان من دولة الاحتلال ما قيمته 71 مليون دولار من الفاكهة والسماد. وقبل ساعات من الإعلان عن انضمام كازاخستان إلى الاتفاقيات التي رعاها صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، نقل موقع أكسيوس عن مسؤول أميركي قوله: "على الرغم من أن كازاخستان وإسرائيل تربطهما علاقات دبلوماسية كاملة منذ أكثر من 30 عاماً، فإنّ هذه الخطوة تهدف إلى تنشيط الاتفاقيات الإبراهيمية
بوصفها إطاراً بقيادة الولايات المتحدة للتعاون بين إسرائيل والعالم العربي والإسلامي". وخلص المسؤول إلى أن انضمام كازاخستان "سيظهر أن الاتفاقيات الإبراهيمية نادٍ يرغب الكثير من البلدان في الانضمام إليه، وستكون خطوة نحو طيّ صفحة حرب غزة والمضي قدماً نحو المزيد من السلام والتعاون في المنطقة".وسعى المسؤولون الكازاخستانيون منذ عقود إلى إلغاء العقوبات الأميركية المفروضة على بلادهم منذ أكثر من نصف قرن، وكثفوا جهودهم في الأشهر الأخيرة مع إدارة ترامب والكونغرس الأميركي لرفع بلادهم من العقوبات بموجب تعديل "جاكسون فانيك". وهذا التعديل هو قانون أميركي صدر في عام 1974، ويمنع الدول ذات الاقتصادات غير السوقية من الحصول على وضع تجاري طبيعي، ما لم تلتزم بمتطلبات معينة. وعادة ما يؤكد المسؤولون الكازاخستانيون أنّ الإجراء الأميركي لرفع قيود "جاكسون فانيك" المفروضة على أستانة من شأنه أن يحفز توسيع التجارة الثنائية، بما في ذلك قطاع المعادن الحيوي. وأثناء زيارته واشنطن في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ضمن جولة ترويجية تجارية، كرّس نائب رئيس وزراء كازاخستان، سيريك جومانغارين، وقته للتفاوض على أعضاء الكونغرس الأميركي لشطب كازاخستان نهائياً من قائمة "جاكسون فانيك". ومعلوم أن الكونغرس ألغى العمل بتعديل "جاكسون فانيك" بالنسبة لمعظم الدول الشيوعية سابقاً، مانحاً إياها وضع العلاقات التجارية العادية الدائمة، لكن خمس جمهوريات سوفييتية سابقة، أذربيجان، وكازاخستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، وأوزبكستان، لا تزال تخضع للمراجعة السنوية و/أو الإعفاء الرئاسي.
مسؤول أميركي: الخطوة تهدف إلى تنشيط الاتفاقيات الإبراهيمية
وأشار جومانغارين إلى أن قانون "جاكسون فانيك" يمثل عائقاً لا داعي له، ويحد من آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين، معرباً عن أمله في "حل سريع لهذه القضية"، وفقاً لبيان رسمي صدر عقب اجتماعه مع المشرعين الأميركيين. وفي الزيارة ذاتها، عقد جومانغارين اجتماعات مع مجموعة من قادة الأعمال الأميركيين، وسلط الضوء على قطاع المعادن النادرة، إلى جانب "هندسة السكك الحديدية، وصناعة السيارات، وإنتاج الأسمدة، ومعالجة النفايات المنزلية الصلبة"، باعتبارها "نقاط نمو" محتملة للتجارة الثنائية، كما أخبر المسؤولين التنفيذيين في الشركات الأميركية أن كازاخستان تعتزم تنفيذ مشاريع بقيمة 100 مليار دولار لتوسيع "البنية التحتية للطاقة والمجتمعات المحلية".
والمادة 402 من قانون التجارة لعام 1974، والمعروف باسم تعديل "جاكسون فانيك"، تمنع بعض الاقتصادات غير السوقية الحالية والسابقة من التمتع بوضع علاقات تجارية طبيعية، ما لم تلتزم بمتطلبات معينة تتعلق بحرية الهجرة. وأقرّ الكونغرس هذا التشريع رداً على القيود المفروضة على الهجرة من الاتحاد السوفييتي التي أثرت على نحوٍ غير متناسب على اليهود. يسمح أحد بنود التعديل للرئيس بتمديد وضع علاقات تجارية طبيعية مشروطة للدول الخاضعة للقانون، إما بالتنازل عن متطلبات حرية الهجرة الواردة في التعديل أو بتأكيد عدم انتهاك الدولة المعنية لتلك المتطلبات، مع مراعاة المراجعة السنوية. يتطلب الرفع الكامل لتطبيق تعديل "جاكسون فانيك" من الكونغرس إقرار تشريع يُخوّل الرئيس بتمديد وضع علاقات تجارية طبيعية دائمة لدولة معينة.
وأقرّ الكونغرس تشريعات تُعفي معظم الدول المتأثرة سابقاً بتعديل "جاكسون فانيك"، إلّا أن هذا التعديل لا يزال سارياً على أذربيجان وكازاخستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، التي حصلت على وضع مؤقت في قائمة الدول غير الخاضعة للرقابة التجارية، وعلى بيلاروسيا وكوبا وكوريا الشمالية التي لم تحصل عليه. وتطالب كازاخستان وأوزبكستان الكونغرس بإلغاء تطبيق تعديل "جاكسون فانيك" عليهما. ودعمت إدارة الرئيس السابق جو بايدن إلغاء التعديل بالنسبة لكازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان. ومن بين الدول الثلاث، تعد التجارة الثنائية للسلع بين الولايات المتحدة وكازاخستان الأكبر من حيث القيمة. وتشير أحدث البيانات المتاحة من مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي ووزارة الخارجية إلى أن الاستثمار المباشر الأميركي في كازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان يبلغ 44 مليار دولار و122 مليون دولار و40 مليون دولار على التوالي.
تطالب كازاخستان وأوزبكستان الكونغرس بإلغاء تطبيق تعديل "جاكسون فانيك" عليهما
قانون "جاكسون فانيك"
وفي معرض دعمها لإلغاء قانون "جاكسون فانيك" عن كازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان، ذكرت إدارة بايدن بأن ذلك سيشير إلى التزام الولايات المتحدة بالمشاركة الاقتصادية في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى مساعدة هذه الدول في آسيا الوسطى على تنويع اقتصادها بعيداً عن روسيا، وأنه سيعزّز فرص التجارة والاستثمار للشركات الأميركية. وتدعو بعض جمعيات الأعمال الأميركية إلى إعفاء كازاخستان و/أو أوزبكستان. ونظراً لأن جزءاً كبيراً من السكان اليهود في هذه الدول الثلاث قد هاجر إلى الولايات المتحدة أو إسرائيل منذ عام 1991، يرى بعض مؤيدي الإلغاء أن قانون "جاكسون فانيك"، الذي تناول في البداية القيود السوفييتية على هجرة اليهود، قد عفا عليه الزمن. ويرى آخرون أنه يتعارض مع سياسة الولايات المتحدة تجاه آسيا الوسطى، مجادلين بأنه ينظر إلى هذه الدول من منظور الاتحاد السوفييتي بدلاً من اعتبارها دولاً مستقلة.
ووصف أحد أعضاء مجلس الشيوخ استمرار تطبيق القانون بأنه "مصدر إزعاج ثنائي" للعلاقات الأميركية. ولم يجرِ إقرار قانون جديد في الكونغرس لإلغاء سريان تعديل "جاكسون فانيك" على بلدان من آسيا الوسطى لتقديرات بأن الحفاظ عليه يمنح الولايات المتحدة نفوذاً عند التعامل مع دول آسيا الوسطى بشأن قضايا حقوق الإنسان. وتشمل الحجج المحتملة الأخرى ضد اتخاذ إجراء لإعفاء كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان من "جاكسون فانيك" ما قد يجادل به بعضهم بأنه التأثير العملي المحدود للتعديل على العلاقات الاقتصادية مع هذه الدول، بالنظر إلى أن الدول الثلاث تتمتع حالياً بوضع "علاقات تجارية طبيعية" مشروط. فضلاً عن ذلك، قد يجرى تقديم حقيقة أن أوزبكستان لم تنضم بعد إلى منظمة التجارة العالمية حجةً ضد إنهاء انطباق "جاكسون فانيك" على ذلك البلد.